جولة جديدة من المعارك تستعد لها منطقة الهلال النفطي الليبية

IMG_87461-1300x866

جولة جديدة من المعارك تستعد لها منطقة الهلال النفطي، التي تحتضن أكبر حقول البترول في ليبيا ومعظم موانئ هذا البلد النفطية.

حلبة القتال تضع في المواجهة هذه المرة، قوات خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في طبرق (شرق)، وقوات إبراهيم جضران، القائد السابق لحرس المنشآت النفطية، المدعوم من قبيلة “المغاربة”، التي تستوطن هذه المنطقة الاستراتيجية اقتصاديا والرخوة أمنيا وعسكريا.

والخميس الماضي، سيطرت قوات جضران على مينائي “السدرة” و”راس لانوف” النفطيين، وحقل “الفيبا” النفطي، بالإضافة إلى بلدات أقل أهمية من الناحية الاستراتيجية، على غرار بن جواد والنوفلية وهراوة.

وعقب هذه السيطرة، احتشدت قوات حفتر بمدينة أجدابيا (شرق)، كبرى مدن الهلال النفطي، إضافة إلى مرسى البريقة، وهو أقرب ميناء نفطي إلى رأس لانوف، بغية القيام بهجوم مضاد لاستعادة المناطق التي خسرتها، بينما تكتفي حاليا بشن غارات جوية على مراكز تموقع قوات جضران.

وأعلنت قوات جضران، على لسان ناطقها الرسمي، علي المغربي، أن أغلب المنتسبين لها “من قبيلة المغاربة، وهم في طريقهم إلى العودة إلى بيوتهم في أجدابيا”، ما يعني أن قوات جضران لن تتوقف عند حدود “راس لانوف”، بل ستزحف نحو معقلها الرئيسي شرقا في أجدابيا، لاستعادة السيطرة أيضا على مينائي البريقة والزويتينة النفطيين.

ويأتي الهجوم على الهلال النفطي في فترة عصيبة ما يزيد من تعقيد المشهد الليبي، إذ تزامن مع إحكام قوات حفتر السيطرة على معظم أجزاء مدينة درنة (1340 كلم شرق طرابلس)، مما اضطرها إلى سحب جزء من هذه القوات إلى جبهة الهلال النفطي.

كما أنه يتزامن أيضا مع استعدادات البلاد لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية 2018، وربما استفتاء لتعديل الدستور، فضلا عن إصدار البرلمان لقوانين منظمة للانتخابات وفق خارطة الطريق المدرجة في إعلان باريس.

** الهلال النفطي.. قلب الاقتصاد الليبي

تشير تقديرات إلى أن منطقة الهلال النفطي تحتضن أكثر من 60 بالمائة من الاحتياطي النفطي بالبلاد، كما أنها تضم أربعة موانئ نفطية رئيسية، بالإضافة إلى ميناء الحريقة في طبرق، وموانئ أقل أهمية في بنغازي (شرق) والزاوية (غرب) ومليتة (غرب)، وميناء حقل البوري النفطي (غرب) بالبحر المتوسط.

ويعتبر “السدرة” و”راس لانوف” أكبر مينائين لتصدير النفط في ليبيا (400 ألف و220 ألف برميل يوميا على التوالي)، وصادراتهما مجتمعين تبلغ قرابة ثلاثة أرباع صادرات البلاد البترولية، التي تملك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا.

جدير بالذكر أن إنتاج ليبيا من النفط بلغ 800 ألف برميل من النفط قبل نهاية مايو 2018 (بلغ 1.1 مليون برميل يوميا في ديسمبر 2017)، وتوقع البنك الدولي أن يبلغ 1.5 مليون برميل يوميا نهاية العام الجاري.

وتسبب الهجوم على الهلال النفطي بخسائر بملايين الدولارات، حسب المؤسسة الليبية للنفط (حكومية)، التي أشارت، في بيان لها، الإثنين، إلى فقدان الخزانين رقم 2 و12 في ميناء راس لانوف (شمال).

وأوضحت المؤسسة أن الهجمات والأضرار التي لحقت بالخزانات، أدت إلى انخفاض السعات التخزينية للنفط الخام من 950 ألف برميل إلى 550 ألفا.

** منطقة رخوة أمنيا

رغم الأهمية الاستراتيجية للهلال النفطي، اقتصاديا وسياسيا، إلا أنها تعد منطقة رخوة عسكريا، إذ يصعب الدفاع عنها، لافتقادها لحماية طبيعية أو كتل سكانية وازنة.

فهذا الحوض النفطي عبارة عن منطقة صحراوية منبسطة لا توجد فيها جبال شاهقة أو وديان عميقة يمكن الاحتماء بها، كما أن كثافته السكانية ضعيفة، وأغلب السكان ينحدرون من قبيلتي المغاربة (قرب الموانئ النفطية) والزوي (قرب الحقول النفطية جنوبا)، بالإضافة إلى قبائل أولاد سليمان في بلدة هراوة.

وتتجلى صعوبة الدفاع عن الموانئ النفطية من خلال سقوط مينائي “السدرة” و”راس لانوف” في يد قوات جضران، في يوم واحد فقط (الخميس) من القتال.

وبعدها انهارت قوات حفتر تباعا في بلدات بن جواد والنوفلية وهراوة، حتى لا تقع بين فكي كماشة (قوات جضران شرقا وقوات مصراتة في مدينة سرت غربا).

لكن سيطرة قوات جضران على المنطقة قد تكون مؤقتة، إذ سبق وأن سيطرت سرايا الدفاع عن بنغازي، المتحالفة حينها مع جضران، في 3 مارس 2017، على مينائي “السدرة” و”راس لانوف”، وسلمتهما لحرس المنشآت النفطية التابع لحكومة الوفاق الوطني.

لكن وخلال 11 يوما، استعادت قوات حفتر المينائين وبقية البلدات الأخرى (بن جواد والنوفلية وهراوة).

وقبلها تمكنت قوات حفتر، في 12 سبتمبر 2016، من السيطرة على كامل الحوض النفطي، في أقل من ثلاثة أيام، وطردت القوات الموالية لجضران (التي انقلبت على حفتر، وأعلنت دعمها لحكومة الوفاق)، بعدما سيطرت على المنطقة طيلة الفترة من 2011 إلى 2016.

وعمليات الكر والفر في منطقة الهلال النفطي، وتبادل السيطرة على بلداتها، ظهر جليا خلال الثورة الليبية (مارس- أكتوبر 2011)، حيث كان الثوار يتقدمون من بنغازي إلى غاية بن جواد غربا، قبل أن يتراجعوا أمام الهجمات المعاكسة لقوات الزعيم الراحل معمر القذافي.

السيناريو نفسه حدث خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، بين الجيش الألماني بقيادة إرفين رومل، والجيش الانجليزي بقيادة برنارد مونتغمري.

فالمعارك بين الطرفين للسيطرة على الهلال النفطي كانت سجالا بينهما، ما يعكس صعوبة الهيمنة على هذه المنطقة الممتدة على مسافة 205 كلم من الساحل الليبي (بين السدرة غربا والزويتينة شرقا).

** قبيلة “المغاربة” تنقلب على حفتر

من المؤشرات التي توضح سبب الانهيار السريع لقوات حفتر أمام قائد حرس المنشآت النفطية السابق، تغير مواقف مشايخ وأعيان من قبيلة “المغاربة” ذات النفوذ الواسع في الهلال النفطي، من قوات حفتر.

وسبق لحفتر أن تحالف مع أبرز شيوخ القبيلة (صالح الأطيوش)، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية لانهيار قوات جضران (أغلب عناصرها من المغاربة) في 2016، بعد فقدانها للغطاء الاجتماعي للقبيلة.

غير أن المواقف الأخيرة لبعض أعيان “المغاربة”، توحي بوجود تغير في مواقف أبناء القبيلة من حفتر، بل حتى من صالح الأطيوش، شيخ القبيلة، الذي تعرض أكثر من مرة لمحاولة اغتيال.

عضو المجلس الاجتماعي لقبيلة “المغاربة”، علي المغربي، قال، الإثنين، لقناة النبأ الليبية (خاصة)، إن أبناءهم بحرس المنشآت النفطية “يتحركون بغطاء من القبيلة”، في إشارة إلى قوات جضران.

واعتبر المغربي أن “المجلس الاجتماعي لقبيلة المغاربة، هو الممثل الوحيد للقبيلة، وصالح الأطيوش لا يمثل إلا نفسه”.

وعلى غرار تصريحات جضران عند انطلاق هجوم قواته على الهلال النفطي، برر المغربي ذلك بالرغبة في “عودة أبناء القبيلة إلى بيوتهم، وليس الاستيلاء على النفط”.

من جانبه، أدان الأطيوش، في حديث على “قناة ليبيا”، الهجوم على الهلال النفطي، ووصفه بـ”الاعتداء الإرهابي”.

ودعا الليبيين إلى “تهدئة الأوضاع، والانتباه إلى كل هذه المخططات المشبوهة التي تهدف لإفساد البلاد”.

** جضران.. وحيدا

ورغم أن جضران نفسه أعلن عدم رغبته في الاستيلاء على النفط (مثلما حاول فعل ذلك بين 2011 و2016)، كما أكد دعمه لحكومة الوفاق، إلا أن الأخيرة تبرأت منه، ونفت تبعية المهاجمين لقواتها.

كما أن الإسلاميين المعادين لحفتر، وعلى رأسهم رئيس حزب “العدالة والبناء”، محمد صوان، ورئيس حزب الوطن، عبد الحكيم بلحاج، أدانا هجوم قوات جضران على الموانئ النفطية.

فـ”صوان” أعلن، الثلاثاء، عبر صفحته بـ”فيسبوك”، أنهم غير مضطرين للاختيار بين الطرفين المتصارعين، في إشارة إلى حفتر وجضران.

أما بلحاج، فقال: “مهما كانت الدوافع، فإنها لا تبرر إصابة المدنيين والإضرار بالمنشآت”.

أما الرد الأقوى، فجاء من المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، التي طالبت بـ”الانسحاب الفوري وغير المشروط لميليشيات المدعو إبراهيم جضران والعصابات المتحالفة معه”.

كما طالبت بـ”الوقف الفوري للعمليات العسكرية بالمنطقة، وتقديم الدعم والعون لفرق إطفاء الحريق، للوصول إلى الخزانات وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقدرات الشعب الليبي”.

أيضا، أدان مجلس النواب في طبرق الهجوم، وكذلك فعلت الحكومة المؤقتة الموالية له.

وتبرأ الزعيم التباوي سلطان أحمد، من مشاركتهم فى الهجوم وفقا لادعاءات جضران.

ودوليا، جاءت الإدانة من البعثة الأممية إلى ليبيا، ومن فرنسا التي ذكرت المتحدثة باسم خارجيتها، أنييس فون دير مول، في بيان، أن الموارد النفطية لليبيا هي ملك للشعب، ويتعين أن تظل تحت سلطة المؤسسة الوطنية للنفط وأن يستفيد منها كل الليبيين.

كما وصفت إيطاليا، على لسان سفيرها في ليبيا جوزيبي بيروني، الهجوم على الهلال النفطي، بـ”الخطوة السلبية غير المرحب بها”.

لكن اللافت هو أن سرايا الدفاع عن بنغازي، لم تعلن بعد موقفها من الهجوم، رغم أن قوات حفتر زعمت في البداية أنها من تقف وراء الهجوم.

كما أن كتائب مصراتة، وبالأخص “القوة الثالثة” التابعة لها، لم تعلن أيضا موقفها من هجوم قوات جضران، لا تأييدا ولا إدانة، رغم أن قواتها تنتشر بمنطقة سرت بمحاذاة الهلال النفطي.

بدوره، لم يصدر رئيس المجلس الأعلى للدولة (مجلس استشاري) خالد المشري، أي بيان بهذا الشأن.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك