بيــــــــــــان إعــــــــــــــــــلامي

IMG_87461-1300x866

لقد لفت انتباه جمعية صحفيي الجزائر العاصمة وأثار اهتمامها بشكل عميق تراجع العمل بأخلاقيات العمل الإعلامي في العديد من الوسائل الإعلامية خاصة في ظل الانفتاح السمعي البصري ، هذا الانجاز التاريخي الذي من المفروض أن يوضع مسار استكمال البناء الصلب للمشهد الإعلامي الجزائري، وفقا لمقتضيات الخدمة العمومية التي تعتبر من الأولويات التي حددها المشرع الجزائري دعما لجهود الدولة لتكريس وسائل الإعلام لخدمة المواطن والوطن وتعزيز الحضور الإعلامي في التثقيف والتوعية والتربية والتسلية والترفيه المهذبين ، بما يلبي احتياجات الجمهور الجزائري ويحترم أذواقه وميوله.

 في توجه تعددي يدعم جهود الدولة في تحصين الثقافة الوطنية ومراكمة عوامل المناعة الفكرية والتماسك الاجتماعي للبنية القيمية للمجتمع الجزائري. كما لفت انتباهنا تراجع إن لم نقل تردي الأوضاع الاجتماعية والمهنية للكثير من الصحفيين الشيئ الذي يؤثر على أدائهم المهني ويعرض مستواهم المعيشي للكثير من الصعوبات خاصة في ظل تمادي مسؤولي المؤسسات الإعلامية وتجاهلهم لظروف عمل الصحفيين وعدم تكييف وتحيين سلم الأجور وفقا لما يتماشى مع إفرازات الحالة الاقتصادية للبلد والمصبوغة بالأزمة الاقتصادية. بل والأكثر من هذا عدم تلقي الكثير من الصحفيين لأجورهم لمدة تزيد عن 6 أشهر ، وحرمان الكثير من الصحفيين من الكثير من الحقوق والامتيازات المنصوص عليها قانونا ، كالحق في التأمين والحماية من كل أشكال التعسف والتكوين والتعويضات والمنح بمختلف صيغها وأشكالها.

 تعرف الساحة الإعلامية غليانا غير معهود، في ظل الأوضاع الاجتماعية والمهنية المزرية التي يعيشها العديد من الزملاء وفي الكثير من العناوين، خاصة مع تأخر دفع الأجور والذي يتراوح بين الشهر والثلاثة أشهر، وهو ما أثار سخط الصحفيين والتقنيين وشرعت العديد من وسائل الإعلام وخاصة القنوات التلفزيونية في عرض شبكتها البرامجية الخاصة بشهر رمضان على مشاهديها، هذه الشبكة التي تكلف الملايين من الدينارات سواء تعلق الأمر بشراء حصص وبرامج جاهزة أو إنتاج خاص بهذه القنوات، يبدوا الأمر لحد الساعة عاديا، غير أن الأمر غير العادي يتمثل في تأخر دفع أجور الصحفيين والتقنيين والإداريين في وقت تدفع فيه هذه الوسائل الإعلامية أموالا طائلة لإعداد شبكة برامجية خاصة بالشهر الفضيل.

 وحسب ما بلغ “جمعية صحفيي الجزائر العاصمة” فإن عدة مؤسسات إعلامية يعانون من تأخر في دفع رواتب لمدة من 3 أشهر إلى 6 أشهر، رغم الإشهارات و الوصلات التي يتنعم بها المؤسسات الإعلامية و لا تزال الوضعية الاجتماعية للصحفي الجزائري تطغى على باقي الجوانب في مهنة المتاعب بالجزائر بعد أن أصبح الصحفيون الحلقة الأضعف في السلم الاجتماعي بسبب حالة اللاإستقرار الناجمة عن غموض في أساليب التوظيف وفراغ قانوني خلق فجوة بين القطاعين العام والخاص ورغم توسع دائرة ممارسي المهنة في الجزائر خلال العشر سنوات الأخيرة إلا أن هناك ما يشبه الإجماع على أن الصحفي تراجع مهنيا و اجتماعيا في حين كان يفترض أن تكون المرحلة الحالية مرحلة استقرار بعد نضوج تجربة التعدد الإعلامي.

 صحفي اليوم أمامه فرص أكبر للعمل لكنه يجد صعوبات في التوفيق بين متطلبات مهنة تستنزفه كإنسان وبين حياة لها متطلبات وصورة اجتماعية يجب أن يظهر عليها كفاعل في الحياة، بريستيج المهنة يخفي وراءه صورة قاتمة لذلك الصحفي المنهك المستنزف الطاقات، الصحفي الذي نراه في الواجهة يحرج و يسائل أصحاب القرار أو يساهم في التغيير هو إنسان يتدبر قوت يومه بصعوبة وينتظر كغيره من المواطنين دوره في الحصول على سكن وفي منحة يؤمن بها لعبة لابنه أو بدلة مناسبة تساعده على حفظ المظهر اللائق وعلى صون مكانته في المجتمع الذي يراه مفتاحا لمشاكله ويطالبه بالوساطة في قضاياه. كل هذا في موارد مالية تتحصل عليها أغلب وسائل الإعلام السمعية البصرية، وخاصة الورقية التي تتلقى دعما واضحا من الدولة، ممثلا في الإشهار العمومي، ولكن هذه المؤسسات الإعلامية آخر اهتماماتها صحفييها وتقنييها، وتفضل اقتناء أو إنتاج مواد إعلامية موجهة للمشاهدين في شهر رمضان بالملايين وحتى بملايير الدينارات عوض التفكير في كيفية دفع الأجور.

 إن جمعية صحفيي الجزائر العاصمة ومن منطلق إيمانها العميق بالرسالة النبيلة التي يضطلع بها الإعلام بمختلف وسائله ووسائطه التقليدية والحديثة في دعم مسارات بناء الدولة والمجتمع وفي مختلف الظروف والمناسبات ، وتكريسا لجهود الدولة والمخلصين من رجال ونساء مهنة الصحافة ، الحاملين لهواجس الدفاع عن شرف هذه المهنة ذات المحترمة العالية والرمزية الكبيرة في تاريخ جزائرنا الحبيبة بما يعزز ويستكمل جهود بناء المسار الديموقراطي الذي تخوضه الجزائر اليوم وبكل طموح وبدون رجعة. فإننا وبهذه المناسبة نود تذكير السيدات والسادة الصحفيات والصحفيين وجميع المنتسبين لقطاع الصحافة والإعلام سواء التقليدية أو الإلكترونية بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقنا تجاه مجتمعنا وتجاه دولتنا ، وأن رأسمالنا هي الالتزام بآداب وأخلاقيات المهنة وفقا لمنصوص التشريعات والقوانين الوطنية والدولية

. فقيمة الصحافة ومحترمتها تنبع من القيمة المضافة لرسالتها الإعلامية والطاقات الايجابية التي تخلقها وتشحن بها جميع الفاعلين في المجتمع ،وهذا يرتبط طبعا بالالتزام بالقواعد الأخلاقية والآداب المهنية لهذه المهنة الشريفة سيما الالتزام بقيم الصدق والحياد والموضوعية والدقة وروح المسؤولية المجتمعية والدفاع عن القيم العليا للمجتمع بما يحفظ ويراعي المصلحة العامة للدولة. ومن الانحرافات التي طالت الممارسة الإعلامية اليوم وخاصة تزامنا مع مناسبة شهر رمضان المبارك ، حيث ازدادت شهوة السباق لاستقطاب الجمهور الجزائري وبمختلف الوسائل وبمختلف الأساليب حتى غير الأخلاقية ، كالخوض في الحياة الخاصة للأشخاص ، وترعيب المواطنين عبر مختلف أشكال العنف ، خاصة العنف الرمزي المتمثل في هدم قيم المشاركة الجماعية بإدخال مغني الملاهي الليلية لبيوت الجزائريين عبر الشاشة الصغيرة ، وتمييع وتهويل برامج الكاميرا الخفية بشكل استفزازي أثار ردود أفعال سلبية لدى المواطنين ولدى الكثير من الكتاب والنقاد الإعلاميين، مما حول الإعلام الجزائري إلى مثارة للسخرية والاشمئزاز خاصة عبر الإعلام الشبكي والميديا الجديدة.

 ونظرا لهذا الأداء المشحون بمجموعة من القيم السلبية نهيب بجهود السيدات الصحفيات والسادة الصحفيين والسادة مسؤولي المؤسسات الإعلامية الاستمرار في الاستثمار الأمثل والإيجابي في هذا الانفتاح السمعي البصري ، ومواصلة جهود الاستقطاب الذكي الاخلاقي للجماهير الجزائرية والمساهمة في استرجاعها من القنوات الأجنبية الغربية والعربية وما تشكله من مخاطر على أمننا الثقافي والفكري. و ذلك بالالتزام بآداب وأخلاقيات المهنة الإعلامية ويمكن أن نساهم جميعا في تجسيد هذا التصور لضمان أداء أخلاقي ومتميز بالجودة الإعلامية خدمة لصورة الجزائر والجزائريين نسعى لتجسيد ما يلي:

 1 ـ الالتزام بآداب وأخلاقيات المهنة الصحفية كما تنص عليه القوانين ومواثيق الشرف الصحفي بعيدا عن كل أشكال التهوين والتهويل ، وتجنب المساس بالحياة الخاصة للأشخاص وتفادي كل أشكال الاستثمار في البؤس الاجتماعي لفئات معينة لإضحاك الجمهور.

 2 ـ تفادي الانسياق وراء استقطاب الجمهور من خلال برامج الإثارة والعنف بمختلف أشكاله وأنواعه سواء العنف المادي والجسدي أو العنف الرمزي ، وبالتالي محاولة إشباع احتياجات الجمهور مع احترام أذواق الاسر الجزائرية واحترام الموروث الثقافي والقيم الحضارية للمجتمع الجزائري.

 3 ـ تثمين جهود الصحفيين والصحفيات ورد الاعتبار لهم من خلال مراجعة سلم الأجور وتحيينها وفقا لمقتضيات القدرة الشرائية خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي أضرت كثيرا بالمستوى المعيشي للصحفيين ، كما نطالب جميع مدراء المؤسسات الصحفية والإعلامية بتسوية الأجور العالقة لأكثر من 6 أشهر ، سيما وأن مهنة الصحافة مهنة ذات طابع خصوصي وتقتضي وضع الصحفي في أريحية بعيدا عن كل اشكال الاستفزازات والمساومات.

 4 ـ الاستمرار في دعم جهود التكوين للصحفيين والصحفيات كما ينص عليه القانون العضوي المتعلق بالإعلام 2012. والذي يطالب بتخصيص 2 بالمائة من الأرباح لتكوين الصحفيين والصحفيات، من أجل رفع مستوى الأداء الإعلامي ليرقى لتطلعات الجماهير ويحقق أهداف الدولة من الانفتاح الإعلامي.

5 ـ الالتزام بالموضوعية في المعالجة الصحفية لمختلف التظاهرات والنشاطات سواء الرياضية أو السياسية أو الثقافية أو العلمية ، مع بذل المزيد من الجهود للاهتمام بالإعلام الجاد الذي من شأنه أن يساهم في بناء وعي حقيقي لدى المواطنين وستقطبهم للتفاني في خدمة البلد بدل الاهتمام بما يلهي الشعب عن مجتمعه ودولته والنقد من أجل النقد.

 6 ـ بذل المزيد من الجهود لضمان تغطية إعلامية متوازنة لمختلف مناطق الوطن ، من خلال اعتماد مراسلين متمرسين على الممارسة الإعلامية وملتزمين بآدابها وأخلاقياتها ، وتوفير لهم الدعم المادي والمعنوي ، وتشجيعهم من خلال مجموعة من الحوافز للإسهام الفعلي في إحداث تنمية حقيقية والنقل الموضوعي لاهتمامات وانشغالات المواطنين في مناطق تواجدهم.

 7 ـ المساهمة الجادة والفعالة في بناء وصناعة صورة جيدة عن الدولة الجزائرية والمجتمع الجزائري للرأي العام الدولي والإقليمي من خلال التعريف بالطاقات الكامنة المادية والبشرية التي تحوزها الجزائر، وذلك بتبيان مشاهد التنوع والتعددية الثقافية والسياسية ، وبالتالي دعم جهود التحصين الثقافي للدولة والمجتمع خاصة أمام الإمطار الإعلامي الأجنبي غير البريئ والحامل لقيم وأيديولوجيات متطرفة أحيانا ، تزرع الشكوك في مجتمعنا المتعايش والمتماسك كالجسد الواحد.

 8 ـ الالتزام دائما بتغليب المصلحة العليا للدولة على حساب المصلحة الضيقة لبعض الأشخاص أو رجال المال والأعمال ممن يمتلكون أسهم في مؤسسات إعلامية أو يمتلكون مؤسسات إعلامية ، وتفادي كل أشكال الإثارة والتهويل والتهريج السياسي لمحاولة استمالة المواطن على حساب قيم ورموز الوطن.

 9 ـ لطالما نتساءل عن مداخيل المؤسسات الإعلامية بأشكالها الثلاث المسموعة والمرئية والمكتوبة، في الجزائر، وعن آليات أرباح هذه المؤسسات، وعن أجور صحفييها وتقنييها وكل الموظفين فيها، أين يتبادر في أذهانهم أنهم يتلقون أجور مرتفعة، ومنح وعلاوات كبيرة، إلا أن الواقع يعكس توقعاتهم تماما ففي الجزائر تعد مهنة الصحفي من بين أقل المهن دخلا مقارنة بكل الوظائف الأخرى تقريبا، خصوصا في القطاع الخاص، والذي لا يتجاوز فيها أجر الصحفي أكثر من 30 ألف دج  (160 أورو )، شهريا.

 10 ـ المؤسسات الإعلامية الخاصة في الجزائر، تجني الملايير من عائدات الإشهار الخاص، كما تتلقى دعم لبأس به من الإشهار العمومي ،  (الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، AENP )، إلا أن الكثير منها يعاني فيها موظفوها من تلقي أجورهم شهريا، ولا تسدد مستحقاتهم وهذا هو حال العديد منها في الجزائر سواء جرائد أو قنوات، رغم أن هذه المؤسسات تتعامل بشكل مباشر مع المؤسسات الاشهارية، أي دون عراقيل في الدفع أو احتساب بعض الرسوم والضرائب ….الخ، حيث باتت هذه المؤسسات الإعلامية الخاصة تجني الملايير أسبوعيا من الإشهار، في الوقت الذي أصبح فيه الصحفي عاجزا عن الدفاع عن حقوقه.

كما تهيب بجهود الدولة لإصلاح قطاع الصحافة والإعلام من خلال استكمال البناء التشريعي والهيكلي لهذا القطاع الحيوي والاستراتيجي. وفي هذا السياق تبقى الجمعية تناشد السلطات الوصية ببذل جهود أكبر في تثمين جهود الصحفيات والصحفيين ،وتتعهد بالاشتغال بصدق وإخلاص لمرافقة جهود جميع المخلصين لترقية وتطوير قطاع الصحافة والإعلام في الجزائر كأساس لاستكمال جهود البناء المؤسساتي وبناء نموذج ديموقراطي لدولة عصرية ومجتمع حداثي متماسك ومتسامح ومتصالح مع ماضيه ومتطلع بأمل كبير لمستقبله. كما نناشد بالجهود التي تبذلها الدولة لإصلاح قطاع الإعلام وعلى رأسها القرار التاريخي الذي اتخذه رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة والمتمثل في إلغاء عقوبة سجن الصحفي، بالإضافة إلى التضحيات الكبيرة التي يقوم بها الزملاء الصحفيون والصحفيات والتي استمرت منذ فجر التعددية السياسية والإعلامية وقاومت بجرأة وتحد كبيرين الأزمة الأمنية التي ألمت بالجزائر.

وفي الأخير تهيب جمعية صحفيي الجزائر العاصمة بجهود الصحفيين والصحفيات الذين يحملون شرف الانتماء لهذه المهنة النبيلة أن يواصلوا العمل بجد وتفان والتضحية دعما لمسارات البناء الديموقراطي للدولة وتكريسا لقيم التعددية الثقافية والفكرية التي يحميها دستور الدولة بما يعزز التماسك الاجتماعي والعيش في ظل قيم الأنسنة.

 

 الرئيـــــــــــــس سليمان عبدوش

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك