برنامج مقالب تونسي «يروّج» للتطبيع مع إسرائيل بطريقة دكية

IMG_87461-1300x866

تحوّل برنامج كاميرا خفية يستضيف سياسيين في «مقر سري للسفارة الإسرائيلية» إلى قضية رأي عام وتجاذب سياسي كبير في تونس، وسط تراشق إعلامي بين الضيوف المشاركين في البرنامج والقائمين عليه، وخاصة إثر اتهام بعضهم بـ«العمالة» والتطبيع مع إسرائيل، في ظل حديث الشركة المنتجة عن «ضغوط» مارستها بعض الجهات لمنع عرض البرنامج الذي كان من المفترض بثه خلال شهر رمضان المبارك، واتهامها من قبل البعض بالترويج للتطبيع.
ويقوم البرنامج الذي يحمل اسم «شالوم» (مرحبا بالعبرية) على استدراج الضيوف (الضحايا) إلى فيلا فخمة في العاصمة التونسية بعد إقناعهم بإجراء حوار مع قناة «سي أن أن» الأمريكية، حيث يكتشف الضيف أنه داخل «مقر سري (مفبرك) للسفارة الإسرائيلية» تتكتم عليه الدولة التونسية، حيث تعرض عليه السفيرة الإسرائيلية المفترضة وفريق مستشاريها من «جهاز الموساد» عروضا سخية تتضمن دعمه سياسيا وماديا للوصول إلى سدة الحكم، كي يقوم بخدمة مصالح إسرائيل في مراكز الحكم (الرئاسة والحكومة والبرلمان) عبر المطالبة بالتطبيع الكامل معها وافتتاح سفارة علنية لها في تونس.
وأشار منتج البرنامج الإعلامي وليد الزريبي، إلى أن العمل هو أقرب إلى»التحقيق الاستقصائي» لكشف من يرغبون «بخيانة الوطن والتطبيع العلني مع إسرائيل»، مشيرا إلى أن جهات لم يحددها ضغطت على قناة «التاسعة» الخاصة لمنع بث البرنامج. وأشار إلى احتمال بثه على قناة «تونسنا» الخاصة خلال شهر رمضان الحالي.
وكشف الزريبي، في تصريح إذاعي، عن هوية شخصيات سياسية ودينية وقعت في الفخ، وقبلت «التطبيع مع إسرائيل»، أبرزها رئيس حركة «وفاء» الحقوقي عبد الرؤوف العيّادي (المعروف بمواقفه الرافضة للتطبيع)، والشيخ عادل العلمي رئيس حزب «تونس الزيتونة»، فضلا عن سليم شيبوب صهر الرئيس السابق زين العابدين بن علي. كما أشار إلى أن عددا من السياسيين البارزين كمحمد عبّو مؤسس حزب «التيار الديمقراطي»، وعبيد البريكي مؤسس حركة «تونس إلى الأمام»، وعمار عمروسية النائب عن «الجبهة الشعبية» رفضوا العرض المقدّم من قبل الدبلوماسيين الإسرائيليين «المزيّفين».
ورغم عدم بث برنامج الكاميرا الخفية المذكور، إلا أنه أثار جدلا سياسيا كبيرا في تونس، حيث هدد بعض المشاركين فيه بمقاضاة الشركة المنتجة وبعض وسائل الإعلام بتهمة التشهير بهم ومحاولة تشويه صورتهم أمام الرأي العام التونسي، مفنّدين ما ورد على لسان المنتج.
وأصدرت حركة «وفاء» بيانا نفت فيه ما ورد على لسان المنتج حول قبول رئيسها عبد الرؤوف العيادي للعرض المالي المقدم مقابل التطبيع مع إسرائيل. وأضاف العيادي عبر صفحته على موقع «فيسبوك»: «رغم أجواء الترهيب التي افتعلها الفريق المشبوه عبر التصدي لمغادرتي المكان من طرف شخص مسلّح، ومنعي من استعمال هاتفي الجوال لطلب النجدة، والحديث عن مخطط لاغتيالي من طرف الموساد، لم أقبل العرض بدعمي في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، إذ أجبت بوضوح أن لا رغبة لي في الترشح لأي منصب وأن وضعي كمحام يكفيني، كما أنني رفضت حقيبة الأموال التي جيء بها وقيل إنها تحتوي على المال، بل أنني رفضت حتى قنينة الماء التي جيء بها بعد التسجيل، لما كنت أشعر به من عدوان استهدفني. وليد الزريبي خاطبته البارحة واستفسرته عن سبب كذبه، أجاب أنه كان ضحية مونتاج من طرف راديو شمس (الذي بث لقاء مع الزريبي حول البرنامج) وأنه بصدد التحوّل الى الإذاعة المذكورة لتوضيح المسألة وتكذيب ما ورد على لسانه بشأن قبولي العرض».
وعلّقت المحامية ليلى حداد بقولها «آخر مرافعات الاستاذ عبد الرؤوف العيادي المناضل التي زلزلت قاعة الجلسة في الأيام الأخيرة حول منع دخول رياضيين إسرائيليين للتراب التونسي في إطار بطولة العالم للتايكواندو التي تم تنظيمها بتونس. عبد الرؤوف العيادي فوق الشبهات، ومحاولة التشويه لن تجد جدوى مع مناضل ثابت في مواقفه، ولأنه رجل في زمن قل فيه الرجال».
كما نفى سليم شيبوب ما ورد على لسان الزريبي، مؤكدا أن مشاركته في برنامج «شالوم» اقتصرت فقط على حوار مع رجل دين يهودي اقترح عليه المساعدة لتحسين وضعه في البلاد. وأشار إلى أنه غادر القاعة فور علمه بوجود دبلوماسية «إسرائيلية»، نافيا تلقيه أي عروض مالية للقبول بالتطبيع، فيما طالب عادل العلمي ببث البرنامج، مشيرا إلى أنه «ليس لديه ما يخشاه».
وكتب محمد عبو على صفحته في موقع «فيسبوك» تحت عنوان « كاميرا خفية تكشف هشاشة ديمقراطيتنا وحجم الفساد المستشري في بلادنا»: «عندما نتحدث عن معلومات حول تمويل أجنبي لسياسيين، أو حول قبول سياسيين لمال من ميليشيا مسلحة، فإن البعض قد يتصور أننا نبالغ لضرب خصومنا. اليوم كاميرا خفية تكشف ضعف شخصيات عامة أمام المال الذي مصدره الكيان الصهيوني، وتستهين بالدولة وقوانينها، وقد ترتكب أبشع جريمة سن لها قانوننا أقصى عقوبة في سلم العقوبات. هذا لا يجب أن يستغربه أي عارف بواقع تونس في عهد حكم المال السياسي الفاسد للدولة وتوجيهه لها. الأخطر من هذا الفساد، هو قدرة أصحاب النفوذ المالي على فرض مواقفهم على الخط التحريري لمؤسسات الإعلام وقدرتهم على توجيه الإعلام في الوجهة التي يريدون، بحيث ثبت أن باستطاعتهم توجيه الرأي العام بتقنيات بسيطة ولكنها فعالة، وأن المكسب الأساسي للثورة حاليا، هو بدوره مقيّد بفعلهم».
وأضاف عبو «فيما يخصني، تمت دعوتي للبرنامج، وتفطنت إلى أنها كاميرا خفية منذ البداية وأعلمت الفريق بذلك. لا أعرف كل من رفض أو قبل المال، ومن رفضه يمكن أن يكون نزيها، وهذا الأصل في رأيي، وقد يكون تخوّف من إيقاعه في فخ ما، ولكن الخطير حسبما بلغني أن نسبة قد تفوق النصف من ضيوف البرنامج وافقوا على قبول المال، طبعا قد يكون بعضهم قام بمسايرة محدثه لإعلام الأمن لاحقا. هذا وارد حتى لا يُظلم أحد، ولكن حسبما علمت، هذا البرنامج قد يكشف للتونسيين حجم الدمار الذي حل بالبلاد في غياب المحاسبة، لمن لم يكتشفه بعد أو شك سابقا في من حذّر من ذلك».
وكتب الباحث سامي براهم « «شالوم» كاميرا خفيّة تبحث عن الإثارة والفرقعة؟ أم عمل استقصائي لكشف الخونة والمطبّعين؟ « على حدّ قول صاحب البرنامج» أم عمليّة إيقاع واستدراج خفيّ للتّطبيع والتّطبيع مع التّطبيع؟ أم أجندة سياسية لتلميع البعض وتشويه آخرين؟ أم إثارة إعلاميّة تجاريّة سخيفة؟ من وضعوا غيرهم في هذا الاختبار هل سيصمدون لو وُضِعُوا في الاختبار نفسه؟ ليس هناك ما يؤكّد ذلك طالما لم يكونوا في موضع الاختبار نفسه».
فيما أصدرت قناة «التاسعة» بلاغا نفت فيه تعرضها لضغوط جعلتها تتراجع عن بث برنامج «شالوم»، مشيرة إلى أن الموضوع يتعلق بمقترح تقدمت به شركة إنتاج خاصة لعرضه ضمن الشبكة الرمضانية، و«قررت إدارة القناة أن المادة المعروضة عليها لم ترتق إلى مستوى الجودة المطلوبة، بالإضافة إلى أن السياق الحالي الذي تعيشه القضية الفلسطينية يجعل من محتوى البرنامج استفزازا مجانيا للمشاهدين (…) ما تم الترويج له في علاقة بضيوف الحلقات في أغلبه مغالطة للرأي العام خاصة وقد تبين بعد مشاهدة أغلب الحلقات أن المشرفين على البرنامج حاولوا الإيهام بأن ضيوفهم وقعوا في فخ الكاميرا الخفية، في حين أن الأمر غير ذلك، وهو ما يعد مغالطة في حق أغلب الضيوف علاوة عن مغالطة المشاهدين».
وعادة ما تلجأ برامج المقالب في تونس إلى المواضيع الحساسة بهدف كسب نسبة مشاهدة مرتفعة، حيث تناول أحد موضوع «عودة بن علي إلى السلطة» وهو ما ترك ردود فعل متفاوتة لدى «الضحايا» بين مؤيد لعودته على اعتبار أن الوضع الاقتصادي في عهده كان أفضل، ورافض التخلي عن مكتسبات الثورة والعودة للحكم الديكتاتوري.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك