الهجرة غير الشرعية تتخذ نسقا تصاعديا وتشمل العمال وابناء الفئات الميسورة في تونس

IMG_87461-1300x866

قفزت ظاهرة الهجرة السرية إلى صدارة الظواهر التي تؤرق غالبية التونسيين بعدما أخذت خلال السنوات الأخيرة نسقا تصاعديا لافتا ليبلغ عدد المهاجرين المنحدرين من مختلف الاعمار والفئات والجهات عشرات الآلاف، فيما قال خبراء ان الحكومات تعاملت معها على أنها "تخفف عبء الضغط" في ظل الأزمة الهيكلية.

ومما عمق أرق غالبية التونسيين هو أن الظاهرة شهدت خلال السنوات السبع الماضية تحولا في تركيبتها وهيكليتها، إذ بعد أن كانت تشمل الشباب العاطل تسللت بشكل مفزع إلى طلبة الجامعات وتلاميذ المعاهد الثانوية والمدارس الابتدائية وأيضا إلى النساء والعمال وحتى إلى شباب العائلات الميسورة.

ودعت هذه التحولات بالخبراء إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من أن دوافع الظاهرة التي كانت تقتصر على البطالة والبحث عن الشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية الشخصية والعائلية، باتت تتغذى من دوافع اجتماعية وسياسية ونفسية في ظل سقف عال من تطلعات الشباب لمستوى عيش لائق مقابل انسداد الآفاق في تونس.

وقال جوهر بن مبارك أستاذ القانون الدستوري ورئيس "جمعية دستورنا" إن "الهجرة السرية أخذت خلال السنوات الأخيرة منحى جديدا وباتت تمثل هروبا وفرارا من الأوضاع العامة الصعبة ومحاولة لإنقاذ الذات ومخاطرة بالحياة من أجل البقاء".

وأضاف بن مبارك متحدثا لمراسل ميدل ايست أونلاين يقول "هناك خيبة أمل فردية وجماعية تشمل العديد من الفئات بما فيها الكفاءات والأدمغة التي باتت تبحث هي الأخرى عن الهجرة عبر عقود مع جامعات عربية وأجنبية وهي ظاهرة خطيرة".

يحصي الخبير معز الغريبي الباحث في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية 26700 شاب هاجروا بطريقة غير شرعية إلى إيطاليا العام 2011 تاريخ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي مستغلين حالة الفوضى وارتباك أداء مؤسسات الدولة.

ورأى المهاجرون في تلك الفوضى فرصة تاريخية للانتقال من جنوب المتوسط إلى ضفاف شماله بحثا عن وهم جنة فردوس الحياة وتطلعا إلى تحقيق الارتقاء الاجتماعي من الفئات الهشة التي فتكت بها البطالة والفقر إلى مستوى الفئات الميسورة.

وعلى امتداد السنوات السبع الماضية بدت تونس وكأنها تعيش نزيفا حادا لطاقات شبابية إذ تشير الإحصائيات إلى أن كل عام يتمكن نحو 6 الاف شاب من الهجرة.

38 الف مهاجر تونسي في ثماني سنوات

ووفق دراسة أجراها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين منذ العام 2011 إلى غاية أكتوبر 2017 نحو 38 الف مهاجر غير شرعي غالبيتهم اتجهوا إلى السواحل الجنوبية الإيطالية القريبة نسبيا من السواحل الشمالية التونسية.

غير أن هذا الرقم لا يشمل عدد الذين حاولوا الهجرة إذ أكد الغريبي لميدل ايست أونلاين أنه تم إحباط 900 عملية هجرة أنقذت الآلاف من الشباب من الموت. وإذا ما أحصينا أن كل عملية تعد 20 مهاجرا وهو متوسط عدد المهاجرين عبر كل قارب موت نستنتج أن السلطات أحبطت هجرة نحو 20 الف شاب.   

الحرقة لإنقاذ الذات
لم تكن ظاهرة الهجرة السرية بجديدة على تونس إذ تعود جذورها وفق الخبراء إلى الستينات والسبعينات من القرن الماضي ويكاد يقف وراءها دافع وحيد يتمثل في البحث عن الشغل في ظل غياب مواطن الرزق والبحث عن حياة أفضل.

