«ليس لهافانا رب يحميها» رواية جديدة ياسمينة خضرا

IMG_87461-1300x866

تتخذ رواية «ليس لهافانا رب يحميها» للروائي ياسمينة خضرا الصادرة عن دار نوفل، شكلا تساؤليا يتألف من السرد التحليلي المعتمد على الحقيقة الحياتية، في بقعة من الأرض بغض النظر عن الخيال الروائي، والكيان الإنساني الباحث عن أسباب الوجود، والدور الذي يلعبه الإنسان من خلال مسيرة بحثه عن الله إيمانا أو كفراً.
وفي كل الأحوال يطرح الروائي ياسمينة خضرا من خلال روايته فكرة الإيمان بالشيء والانقياد خلف هذه الفكرة أو ضدها، وعبر مساحة مفتوحة تنوعت الأمكنة فيها، كما استطاع الغوص في بيئة اجتماعية تتشابه مع كثير من البيئات الفقيرة في العالم، وما هافانا إلا رمزية لهافانات أخرى قد تكون هنا أو هناك. وما إيمان بانشيتو الذي بدأ به روايته إلا حلم الفقراء في الاستقرار والرخاء، والسعي إلى التقاط إيجابيات الحياة. «علينا نحن أن نجد له معنى يساعدنا على بلوغ شيء من السعادة». وما الفرح إلا تلك المرحلة المجهولة التي يزرعها الأهل في نفوس أطفالهم. فإما أن يكمل بعدها الإنسان مرحلته التي يعيشها سعيداً، أو تعيساً، وفي جميع الأحوال هي رواية اللقاء المؤسس للعائلة المؤثرة نفسياً على التفاصيل الأخرى أو على الهيكل الروائي المشيد بمقومات وأسس تتماشى مع السرد المؤسس لتكوين هافانات في مخيلة القارئ.
وبتسلسل تنمو من خلاله الأفكار المؤمن بها بانشيتو القابع في نفس كل إنسان يبحث عن وجوده بعيدا عن الشعارات أو «الأيديولوجيات النابعة من ذهنية التبعية، أكثر منها الناتجة عن غسيل الدماغ». بتوليف وتزامن وبوعي روائي رسمه بدقة وبتدرج هو نمو الزمن في الشخصيات المؤثرة على الأحداث المتخيلة أو المطروحة للنقاش الذهني مع القارئ.
قد يتساءل القارئ ما نتاج هافانا؟ وأين الرب الذي يحميها؟ أو أين اختفى في رواية حضر فيها بانشيتو، وما الفلسفة التي تطرحها هذه الرواية المزودة بعقلانية وهيكلية متينة تهدف إلى حكمة مبطنة مرتبطة بنوع السرد الذي يعتمده ياسمينة خضرا، مبتعداً عن المؤامرة الإنسانية في الواقع الحي والمحسوس، ولامسا البساطة الحياتية التي تولد مع الإنسان في مناطق هي من النوع الثالث في العالم، وضمن الخصائص الأسلوبية التي يتبعها في السرد الممتع أو في خلق المشهد تلو المشهد، والمقولات المستخرجة من لب الحياة والواقع المعاش «والدي علمني أن أجعل من اللقمة مأدبة. هو أيضاً من أثبت لي أن المرء كيما يكون رجلا حقيقياً، يجدر به ألا يحيد عن ذاته الحقيقية، بهذا على الأقل لا يخدع أحداً»، فهل نختلف معا لأن أنماط التفكير تختلف بين شخص وآخر؟
امتنع ياسمينة خضرا عن توجيه القارئ نحو الهدف مباشرة، بل اعتمد على حكمة صنع الرواية لكل فرد يشبه بانشيتو. ما جعلها حكاية كل فرد يولد في مجتمع خرج منه كوسمولوجيا وفي ظروف معقدة وجعله يسأل أين الله؟ إلا أنه لا يشعر بتعقيدها أو صعوبتها، لأن العائلة التي خرج منها آمنت بالحب «ما أندر الحب حين يكون بهذه القوة» وبنصيحة واحدة من أب فطري وعفوي يترك لولده مقولة «عش حياتك» وهي تمثل اكتشف حياتك وتعلم من أخطائك فيها، إذ نكتشف في كل صفحة بساطة بانشيتو وقوة استخراجه ذهنيا لما هو فلسفي، ولما هو نوع من إشكالية التحول الفردي من حالة إلى حالة، وبابتكار توالفت معه الأحداث، بدون تكلّف أو ابتذال أو تسريع أو تباطؤ، بل ترك عين المشهد الروائي مسلطة على بانشيتو وتحولاته، والعين الأخرى على التفاصيل، كلعبة الساحر الفنية في خفة يده، وهذه تقنية روائية لشخصية افترضها، عالج من خلالها الكثير من الجدليات التي نؤمن بها أو نكفر بها، كالحبال التي سنشنق بها ذات يوم وباحترام لطبيعة التجانس الروائي، أو بالأحرى طبيعة التجانس بين الشخوص، والإيمان الخاص بكل فرد بما يعيشه من أحداث أو من مكتسبات جينية نشأ عليها وتابع المسيرة من خلالها. وهذا يشكل الأضداد أو فروقات الأضداد بين الشخصيات، والاكتشاف الفني هو الفواصل الذهنية الموضوعة للتفكر أو لاستراحة القارئ بين لحظة وأخرى.
ترتد الانعكاسات على قارئ رواية «ليس لهافانا رب يحميها» وبتفعيل عكسي، إذ يسترجع الذهن وبسرعة كلام بانشيتو، وبشكل تدريجي يعيدنا في كل مرة إلى الأب والأم والجينات المتوارثة. إلا أن ذلك يبدأ وبانشيتو في عمر خمس سنوات، لتتساوى معرفة القارئ بمعرفة بانشيتو، وبخبرته الحياتية التي تلقاها في كلمتين «عش حياتك»، التي حددت كيفية تكوين شخصية بانشيتو في الرواية، وشخصية أي فرد في المجتمع المتخبط الذي تنتج عنه تأثيرات قد نؤمن بها أو لا نؤمن بها، إلا أنها تشكل هوية الشخصية المجتمعية التي يواجه بها الأفكار المختلفة، أو الأفكار التي يقطفها من كل مرحلة حياتية يعيشها. «تلك مرجعيتنا وهويتنا، وهي أيضا امتيازنا الثقافي في العالم». وبتوليف مع قصة حياة يقدمها ياسمينة خضرا على صفحات رواية انتظمت المعلومات السردية فيها مع تحليل الشخصية وتطوراتها واكتمال المعرفة فيها ضمن نوعها وذاتيتها، وحتى موضوعيتها أو البواطن المخفية لهذه الشخصية التي أنجبتها الحياة نفسها، أو بالأحرى المجتمع الذي نشأ فيه بغض النظر عن هافانا أو كوبا أو غيرهما. لأنها شخصية تتكرر في كل زمان ومكان «إن الثورة إن كانت قادرة على صنع الأفكار، فهي غير قادرة على تطهير جيناتنا من الموروث الذي تحمله بشريتنا منذ آلاف السنين»، فما الفرق بين بشريتنا وإنسانيتنا؟ وهل يمكن اكتشاف ذلك مع بانشيتو في رواية ليس «لهافانا رب يحميها» التي تجعلنا في رحلة تشويقية لا تنتهي، فيها اكتشافات بانشيتو الحياتية المفرحة أو الموجعة أو الوجودية المرتقة بموروث متهالك؟
تستعاد الأشياء في أساسيتها البنيوية، وخصائصها الحامضية وتراكيبها الجينية، ومتغيراتها الكروموسوماتية وعمقها النووي للذرات، التي من شأنها أن تعيد للبشرية الوجه الإنساني الذي يختفي ويعود عبر زمن يتخطانا أو نتخطاه تبعا لتطورنا الزمني في المكان نفسه «عمداء في فن المسرح لا يدركون أن العصر تجاوزهم « وحين يتجاوز العصر الإنسان فإنه يموت، وهو يعيش على أطراف ذكرياته التي تأكله أو بالأحرى تجعله يتآكل حتى الفناء، «هذا الإنسان البالغ من العمر خمساً وثمانين سنة هو مثالي التخليّ، فهو لا ينتظر شيئاً من المستقبل ولا من الموت»، فكيف يمكن أن تتجدد البشرية وهي تأكل نفسها كما تآكلت أحلام بانشيتو، الذي غادر السهول المشمسة فنياُ ببنطال مرقع وفي جعبته حلم فنان، وما الأحلام إلا الإيمان المطلق بالقدرة على تحقيقها، ولكن يجب حمايتها من تبدلات الزمن ومتغيراته وتأثيره على الإنسان ومحيطه.
رواية تطرح المشاكل البشرية التي تواجه الإنسان في تكرار مبني على الولادة والموت في كل شيء، من الإنسان إلى الأشياء وصولا إلى الاختلافات والمتناقضات في المجتمعات غير المؤهلة للتطور، وكأن خطى بانشيتو الذي تحول إلى مغن وأصبح يدعى خوان ديل مونتي، تمثل خطوات كل فرد ما اقتدى بقانون التطور، وترك أموره عالقة في براثن الزمن. كنوع من تعليم الوعي للقارئ، من خلال السرد الروائي القائم على متابعة مسارات الحياة في بقعة هي هافانا بكل مشاكلها الاجتماعية والإنسانية، التي تجعلك تشعر بأن الطفولة والشباب والهرم تفاصيل وما هي إلا أدوات الحياة تاركا في روايته سؤالا مفتوحا تكتشف أجوبته المتعددة من خلال السرد وتطوراته. هل يحدث لك أحيانا أن تؤمن بالله؟

 

سمينة خضرا

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك