لولا فساد الادارة لما فسدت الجزائر

IMG_87461-1300x866

قصدت إحدى الإدارات العمومية لاستخراج وثيقة مستعجلة في رمضان ، فإذا بمجموع العمال يضحكون علي بحجة أنه لا عمل في هذا الشهر ثم أصبح كل منهم يقذفني للآخر ، و حين طلبت مقابلة مدير الإدارة قيل لي بأنه هو الآخر غائب منذ شهرين و نصف لأن لديه ظروفا خارجة عن السيطرة ، و في الجامعة يغيب بعض الأساتذة فترات طويلة بدون أي مبرر قانوني ولا يتم تعويضهم ولا تعويض حصصهم و حين عودتهم لكرسي التدريس يلقون بالتهمة على الطلبة و يتهمونهم بالتقاعس و عدم الرغبة في الدراسة ، ذات يوم كذلك كنت شاهدا بأم عيني على حديث مدير مع أحد العمال حين صرخ في وجهه قائلا ( أنا رب هذه الإدارة ولا واحد عنده القدرة على محاسبتي ) ، هكذا هي الإدارة الجزائرية التي تشغل زهاء الثلاثة ملايين فرد تعاني الفساد و المحسوبية و الرشوة آفات لم تترك لها صورة ايجابية في ذهن الفرد البسيط ، ما جعل عمالها أضحوكة و محل شك و ريبة خصوصا بعد تسريب صور و فيديوهات لرؤساء بلديات و مدراء ببعض الولايات في وضعيات لا أخلاقية تمس أساسا بهيبة الدولة ان وجدت .

ان مشكلة الجزائر فضلا عن غياب العقلانية و الحكم الراشد ، هي فساد الشخوص داخل النسق الإداري و الاجتماعي ، هذا الفاسد النابع من قلب المجتمع الذي يعيشون به بالنظر لكونهم غالبا سليلي عائلات فقيرة يؤدي بهم العامل النفسي الى الرغبة في تضخيم الثروة حين تتاح لهم مسئولية تسيير أحد المرافق الإدارية ، ثم يبدأ ضغطهم على الشخوص اللذين هم أعلى مسئولية منهم من خلال التهديد بملفات الفساد ، و بعد ذلك تشكيل شبكة معقدة من بارونات المال التي تصبح متحكمة بالإدارة في المدينة ثم بالمدينة ككل ، و لعل خير دليل هو ارتفاع نسبة الشخوص الموظفين عبر تقديم الرشاوى رغم كونهم فارغي عقل لكن سلطة المال و القبيلة كذلك في مرات كثيرا تمنح لهم المنصب و تحرمه من مستحقيه .

الإداري الجزائري هو شخص بسيط مثله مثل بقية الشخوص البطالين و الكادحين في المجتمع ، لكنه يظن نفسه فرعون المدينة ، فيحتكر السلطة في الإدارة التي يسيرها ، و يعمل على تحسين وضعه المادي و وضع أقاربه اللذين يحتكرون فيما بعد مقاليد الحكم في الإدارة فتتحول بذلك إلى مملكة صغيرة لجماعة فلان ، لكن الأخطر هو تغول هؤلاء الفاسدين على جل مفاصل الإدارة العامة داخل البلاد و قلبهم للتراتبية الإدارية عبر قوة مالهم و الشبكة التي يسيرونها  ، هذا التغول عائد أساسا للعامل النفسي ممثلا في الرغبة بزيادة الثروة و الهيمنة بعدما كان سابقا شخصا مهمشا يعيش على هامش المجتمع فكل الإداريين المشهورين بفسادهم غالب هم أبناء الأسر الفقيرة اللذين وصلوا الى الإدارة بطرق ملتوية ثم حولوها الى مملكة تنتشل فقراء العائلة و الحي ، العامل الاجتماعي ممثلا في الرغبة بالظهور و زيادة الشهرة وسط المجتمع ليتصور نفسه بطلا لا أحد قادر على زعزعته من منصبه ، أما الأخطر فهو العامل النفسي للعمال الآخرين اللذين يجارونه في فساده عبر السكوت أو محاولة تقليده ما يجعل الإدارة برمتها فاسدة و حديث المقاهي و وسائل التواصل لاجتماعي ، حيث أن المسئولين الفاسدين في أي مدينة يمكن التعرف عليهم من خلال جلسة في المقهى أو صفحات الفايسبوك .

أخيرا ، لا يمكن بأي حال من الأحوال تغيير الواقع الجزائري بداية من فساد الإدارة وصولا إلى تعفن الطبقة العليا مرورا بالمدرسة و الجامعة ، مادام الوعي بخطر الفساد غائبا فإذا لم يدرك العامل خطر فساده على الجزائر و واقعها و مستقبلها فانه لن يستطيع استيعاب مأساة اللذين يظلمهم بفساده ، إضافة إلى أن غياب سلطة فاعلة تكافح هذه الظاهرة يؤدي منطقيا لعدم القدرة على تغيير الواقع بقدر ما يساهم في بناء أسس للإداريين الجدد اللذين لن يختلفوا عن سابقيهم في توظيف قدرتهم على المحافظة على وتيرة الفساد التي تسير وفقها الإدارة الجزائرية ، و مادامت هذه الأخيرة هي القاعدة الأقرب للمواطن فاسدة فلا يتوقع أن تكون الجهات الأعلى منها صالحة .

 

محمد علي القاسمي الحسني

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. كل ما بُني على باطل فهو باطل... والسؤال الذي يجب على كل جزائري طرحه على نفسه ومحاولة الجواب عنه هو : من المستفيذ من الوضع الحالي للجزائر ؟

  2. أيوب

    كلنا نحلم بمحاسبة هؤلاء المجرمين الذين استباحوا دماءنا وأرواحنا وثرواتنا وحاربوا ديننا اللهم العنهم لعنا كبيرا ومكنا من رقابهم لفصلها عن أجسادهم بعد محاكمتهم.

  3. هشام

    الويل لهؤلاء الكفرة الفجرة الذين حاربوا شرع ربهم وعوضوه بقانون نابليون وقهروا المسلمين وقتلوا منهم الكثير وعذبوهم وعوقوهم في السجون وهم على اختلاس ثروات الأمة مستمرون ولمن يحاربون الإسلام داعمون.

الجزائر تايمز فيسبوك