تصاعد في الهجرة السرية من تونس
 

غير ان التحولات التي أعقبت انتفاضة العام 2011 وقادت إلى ظاهرة الهجرة السرية أو غير الشرعية كشفت عن دوافع اجتماعية وسياسية إضافة إلى الدوافع الاقتصادية وباتت تونس تواجه تعقيدات جديدة في ظل نزيف لم تتمكن الحكومات من ايقافه.

ويرى جوهر بن مبارك أن "ظاهرة الهجرة غير الشرعية في تمظهراتها الجديدة وفي تعقيداتها تعد حالة فرار من أوضاع البلاد المتأزمة بحثا على الخلاص الفردي والجماعي لا فقط من البطالة وإنما من غياب الحد المقبول من جودة الحياة والمعيشة اللائقة".

ويلتقي تحليل بن مبارك مع المفردات التي يستعملها الشباب في حديثهم عن الهجرة السرية التي تعرف في تونس بـ "الحرقة" إذ يرون فيها محاولة لإنقاذ الذات.

وتستبطن الحرقة القطع مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية إذ بمجرد وصول المهاجر إلى السواحل الجنوبية الإيطالية يقوم بحرق كل وثائق هويته لا فقط لتضليل السلطات وإنما هو نوع من حرق الماضي الشخصي المؤسف.

كما تقوم غالبية المهاجرين بمحو بصماتهم حتى لا تتعرف على هويتهم الأجهزة الأمنية الإيطالية وتعيدهم إلى تونس.

البطالة الدافع الأول

وتمثل البطالة التي تتراوح في الجهات الداخلية وبلداتها وقراها ما بين 40 و60 بالمئة أحد الدوافع الرئيسية التي ما انفكت تغذي الهجرة السرية حيث أكدت دراسة أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية العام 2017 تحت عنوان "الشباب والهجرة غير النظامية في تونس" أن البطالة تمثل الدافع الأول بنسبة تتجاوز 69 بالمئة.
وتظهر قراءات أن هذا الدافع لا يمكن فهمه إلا في إطار السياقات الاجتماعية العامة حيث لا يعد دافع البطالة سوى مؤشر الى دوافع اجتماعية ونفسية وفي مقدمتها الشعور بالحيف الاجتماعي الذي يغذي بدوره اليأس والإحباط.
ويشدد الخبراء على أن هناك فرقا بين الفقر والشعور بالحيف يكمن في إحساس شباب الجهات الداخلية والأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة بصفة خاصة بالغبن حين يقارنون أوضاعهم بأوضاع شباب الأحياء الراقية التي يترددون عليها هروبا من أحيائهم. 
ويشدد جوهر بن مبارك على أن "هناك شعورا لدى الشباب التونسي سواء منه العامل أو العاطل وحتى لدى غالبية فئات المجتمع بتراجع جودة الحياة وغياب أي مرافق أساسية من شأنها توفير مقومات العيش الكريم".
ويضيف بن مبارك يقول "إن تعفن جودة الحياة لامست أيضا العمال وهو يرى أن الأوضاع الاجتماعية بين الشباب العاطل عن العمل تكاد تتماثل مع الشرائح السفلى للفات العاملة" مضيفا يقول "لقد انهار الفارق بين العاطل وبين العامل".

تجربة مع قوارب الموت

وينسجم هذا التحليل مع ما توصلت إليه دراسة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إذ أكدت أن أكثر من 32 بالمئة من العمال يفكرون في الهجرة. 
يبدو ان الحريات العامة وما يرافقها من حريات مدنية سياسية لا تعني شيئا بالنسبة للشباب التونسي سواء منه الذي نجح في الهجرة السرية أو الذي يفكر فيها، إذ تبرز الدراسات أن العامل السياسي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد الدوافع.
والأبعد من ذلك تستبطن الظاهرة نوعا من التهميش السياسي حيث قال 4 بالمئة فقط من الشباب أنهم ينشطون في أحزاب سياسية وفق دراسة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما يعني أن 96 من الشباب غير مؤطر.
ويميز الشباب التونسي بين النشاط السياسي والنشاط الحزبي وهم لا يترددون في اتهام الطبقة السياسية بتهميشهم سياسيا من خلال غياب أي تفاعل إيجابي مع مشاغلهم لا فقط المعيشية اليومية وإنما مع تطلعاتهم وطموحاتهم لتحقيق ذواتهم.
ويرى جوهر بن مبارك أن "ظاهرة الهجرة السرية اليوم في تونس هي شكل من أشكال الاحتجاج الاجتماعي على الأوضاع العامة في البلاد وهي احتجاج يتمظهر في شكل رفض المنظومة القائمة من خلال القطع معها والبحث عن الخلاص".
ويضيف بن مبارك أن "الظاهرة في الوقت الذي تؤرق فيه المجتمع التونسي لا تكاد تحظى بالاهتمام اللازم من قبل الطبقة السياسية" وهو يذهب إلى حد القول بأن الحكومات المتعاقبة ترى في الراغبين في الهجرة السرية "عبئا" وبالتالي ترى في المهاجرين السريين "تخفيفا لضغط العبء" في ظل غياب أي استراتيجية للتعاطي معها بشكل عملي وناجع. 
 

تركيبة خطيرة 
طرأت على ظاهرة الهجرة السرية خلال السنوات السبع الماضية تركيبة جديدة في منتهى الخطورة سواء لجهة الفئات العمرية أو لجهة الجنس أو حتى لجهة الانحدار الاجتماعي بعدما تجاوزت الفئات الهشة لتتسلل إلى الفئات الميسورة.

ووفق ريم بوعروج المكلفة بالهجرة في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية هناك 54.6 بالمئة من الشباب في تونس يرغب في الهجرة.

ووفق دراسة المنتدى يوجد حاليا في إيطاليا 544 طفلا تتراوح أعمارهم ما بين 14 و16 سنة وصلوا إلى السواحل الجنوبية الإيطالية بطرق غير شرعية بعد أن انفصلوا عن الدراسة والتحقوا بأطفال الشوارع قبل يتمكنوا من الهجرة.

ورغم أن الشريحة العمرية 20ـ 24 سنة تبقى تتصدر قائمة السباب الراغب في الهجرة السرية بنسبة 38 بالمئة إلا أن ذلك لا ينفي من أن التركيبة العمرية طرأت عليها هي الأخرى تحولات خطيرة أضفت على الظاهرة المزيد من التعقيدات. 
وتظهر الدراسات أنه كلما تقدم السن ارتفعت نسبة الراغبين في الهجرة، إذ عبر 27.7 بالمئة من الفئة العمرية 25 ـ 29 عن رغبتهم فيما بلغت النسبة بشأن الفئة العمرية 30 ـ 34 نحو 16.6 بالمئة.
وتكشف مثل هذه المؤشرات لا فقط على التركيبة التي طرأت على الفئات المهاجرة بطريقة سرية وإنما تستبطن، وفق الخبراء، استفحال تركيبة جديدة حتى أنها باتت تشمل  5 بالمئة من الفتيات و7 من الشباب الذي ينحدر من عائلات ميسورة.
وقال معز الغريبي إن الهجرة بصفة عامة أصبحت تمثل ظاهرة بالنسبة للمجتمع سواء منها السرية أو الشرعية مشددا على أنه أنجز دراسة أثبتت أن 83 بالمئة من الكفاءات والأدمغة التونسية ترغب في الهجرة وأن 55 بالمئة من الطلبة الذين يزالون تعليمهم في الخارج يفضلون الاستقرار هناك.
شبكات الموت  
تمثل القوارب الصغيرة المخصصة عادة للصيد الوسيلة الأكثر جذبا للراغبين في الهجرة السرية بنسبة تصل إلى أكثر من 87 بالمئة وهي عادة ما تنطلق من السواحل التونسية القريبة من السواحل الإيطالية وفي مقدمتها سواحل مدينة المهدية وقليبية وبنزرت وصفاقس التي تتصدر قائمة السواحل.
وتمثل القوارب "قوارب موت حقيقية" إذ لا يتردد مالكوها في زج أكثر من 30 شابا والحال أنها لا تتحمل أكثر من 10 أشخاص وفي أكثر من حادثة روى ناجون من الغرق أن صاحب المركب يلقي بعدد من الشباب في البحر في حال فقدان القارب لتوازنه نتيجة ثقل الحمولة.

وتركزت خلال السنوات الأخيرة شبكات منظمة متخصصة في الهجرة السرية على شاكلة شبكات تسفير الشباب إلى بؤر التوتر، وفي 26 أكتوبر 2017 أعلنت وزارة الداخلية أنها اعتقلت 5 من أبرز السماسرة المنظمين للرحلات السرية البحرية نحو السواحل الأوروبية، وذلك خلال حملات أمنية واسعة بولاية صفاقس. 

ولا يتم تنظيم عملية الهجرة مباشرة بين الشباب وما يعرف في تونس بـ"الحراقة"، أي أصحاب القوارب وإنما تتم عبر وسطاء وسماسرة لتضليل الأجهزة الأمنية.

وبعد الاتفاق على كلفة "الحرقة" التي تتراوح ما بين ثلاثة الاف وثمانية الاف دينار ( 1400ـ3500 دولار) يتم تجميع الشباب إما في منزل قريب من نقطة الانطلاق أو بإحدى الغابات قبل أن يرسى القارب عادة بعد منتصف الليل ليبدأ رحلة الموت.

وفي 10 أبريل 2018 نقلت وكالة رويترز للأنباء عن قضاة إيطاليين قولهم إن إيطاليا كشفت شبكة إجرامية تهرب المهاجرين من تونس إلى صقلية على متن زوارق مطاطية سريعة وذلك بعد أقل من عام واحد على تفكيك شبكة تهريب أخرى.
من جحيم إلى جحيم أشد
ما أن ينجو المهاجرون السريون من الموت في أعماق البحر الأبيض المتوسط وتقع أقدامهم على شواطئ السواحل الجنوبية الإيطالية حتى يكتشفوا أنهم فروا من جحيم أوضاعهم الاجتماعية المتردية إلى جحيم أوضاع جحيم أوضاع أكثر ترديا.

منهم من يتسلل إلى داخل التراب الإيطالي ليلتحق عادة إما بأحد أفراد عائلته الذي كان سبقه في الهجرة أو الالتحاق بأحد الأصدقاء ومنهم من يقع في قبضة الأجهزة الأمنية الإيطالية التي لا تتردد في حشرهم في سجون لا تليق حتى بكبار المجرمين.

وفي 16 مايو 2018 أكد شاكر ساسي رئيس الجمعية التونسية للوقاية من الهجرة السرية في تصريح لإذاعة موزاييك أف أم التونسية أن "مراكز الإيواء بإيطاليا غير قادرة على استيعاب جحافل المهاجرين السريين إضافة الى سوء المعاملة".

نداء استغاثة

وأظهر مقطع لشريط فيديو أن مراكز الإيواء التي تخصصها السلطات الإيطالية تعد فضاءات للتنكيل بالمهاجرين ما دفع بالمهاجرين إلى إطلاق نداء استغاثة إلى السلطات التونسية بالتدخل بعد أن دخل المعتقلون في إضراب جوع على خلفية تعرضهم للعنف من قبل الأجهزة الأمنية الإيطالية.


وفي ظل تدفق آلاف المهاجرين السريين من جهة وغياب أي رغبة أوروبية في التوصل إلى حلول عملية تبد، كما يذهب إلى ذلك خبراء، الحلول مستعصية في ظل الأزمة الهيكلية التي تشهدها تونس وأيضا في ظل اجتياح الظاهرة لمختلف فئات الشباب.

ويقول جوهر بن مبارك "لا توجد حلول سحرية ولا ظرفية من شأنها أن تمتص الظاهرة خاصة إذا ما تواصلت السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية للحكومة".

ويشدد جوهر بن مبارك وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين على أن "الاتحاد الأوروبي يسعى إلى ترحيل مسؤولية حماية سواحله الجنوبية من الهجرة السرية إلى بلدان شمال إفريقيا بناء على اتفاقيات" لافتا إلى أن "هذا ليس من دور تونس ولا غيرها".

منور مليتي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك