«الكاميرا الخفية»‪:‬ مافيا جديدة تعيد تدوير أمراضنا النفسية!

IMG_87461-1300x866

قبل سنوات قليلة كنت أجلس وحيدا في حديقة عامة جميلة في كيبيك بكندا. في لحظة صفاء ذهني نادرة، اقتربت مني فتاة في ريعان شبابها كانت تدفع كرسيا متحركا يجلس عليه رجل ظننته والدها. طلبت مساعدتي في السير بالكرسي وقالت أنها ستعود بسرعة من الحمَّام. من دون تفكير بادرتُ بالإيجاب وساعدتُ بأكثر مما طلبتْ. بعد لحظات ظهرت مواقف جعلتني اكتشف أنني وقعت ضحية مقلب من مقالب الكاميرا الخفية.
لم يكن في المقلب أيَّ ترويع أو خوف أو استفزاز، لكن ذلك لا يكفي ليسمح بعضهم لأنفسهم بوضع آخرين في مثل تلك المواقف. ولم يكفِ لمنع مزاجي من التقلب إلى نقيض ما كنته.
في تلك المواقف ينتابك شعور بأن الآخرين استهزأوا بطيبتك، وبأنهم عاملوك كساذج وبأنك لا تستحق ذلك الفخ، فلماذا أنت؟ أسمعت فريق التصوير، وقد التف من حولي عدد من الرجال والنساء، من الكلام «الخشن» ما لم يسمعوه في حياتهم من قبل. اعتذروا، تأسفوا، حاولوا بشتى الطرق تلطيف مزاجي، لكنهم فشلوا.
قالوا إن العفوية التي تصرفت بها وصدق الغضب الذي بدر مني جعل اللقطات من أفضل ما سجلوا في تلك السلسلة. زاد في «نجاح» المقلب (بمقاييسهم) كوني زائرا أنتقل بالشتائم من الفرنسية إلى الإنكليزية بلكنة أجنبية.
لكن موقفي ظل صارما: لم أقطع نصف الكرة الأرضية إلى هنا لتضحكوا عليَّ بهذه الطريقة!
أسرد هذه الواقعة وفي ذهني السيل الجارف من «الكاميرا الخفية» التي تجتاح التلفزيونات العربية كلما حلَّ شهر رمضان المعظم. هناك سؤال ملح ملازم لهذه البدعة: كيف تلقى «الكاميرا الخفية» هذا الرواج على الرغم من أنها تتمادى في الإسفاف والتطاول على «الضحايا» وحتى ترويعهم؟ هذا الرواج شعبيا هو الذي يجعل المحطات التلفزية العربية تتبارى في تسجيل المواقف الأكثر جرأة وخطورة، والأكثر «إبداعا».
سر رواج «الكاميرا الخفية» يجب البحث عنه في المتلقي (المستهلك) وليس في المقالب. تفاعل الناس مع المقالب وردود فعلهم عليها هو الذي يمنحها وقودا ويشجعها على البحث دائما عن المزيد. الناس، بتفاعلهم مع تلك المقالب، إنما يبحثون عن أنفسهم فيجدونها فيها. المواقف تشبههم، والضحايا كذلك، ومواقع التصوير يعرفونها ومتآلفين معها لأنها من مجالهم الجغرافي اليومي حتى وإن كانت بعيدة عنهم مسافةً. والضحية هو ذلك الرجل (أو المرأة) الذي ينافسهم في الفضاء العام من شارع إلى سوق إلى سيارة أجرة أو باص.. إلخ. لذلك كلما كان أذى المقلب شديدا على الضحية، ارتفع منسوب سعادة المتلقي التلفزيوني.
باختصار، في الأمر كثير من التنفيس وإعادة تدوير أمراضنا النفسية: العنف المخزّن في أعماقنا والذي قد نجد صعوبة في تصديره إلى خارجها، تعبّر عنه مقالب «الكاميرا الخفية» فتُرضي غرورنا (بدل أن نتعاطف مع الضحية في وجه هذه المافيا الجديدة).
في الجزائر اشتكى صحافيون إلى وزير الإعلام من الفلتان الموجود في حلقات هذه السنة (السنوات الماضية لم تكن أفضل حالا). ودعت صحف منها «الوطن» إلى وضع حد للعنف الذي تحمله «الكاميرا الخفية» في القنوات المحلية.
وفي تونس الحال أسوأ، وترتفع كذلك أصوات منددة بالإفراط في العنف والإساءة للضحايا. وأتوقع أن في بلدان أخرى، الحال مشابه.
حقيقة الأمر أن «الكاميرا الخفية» هي منتوج تلفزيوني كغيره من المنتجات. العادة والتقليد وانعدام الإبداع عوامل ربطته بشهر رمضان. تختلف هذه الأعمال بكونها ضحلة خالية من أيّ إبداع، ولا تتطلب رأسمال، ولا تحتاج لجهد خارق. بل لا تحتاج أصلا إلى جودة فنية وفي المضمون لأن المتلقي، في الغالب، لا تهمه الجوانب الفنية ولا يفهم فيها كثيرا.
ليس من الذكاء أن يُطلب من الحكومة إيقاف بث هذه الأعمال، على الرغم من انحطاطها. ذلك يعني بشكل ما تحريض السلطات على المساس بحرية التعبير والبث. ناهيك عن أن الحكومات غارقة في عجزها وهيئات مراقبة البث لا تملك أدوات فرض سياساتها. الذي يوقف هذه المهازل المتكررة هو وعي الجمهور وترفعه عنها. عندما يدرك الجمهور حجم التجهيل والأذى النفسي والاجتماعي المرافق لكل لحظة بث من «الكاميرا الخفية» سيسحب ثقتها فيها. وسحب الثقة يعني، بالمنطق، تراجعها أو اختفاءها.
الحكومات تستطيع أن تهم بطرق أخرى مثل سنِّ تشريعات تحمي الضحايا وتمنحهم حق مطالبة «الجلاد» بعدم بث المقلب، ثم ملاحقته قضائيا إذا كان لا بد من ذلك. والحماية تعني أيضا تشجيع الناس على عدم التفريط في حقهم، ومرافقتهم في المسار القضائي بالتوعية والمساعدة المادية والمعنوية.
هناك تحدٍّ أكبر يقوم على إيجاد البديل، إنتاج تلفزيوني جيد يسحق شعبيا «الكاميرا الخفية» وأصحابها. لكن وسط موجة التجهيل والتسطيح السائدة تلفزيونيا، تلكم معركة مستحيلة حتى ليبدو الإبقاء على «الكاميرا الخفية» أقل كلفة!

 

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك