سلاح الطائرات الورقية الغزاوي يخوض «حرب استنزاف» مع إسرائيل

IMG_87461-1300x866

لا تكلف الطائرات الورقية التي أصبحت أداة أساسية في «مقاومة غزة الشعبية» لمقارعة إسرائيل، سوى ثمن تلك الكمية القليلة من الوقود، الذي يسكب على قطعة قماش، يشعل فيها النيران، وتثبت عبر سلك حديدي يلحق بذيل الطائرة الورقي، قبل أن تقلع عن طريق تحكم يدوي أرضي، يستند إلى حركة الرياح، إلى أحراش إسرائيلية لإشعال النيران فيها.
ففي تلك المنطقة الحدودية الشرقية لقطاع غزة، وعلى مقربة من «مخيمات العودة الخمسة» التي أقيمت في 30 مارس/ آذار الماضي، ضمن نهج جديد تبنته الفصائل الفلسطينية بما فيها تلك التي تتبنى نهج «المقاومة المسلحة»، أقرت خطة لـ «العمل الشعبي السلمي»، بدلا «العمل المسلح» في هذه المرحلة، واستبدل شبان الحدود «نار البنادق» بـ «نار اللهب» ليتماشى مع شكل المقاومة الجديد.
وهناك لم يعد يخترق الحدود الفاصلة مع إسرائيل كتلة لهب تذيل أسفل صاروخ أو قذيفة تطلق من قطاع غزة على غرار المواجهات العسكرية السابقة، التي تصدت لها إسرائيل بمنظومة صد صواريخ أرضية طورتها للتعامل مع صواريخ غزة المصنعة محليا، بل بات الاختراق هذه المرة باستخدام ألعاب الأطفال الورقية.
تحديدا بعد أسبوع من انطلاق فعاليات «مسيرات العودة»، شرع شبان يضعون على وجوههم أقنعة بالوقوف على مقربة من الحدود الفاصلة، مستغلين حركة الرياح الغربية، القادمة من جهة البحر الذي تفرض عليه إسرائيل حصارا مشددا أيضا، ويطيرون في السماء بشكل يومي «طائرات ورقية» تحمل كتلا نارية، يسقطونها بدقة متناهية في حقول وأحراش إسرائيلية قريبة من منطقة «غلاف غزة» لتحدث حرائق ضخمة كبدت حتى اللحظة إسرائيل خسائر كبيرة، وحولت كثيرا من مناطق التنزه إلى مناطق جرداء.
ولا يمكن لأحد أن يتخيل الصناعة البدائية لتلك الطائرات التي يمكن أن توصف بـ»السلاح الجوي الغزاوي»، دون أن يراها على الأرض قبل انطلاقها في الجو، فالشكل الطائر يخفي الأدوات البسيطة التي استخدمها الشبان في صناعة هذا السلاح الغزي الجديد.
عند الحدود الشرقية لمدينة غزة، حيث يقام هناك أحد مخيمات العودة، وقف ثلاثة شبان في ركن جانبي، وشرعوا بتفقد إحدى قطع «سلاح الطائرات الغزاوي»، كما يسميه البعض، في مشهد يحاكي العمليات التي تتم في قواعد أسلحة الطيران. ويتفقد الفريقان هيكل الطائرة سواء الورقية أو الحربية، وإذا كان الفريق الحربي يتفقد خزان الوقود، فإن فريق المقاومة الشعبية، يتفقد وقود كتلة اللهب، فيما يطمئن الفريقان على سلامة عملية الطيران وحركة الرياح.
هناك وقف الشاب المسؤول عن التحكم في الطائرة الورقية، وشرع بشد الخيط الموصول بها بالطريقة المناسبة، فيما حرص شاب آخر على ربط قطعة القماش المبللة بالوقود في أسفل الذيل، من خلال اختيار ثقل بشكل دقيق يعمل على توفير التوازن، فيما قام الثالث بمساعدة الأول في جعل الطائرة تواكب الرياح لتغادر إلى ما بعد السياج الحدودي. لكن الفارق بين السلاحين الحربي والشعبي، أن الأول يكلف ملايين الدولارات ثمنا للطلعة الواحدة، فيما لا يكلف الثاني سوى دراهم معدودة، تكون بالغالب ثمنا لكمية الوقود المستخدمة.
أحد المشغلين لـ «طائرات غزة الورقية» الذين التقتهم «القدس العربي» مصادفة، قال بنبرة صوت هادئة، وهو يضع قناعا على وجهه، إن الهيكل الأساسي للطائرة مكون من ثلاثة عيدان خشبية رفيعة ومتساوية في الطول والوزن، ويقول إن هذه القطع يحصل عليها من مخلفات ورش النجارة، فيما أشار إلى القطعة التي غطت تلك العيدان، وكانت من البلاستيك الخفيف، وقال هي والخيط المخصص لإطلاق الطائرة لا يكلفان مالا كثيرا.
ولم يدفع الشبان الثلاثة سوى ما يعادل دولارا واحدا ثمن الخيط الموصول بالطائرة مضافة إليه كمية الوقود التي كانت بيد أحدهم، وكان يستعد لسكبها على قطعة القماش.
وهناك الكثير من شبان غزة الذين انخرطوا في فعاليات «المقاومة الشعبية السلمية» على الحدود، يقومون بتصنيع هذه الطائرات، إضافة إلى ما تعرف باسم «البالونات النارية» وهي بالونات معبأة بغاز الهليوم، وتحمل هي الأخرى كتلة نارية، يجري إطلاقها أيضا من مناطق قرب الحدود الفاصلة، لإحداث حرائق مماثلة في الأحراش.
ويستغل هؤلاء الشبان قرب الحدود، من المنطقة التي تطلق منها «الطائرات الورقية المحترقة»، ولا يحتاج التحكم في طيرانها سوى خمس دقائق على أبعد تقدير، لتكون قد وصلت فوق الأحراش الإسرائيلية القريبة من الحدود، فيقطع الحبل الذي يوصل هيكل الطائرة الورقية بالشاب الذي أطلقها، لتسقط على الأرض محدثة حريقا هائلا، تساعده في هذه الأوقات درجات الحرارة المرتفعة، وجفاف الأعشاب الربيعية.
وخلال مقابلة أولئك الشبان قبل عدة أيام، كان المشاركون في هذا النشاط قد شرعوا بحملة مكثفة لإطلاق هذه الطائرات صوب مناطق إسرائيل الواقعة في «غلاف غزة»، وخلال الأسبوعين الماضيين، لم يمض يوم لم تعلن فيه إسرائيل عن حدوث حرائق في أحراشها بسبب «طائرات غزة»، ففي يوم الجمعة قبل الماضية مثلا أعلنت إسرائيل عن نشوب 14 حريقا، وهو العدد الأكبر منذ الفعالية الكبيرة التي شهدتها حدود غزة في «مليونية العودة» التي خرجت يوم 14من الشهر الماضي، ضد نقل السفارة الأمريكية لمدينة القدس المحتلة.
وتسبب هذا السلاح الجديد في إلحاق خسائر مالية كبيرة بالإسرائيليين القاطنين في مناطق غلاف غزة، بعد أن أتى على مساحات كبيرة من الحقول الزراعية قدرت بآلاف الدونمات، ومن بينها حقول قمح، ما جعلها تدخل في إطار ما يعرف باسم «حرب الاستنزاف».
واشتكى المزارعون الإسرائيليون القاطنون قرب الحدود من تلك الطائرات، حتى أن بعضهم اضطر لجمع المحصول قبل موعد الحصار خشية من حرقه، فيما تحدث آخرون عن مراقبتهم طوال ساعات اليوم لحقولهم عن قرب، للقيام بإطفاء الحرائق في بداياتها حال وصلت لأراضيهم قطع جديدة من السلاح الغزاوي.
وتقف منظومة الأمن الإسرائيلية عاجزة عن صد هذه الطائرات، حيث لم تنجح خطط الجيش في إسقاط الطائرات الورقية كما أعلن سابقا. وتقول تقارير إسرائيلية تستند إلى تحركات فرق الإطفاء التي تلازم مناطق الحدود بكثرة، وقد دخلت بفعل «طائرات غزة» في حالة طوارئ، إن المتظاهرين الفلسطينيين أطلقوا أكثر من 300 طائرة ورقية حارقة منذ بداية «مسيرة العودة».
وفي إسرائيل ومع تزايد هذه الطائرات الحارقة، كشف النقاب عن نية الإسرائيليين القاطنين في مناطق الحدود، التقدم بدعوى قضائية الى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ضد قادة حركة حماس، كونها المسؤولة عن غزة، جاء ذلك بعدما فشلت تهديدات إسرائيل باستهداف مطلقي الطائرات، وكذلك بعد فشل الخطط العسكرية التي وضعت لصد الطائرات، في وقف هذا السلاح الجديد.
وفي دلالة على استمرار استخدام هذا السلاح الجديد، ذكرت تقارير إسرائيلية بعد انتهاء موجة القتال المسلح فجر يوم الأربعاء الماضي، بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، أنه على الرغم من توقف إطلاق صواريخ من قطاع غزة، إلا أن سكان الغلاف ما زالوا يعانون من «الطائرات الورقية الحارقة»، إذ لم يتوقف إطلاق هذا الطائرات منذ الأيام الأولى لمسيرات العودة في غزة.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك