معركة الحريات في الجزائر تتأرجح بين عهدي "الدولة العسكرية" و"الدولة المدنية"

IMG_87461-1300x866

عرفت الجزائر في السنوات القليلة الماضية تحولات كثيرة على عدة مستويات، فالوضع السياسي الذي تعيشه البلاد ألقى بظلاله على بقية القطاعات التي راحت تتكيف على أساس طبيعة نظام الحكم السائد. وكان من الطبيعي أن معركة الحريات الفردية والجماعية تجد نفسها في قلب الصراع الدائر والفوضى المستشرية الناتجة عن إعادة ترتيب بيت النظام من الداخل في إطار صراع الإرادات بين مختلف مكوناته وعصبه، فيما توحي كل المؤشرات أن معركة الحريات ستشتد خلال الأشهر القليلة المقبلة، خاصة وأن النظام مقبل على مرحلة أصعب مما سبق، ولن يسمح بمن يقف في وجهه مهما كان الثمن!
نال الجزائريون حريتهم الأولى بالاستقلال عن فرنسا التي كانت تعتبر بلدهم جزءا منها وتصنفهم في درجة «الأنديجانا» ( مواطنين درجة ثانية) بعد مقاومة مريرة وحرب تحرير مجيدة سقط فيها مليون ونصف مليون شهيد، ودفعوا على خلاف الكثير من الشعوب ثمنا باهضا لاستعمار غاشم فعل بالبلاد الأفاعيل، استعبد شعبها ونهب خيراتها وأراد طمس هويتها، ارتكب المجازر الجماعية، واستخدم ضدهم النابالم، وطبق سياسة الأرض المحروقة، وفي الأخير جرب فيهم القنابل النووية، ولهذا خرج الجزائريون من الحرب وشعارهم الأبرز يقول «: بطل واحد هو الشعب». فعلى خلاف الكثير من الثورات لم يكن للثورة الجزائرية زعيم أو قائد ولا كان في إمكان أحد أن يدعي بطولة أكثر من غيره، وكانت عبارة الشعب هو السيد موجودة في معظم القوانين والدساتير، حتى وإن تم الالتفاف عليها في وقت لاحق!

السنوات الأولى

الجزائر اتجهت بعد استقلالها سنة 1962 إلى اتباع النموذج الاشتراكي الذي كان الأقرب إلى فكر من أمسكوا بزمام السلطة آنذاك، فالثورة قادها الفقراء والمعدومون، عدا استثناءات قليلة من بعض قادة الثورة الذين جاءوا من عائلات ميسورة الحال، مثل مصطفى بن بولعيد، لذا كان النموذج الاشتراكي القائم على تقاسم الثروة وعلى ملكية الدولة لرؤوس الأموال، وعلى المساواة في كل شيء، الأقرب إلى الجزائر المستقلة حديثا، ولكن النظام الاشتراكي هو أيضا نظام ديكتاتوري في طبيعته حتى في نسخته الأصلية السوفييتية، فما بال النسخ الأخرى «العالمثالثية». وكان من الطبيعي أن النظام الجزائري الذي تولى الحكم بعد صراع مرير بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة، التي كانت تمثل الشرعية، فيما كانت قيادة الأركان تحتكم على جيش استطاع فرض منطقه وشرعيته بقوة السلاح، أن يلجأ إلى استبعاد مسألة الحريات واعتبارها من الأمور الثانوية بل ومن الأمور التي قد تفتح على البلاد أبواب الفتن والأزمات، فلا أحزاب إلا الحزب والواحد، ولا إعلام إلا إعلام الحزب الواحد، ولا جمعيات إلا تلك التي تولد من رحم الحزب الواحد، الحزب هو الدولة والدولة هي الحزب.
ورغم أن كل شيء كان محسوبا حسابه، إلا أن البداية كانت في تمرد قاده الزعيم الراحل حسين آيت أحمد الذي أسس أول حزب معارض أشهرا قليلة بعد الاستقلال، لكن المجال السياسي المغلق آنذاك لم يترك لآيت أحمد إلا سبيل حمل السلاح من أجل فرض التغيير الذي كان يريده، ولكن هذا التمرد المسلح توقف عند اعتداء المغرب على الجزائر فيما عرف بحرب الرمال. لكن المخاض تواصل، حتى وإن كان النظام فرض منطقه بالحديد والنار، ولم تستقر الأمور طويلا، إذ قاد العقيد هواري بومدين انقلابا عسكريا ضد الرئيس أحمد بن بلة الذي كان قد اختاره رئيسا ليبقى هو الخلفية، لكن الصراعات بين الرجلين واختلاف الرؤى، ومحاولات بن بلة التخلص ممن أتوا به إلى الحكم عجلت بالانقلاب عليه وتحديد إقامته وإزالة كل آثار حكمه، وأصبح للحكم واجهة عسكرية بعد أن كان له خلفية عسكرية فقط، وقام العقيد بومدين بتعطيل الدستور، ودخلت البلاد مرحلة جديدة من التوتر ومطاردة المعارضين حتى من أبناء النظام، ففي تلك الفترة اغتيل في ألمانيا كريم بلقاسم أحد أبرز قادة الثورة وقائد الوفد المفاوض في إيفيان التي أفضت إلى استقلال البلاد، كما تم اغتيال محمد خيضر في إسبانيا، وكانت أصابع الاتهام توجه إلى جهاز المخابرات العسكرية.
مع بداية الثمانينيات ورحيل الرئيس هواري بومدين ومجيء الشاذلي بن جديد، دخلت البلاد حقبة جديدة، فالرئيس الجديد وإن جاء في ثوب «البومدينية» إلا أنه سرعان ما انقلب عليها، وشرع في تصفية رموز ورجال وسياسات تلك المرحلة، لكن مسألة الحريات بقيت على الحال نفسه، والنظام رافض لأي انفتاح أو تفتح، بدليل الخطأ الذي ارتكبه سنة 1980 عندما منع محاضرة للأديب مولود معمري في مدينة تيزي وزو في منطقة القبائل، لتشتعل بعدها مظاهرات واحتجاجات قوبلت بقمع من طرف قوات الأمن مأمورة من نظام لم يعر الأمر أهمية، واعتقد أنه يستطيع سحق المظاهرات، لكنه تسبب فيما أصبح يعرف بالربيع الأمازيغي، وهي أول انتفاضة ضد النظام الحاكم، والتي انتهت بسقوط عشرات القتلى، فضلا عن الجرحى والموقوفين.

مخاض وتجاذبات

سنوات الثمانينيات شهدت ظهور الكثير من الحركات والتنظيمات التي كانت تنشط في غالبيتها في السر، سواء تعلق الأمر بالإسلاميين أو الحقوقيين، والذين تعرض الكثير منهم إلى الاعتقال ومثلوا أمام محكمة أمن الدولة وسجنوا، ولكن البلاد التي كانت تعاني غياب أفق سياسي دخلت في أزمة اقتصادية خانقة وسط تجاذبات دولية ميزها تراجع الاشتراكية وتهاويها، فضلا عن صراعات صامتة داخل النظام، كل هذا عجل في انفجار ما عرف بأحداث الخامس من نوفمبر التي كانت انتفاضة شاملة هزت أركان النظام، دون أن يعرف أحد الأسباب المباشرة لها، ولا ما إذا كانت عفوية أو مفتعلة، ولا إن كانت جهات من داخل النظام حركتها أو أيادي خارجية دفعت نحوها، ورغم أن انتفاضة الشعب الجزائري لم تحمل مطالب واضحة عدا رفع الغبن والظلم عن المواطن، إلا أنها وجدت من يلبسها لباس مطالب التعددية والانفتاح الديمقراطي، ووجدت أيضا من يركب موجتها من الإسلاميين.
الجزائر عرفت نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات انفتاحا ديمقراطيا غير مسبوق، فقد سمحت السلطة بتأسيس الأحزاب والجمعيات وفتحت الباب أمام التعددية الإعلامية بل وساهمت فيها، وتأسست منظمات حقوقية، وسارت الأمور بنوع من الفلتان المتأرجح بين التفاؤل وبين التخوف مما هو آت، فالإسلاميون اكتسحوا الساحة السياسية وفازوا بالانتخابات المحلية سنة 1990 وخطابهم يزداد تطرفا، والنظام ينسحب أمامهم مرة بعد أخرى فاسحا المجال لهم في انتظار أن ينقض عليهم، وهو ما حدث بعد إجراء الدور الأول من الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 1991 وفوز الإسلاميين بالأغلبية الساحقة من مقاعد البرلمان، الأمر الذي جعل قادة الجيش يقررون التدخل ووقف المسار الانتخابي، بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، ودخلت البلاد عهدا جديدا أكثر خطورة مما سبق.
عاشت الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي ما وصف بالحرب الأهلية أو الحرب على الإرهاب، البعض يراها عشرية حمراء بلون الدم الذي سفك والبعض الآخر يراها سوداء بلون الخراب والدمار واليأس الذي حل بها، الأكيد أنها كانت سنوات مرت كأنها عقود، سنوات فقدت فيها الدولة وضاعت فيها الحريات، لأن الأمن كان أولوية الأولويات، والإرهاب كان يتربص بالمواطنين والمواطنات، حصد الأرواح وخرب الممتلكات، ورغم ذلك كانت هناك أصوات تدافع عن الحريات، وتدعو إلى وقف المحاكم الخاصة وغلق المحتشدات والكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين، ووضع حد للتجاوزات.

أطول مرحلة

مرحلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كانت مختلفة عن غيرها، لسبب رئيسي وهو أنها طالت من حيث الزمن، فعند دخول العام المقبل سيكون بوتفليقة الذي وصل الحكم سنة 1999 قد قضى في الحكم 20 عاما، وهي أطول فترة حكم عرفتها البلاد. فبن بلة حكم البلاد أربع سنوات، وبومدين 13 سنة، والشاذلي بن جديد 13 وبعده الرئيس محمد بوضياف 6 أشهر، والرئيس علي كافي عامين ونصف، والرئيس اليامين زروال 5 سنوات، كما أن البلاد خلال فترة حكم بوتفليقة خرجت من مرحلة الإرهاب إلى مرحلة ما بعد الإرهاب التي تفضل السلطة تسميتها بـ «فترة المصالحة الوطنية».
الرئيس بوتفليقة بدأ فترة حكمه برده العنيف على صحافي فرنسي سأله يوم إجراء الانتخاب عما إذا كان سيفتح السجون السرية للمخابرات؟ بأنه لا توجد أي سجون سرية، كما أن بدايات عهده عرفت توترا في علاقاته مع الصحافة والصحافيين، فلم يتقبل الرئيس المنتخب لتوه هامش الحرية الذي كان موجودا لدى العاملين في مهنة المتاعب، ولم يتوان في وصفهم بـ»طيابات الحمام» وهو الوصف الذي أثار جدلا واسعا، لما فيه من إهانة للصحافة والعاملين بها، وخلال بدايات حكمه تم تعديل قانون العقوبات الذي تضمن الحبس ضد الصحافيين، وهو ما أثار جدلا واسعا، كما أن الرئيس الجديد لم يتقبل وجود أحزاب سياسية كثيرة، واستغرب ذلك، وحتى وإن لم يغير القانون إلا أنه عمل على عدم اعتماد أحزاب جديدة، خاصة تلك التي أسسها الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق، وسيد أحمد غزالي رئيس الحكومة الأسبق.
ولم يعمر الرئيس بوتفليقة طويلا في الحكم حتى اندلعت ما عرفت بأحداث الربيع الأسود، فمقتل شاب في مركز للدرك في منطقة القبائل أعقبه تسيير كارثي من قبل السلطات التي لم تسارع إلى تهدئة الأمر، بل صبت الزيت على النار بتصريحات وزير الداخلية آنذاك نور الدين يزيد زرهوني، لتشتعل المنطقة نارا وغضبا قرابة عامين، سقط خلالها أكثر من 100 قتيل برصاص قوات الأمن، ولتضطر السلطة بعد ذلك إلى تقديم تنازلات أكبر من تلك التي كانت ستقدمها لو سارعت لاحتواء الأزمة في بدايتها، فالرئيس بوتفليقة الذي قال لما انتخب إنه لن يكون الرئيس الذي سيجعل الأمازيغية لغة وطنية، عدل الدستور خصيصا سنة 2002 لجعل الأمازيغية لغة وطنية ثم لغة رسمية في وقت لاحق.
كما أن رياح الربيع العربي التي بدأت تهب على الجزائر سنة 2011 جعلت السلطة تسارع إلى الانفتاح قليلا، بأن أعادت فتح الباب أمام تأسيس أحزاب سياسية، وكذا سمحت بإنشاء قنوات تلفزيونية خاصة، ووعدت بترقية مكانة المعارضة، وألغت عقوبة الحبس ضد الصحافيين، وهو ما اعتبر مكسبا بالنسبة للمناضلين في سبيل تكريس الحريات الفردية والجماعية، حتى وإن كانت السلطة نفسها التفت حول ما أعطته باليمنى لتأخذه مجددا باليسرى.

الرابعة والخامسة أيضا!

أصيب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في أبريل 2013 بجلطة دماغية، لكن القائمين على السلطة اختاروا مصطلحا آخر لتوصيف الحالة فقالوا في بياناتهم الرسمية إن الرئيس أصيب بنوبة إقفارية عابرة، وبعد مرور أسابيع وأشهر تبين أن الرئيس أصيب بجلطة دماغية أفقدته القدرة على المشي وتحريك بعض أطرافه ما أفقده القدرة على الكلام بشكل جيد، ورغم وضعه الصحي الصعب، إلا أنه اختار الترشح إلى ولاية رئاسية رابعة، رغم معارضة الكثيرين، حتى من داخل النظام نفسه، لكن الممسكين بزمام السلطة قرروا وانتهى الأمر، وتم ترشيح الرئيس مجددا، واندلعت مظاهرات رافضة لترشحه قادتها حركة «بركات» ( كفاية) التي تأسست على عجل وضمت ناشطين وإعلاميين وسياسيين ومواطنين عاديين قرروا رفض الولاية الرابعة، وتسامحت السلطة إلى حد ما مع تلك المظاهرات، وأوقفت العشرات من المشاركين فيها لتعيد إطلاق سراحهم، ومرت الأيام والأسابيع وجرت الانتخابات الرئاسية وحصل بوتفليقة على ولاية رابعة.
قبيل انقضاء الولاية الثالثة وبداية الرابعة اندلع صراع خفي ما لبث أن خرج إلى العلن بين مكونات النظام، والذي أخذ صورة صراع بين جهاز الاستخبارات والرئاسة، أي بين الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق قائد الجهاز الذي كان ذكر اسمه كافيا لترتعد الفرائص، وبين الفريق الرئاسي، حول الولاية الرابعة، وكان عمار سعداني أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني على رأس الذين وظفوا في هذه الحرب للإطاحة بالجنرال توفيق، وكان هو ( أي سعداني) المبشر بما أسماه الدولة المدنية التي أراد أن يقدمها كبديل لما يعتبره «الدولة العسكرية» مؤكدا أن نهاية توفيق ستكون بداية عهد جديد من الانفتاح والحريات، ولكن توفيق سقط نهاية 2015 بأن أقيل وأحيل إلى التقاعد، والدولة المدنية التي بشر بها سعداني مؤيديه وخصومه كان هو أول ضحاياها بعد أن أبعد من منصبه بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مهينة.
كما أن الحريات التي وعد بها سعداني لم تر النور، إلا على الورق، فالمظاهرات أصبحت مرفوضة أكثر من أي وقت مضى، وإذا كانت السلطات تكتفي بمنعها أو توقيف المشاركين فيها، إلا أنها أصبحت تلجأ إلى استخدام القوة لتفريقها، كما حدث مع المظاهرات التي نظمها الأطباء المقيمون طوال الأشهر القليلة الماضية احتجاجا على أوضاعهم المهنية والاجتماعية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قدماء الجيش وأعضاء الحرس البلدي، الذين منعوا من التظاهر.
كل المؤشرات توحي أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة، فالسلطة مصممة على المضي نحو ولاية خامسة لبوتفليقة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، والمعارضة مصممة على التصدي لهذا المشروع، الذي يعترف رجال النظام أنفسهم في جلسات خاصة أنه صعب الإقناع به وأنه سريالي، لذا لن يكون أمام السلطة سوى القوة لفرض منطقها على المعارضين لها.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك