الفرق بين سكان الشمال وسكان الجنوب بعد إستقلال الجزائر

IMG_87461-1300x866

أدركت مستوى تذمر أبناء الجنوب من النظرة السائدة لهم ولمنطقتهم من قبل أبناء الشمال ودولة الاستقلال، عندما زرت مدينة ورقلة منذ سنوات. فقد أصر الكثير من الأصدقاء من أبناء هذه المدينة الجنوبية على تذكيري بمحتوى نشرة الأحوال الجوية في التلفزيون الوطني وهي تقدم توقعاتها للأحوال الجوية يوميا، فتذكر الكثير من المناطق والمدن بالاسم عندما يتعلق الأمر بالشمال، في حين تكتفي بجملة واحدة لا تتغير، أما باقي مناطق البلاد، عندما تتكلم عن مناطق الجنوب الواسعة، التي تمثل أكثر من ثمانين في المئة من التراب الوطني، بدون ذكر أي مدينة أو جهة من جنوبنا الواسع، الذي لم يعد مصدر الثروة النفطية فقط في الجزائر، بل المائية والزراعية كذلك، كما توضحه حالة ولايات أدار، بسكرة والوادي في السنوات الأخيرة، وهي تنافس الشمال في إنتاجها الفلاحي المتنوع في كل فصول السنة تقريبا.
تذمر، يحس به أبناء الجنوب، زاد مع الوقت وعبر عن نفسه بعدة أشكال، تطورت نحو الجماعية والعنف في السنوات الأخيرة. يمكن رده في جزء كبير منه إلى تلك النظرة السائدة في التعامل مع البلد، كل البلد من قبل النخب الرسمية ومؤسساتها السياسية الحاكمة. نظرة سائدة عادة ما تركز على القراءة من أعلى، تمنح كل الأهمية للثقافوي وحتى الفلكلوري في بعض الأحيان، على حساب القراءة من أسفل، التي يتم إهمالها تماما وكأن الجزائر جغرافية واحدة وحال ديموغرافي واحد غير متغير. تنهض في الصباح في التوقيت نفسه وتذهب للعطلة في الوقت نفسه وتنام في التوقيت نفسه، تعلق الأمر بالمنطقة الخضراء (نادي الصنوبر) أو جبال الهقار.
يتم هذا الإهمال للجغرافيا والديموغرافيا كمعطى رئيسي للتحليل في بلد يعرف تطورات ديموغرافيا سريعة كميا ونوعيا. تتغير فيه حتى الجغرافيا التي ازدادت قساوتها، تحت تأثير متغيرات المناخ الكونية. فقد أعادت الدولة الوطنية ونخبها المسيطرة، جزئيا على الأقل، تلك النظرة الكولونيالية القديمة، التي كانت سائدة أثناء الفترة الاستعمارية، فلم يشاهد المسير الوطني أن في ورقلة وتمنراست وأدرار وبشار، الخ جامعات تشتغل منذ عقود، خرجت عشرات الآلاف من الإطارات من كل التخصصات ومن الجنسين. وإن الجنوب لم يعد يمثل تلك الجزائر العميقة الهادئة والقابلة بوضعها، الذي كان يقدمه الخطاب الرسمي كنقيض لمدن الشمال المتحركة اجتماعيا، الكافرة بالنعمة. فقد بينت التجربة في الجزائر أن ظهور الجامعة يعني الحراك الاجتماعي، تعلق الأمر بالشمال أو الجنوب، الذي تصر القراءة السائدة له على منطق الاستثناء وهي تتعامل معه. في حين تقول الوقائع إن ما يحصل في الشمال، قد يتأخر، لكنه يصل حتما إلى الجنوب، بما فيها الحركات الاحتجاجية. والتحولات الثقافية وتلك المتعلقة بالشباب وأدوارهم الجديدة داخل المجتمع الجزائري، وهم يعيدون النظر في مواقع وأدوار النخب التقليدية التي تصر البيروقراطية الرسمية على التعامل بانفراد معها، وهي تحاور مجتمع الجنوب. نخب تقليدية (نخب زوايا وأعيان تجاوزهم الزمن في الغالب) تفضلها النخب الرسمية كمحاور وحيد لمجتمع الجنوب، عكس ما يقوله المعطى الديموغرافي والسوسيولوجي المتحرك.
جنوب لا تشاهد العين الشمالية التي تسيره أنه يتغير ولم يعد نخبا تقليدية، زوايا وشاي وكاوكاو (فول سوداني). ُيسيره محليا أبناء الشمال المغضوب عليهم، المحولون للعمل في هذه القفار الواسعة. تسيير مازالت النخب المركزية العاصمية هي المسيطرة داخله، ببعدها الجهوي الواضح، تعلق الأمر بالمؤسسة النفطية أو الخدماتية. وهو ما لم يعد مقبولا، كما كان في السابق من قبل النخب الجنوبية الجديدة التي أفرتها التحولات ذاتها التي أنجزتها الدولة الوطنية منذ الاستقلال، وعلى رأسها ما أفرزته الجامعة. نخب مازالت رغم ذلك ضعيفة الحضور وطنيا داخل مؤسسات الدولة المركزية، لا يتم تعيينهم حتى الآن إلا في مواقع هامشية، وكأنهم في حالة تربص دائم ليس من حقهم إلا وزارة السياحة والصناعات التقليدية.
الجنوب في الجزائر يتميز بجغرافية واسعة وديموغرافية ضعيفة وتنوع عرقي وثقافي غاية في الثراء، على حافة وضع دولي وإقليمي مضطرب أمنيا وسياسيا، في علاقة بما يحصل مع دول الساحل جنوب الصحراء. متغيرات متنوعة ليس من السهل التعامل إيجابيا معها، في غياب العلاقة القريبة مع المجتمع المحلي ونخبه الممثلة لهذا الثراء، بكل تنوعه الأمازيغي، الإفريقي والعربي. وضع جغرافي وديموغرافي يعبر عن نفسه «بالخوف» الذي قد يظهر على أبناء المنطقة في علاقاتهم بمحيطهم البشري، كما يظهر بشكل جلي في حالة غرداية الجنوبية، وهم يعيشون تحت ضغط هذه التحولات الديموغرافية التي تساعد على تسارع وتائرها وسائل النقل الحديث من طائرة وطرق سيارة، بما تفرزه من حراك ديموغرافي لا يأتي من الشمال فقط (مواطنين جزائريين) بل من الحدود كذلك على شكل هجرة سرية في ارتباط في الغالب بالوضع الأمني والأيكولوجي المهزوز، الذي تعيشه دول الساحل، كما هو الحال في دولة مالي والنيجر وحتى ليبيا في عمقها الطارقي الأمازيغي. أبناء قبائل عديدة لم تترسخ لديها لحد الآن فكرة الحدود الدولية التي قسمتها بين عدة بلدان بعد الاستقلال الذي حصلت عليه هذه الدول.
الجغرافيا السياسية حاضرة بقوة هنا كعامل تفسير ثقيل، فالجزائر من هذه الزاوية تدفع ثمن موقعها الجغرافي بين أغنى دول العالم (أوروبا) وأفقرها، ممثلة في دول عالم الساحل الإفريقي، كدولة مالي والنيجر. ثمن قد يكون مطلوبا من الجزائر أن تدفعه في الجنوب الغني والهش ديموغرافيا، تماما كما هو حاصل عند الحديث عن بعض السيناريوهات المتشائمة المتعلقة بدول الخليج العربي، إذا فشلت الجزائر في تسيير تنوعها الثقافي والديموغرافي، الذي يجب ان تتعامل معه كمعطى دائم من خلال سياسة إرادوية واعية، تركز فيه على عوامل القوة الكثيرة الحاضرة، وتتلافى نقاط الضعف المؤقتة التي يعمل العامل الدولي والإقليمي المضطرب على استغلالها، كما هو ظاهر في أكثر من منطقة في العالم.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. عبدالكريم بوشيخي

    لا يعقل ان يستفيد سكان الشمال من 90 في المائة مما تبقى من مداخيل النفط و الغاز و 10 في المائة المتبقية فقط يستفيذ منها شعب الجنوب الجزائري في حين انه لولى الجنوب و ثرواته الباطنية الهائلة لاصبح الشمال رقعة من النيجر او بوركينا فاصو في تخلفها فهذه حقيقة يجب ان يعرفها ذالك الشعب المنكوب منطقيا يجب ان يستفيد من 70 في المائة من ثروات باطن ارضه و 30 في المائة لا ضير ان ذهبت الى الشمال و حينما قلت ان الشمال يستفيد ب 90 في المائة مما تبقى من مداخيل النفط الغاز فهذا يعني ان النظام يسرق 50 في المائة فلا الشمال استفاد بما فيه الكفاية و لا الجنوب ايضا فعلى شعب الجنوب الجزائري ان يعرف انه يستفيد فقط من الفتات الذي يجود عليه النظام و اعتقد انهم تاخروا كثيرا في المطالبة بثروة ارضهم و الحصول على حصتهم من اموال النفط و الغاز بطريقة عادلة لا ظلم فيها فاسالوه عن التكلفة الباهضة التي ينظم بها ما يسمى بجامعة بومرداس الصيفية لتدريب مليشيات البوليساريو على فنون الارهاب حوالي 400 مدعو من دول العالم من بينهم مغاربة الصحراء المغربية ليحضروا هذه الجامعة التافهة التي ليس لكم فيها لا ناقة و لا جمل يقيمون في الفنادق المصنفة و تذاكر الطائرات ذهابا و ايابا و يعودون الى اوطانهم باظرفة محشوة بالاورو و الدولار الم تكونوا انتم الاولى بهذه الجامعة لتدارس مشاكلكم و الخروج بحلول ترضيكم فالنظام الجزائري مثل ما نقول دائما ان اخر ما يفكر فيه هو الشعب الجزائري و مشاكله لان البوليساريو اصبحت اهم شيئ عنده قادتها هم سادة الجزائر فانتم لا تمثلون له اي شيئ لكن مطالبتكم بحقوقكم ستحرجه امام العالم و سيرضخ لكم في اخر المطاف.

  2. السميدع من امبراطورية المغرب

    اقرؤوا تعليق سيدكم البوشيخي و تعلموا منه الاخلاق و المروءة و الشهامة و استفيدوا من كلامه الطيب فهل ذكر اخونا البوشيخي كلمة شعب صحراوي و آخر قبائلي او هضابي او شيحي او ريحي ؟ ! ! ! ابدا لانه ابن اصول مثل كل المغاربة لاهم يعلمون علم اليقين ان الجزائر شعب واحد كالمغرب لا تفرقة اشكال التضاريس التي يعيش فيها او الاعراق لاهننا كلنا بدين واحد الاسلام و لغة رسمية واحدة هي العربية .

  3. صحراوي

    على الإخوة في الجنوب أن يستمروا في التظاهر ويشترطوا على الأقل توظيف الكفاءات المحلية في كل المناصب العليا للدولة والشركات الحكومية العاملة في المنطقة فالمنطقة تزخر بكفاءات بشرية عالية وبإمكانها تسيير أي مؤسسة كيفما كان نوعها كفى من الحكرة والتهميش : الخيرات كلها من الجنوب والمستفيدون كلهم من الشمال ليرحل الشماليون إلى شمالهم ليسيروا ما هو موجود في مناطقهم وليتركوا تسيير الجنوب للجنوبيين "أهل الصحراء أدرى بشعابها" كما يقول المثل عن مكة المكرمة

الجزائر تايمز فيسبوك