السكوت حكمة لكنّ الأسوأ من صمتك أحيانا أن تتكلّم بعد فوات الأوان بشأن المقاطعة

IMG_87461-1300x866

في مواقف عدّة يعتبر السكوت حكمة، لكنّ الأسوأ من صمتك أحيانا أن تتكلّم بعد فوات الأوان. فليس من المروءة في شيء أن تلزم الصمت متردّدا ومتشكّكا في انتظار أن تتّضح الصورة لتتّخذ موقفا ممّا يختمر ويتبلور، حتّى إذا استبان لك الأمر واكتملت في ذهنك الصورة ولم يعد من مجال للشكّ في جدّية الموقف، سارعت إلى قطع صمتك المخزي للإدلاء برأيك في القضيّة قبل أن تجفّ الأقلام وتطوى الصحائف فيفوتك أجر المشاركة، ويسجّل عليك التاريخ تخاذلك وتراخيك عن اتخاذ القرار الحاسم في اللحظة المناسبة.
يذكّرني هذا بمشاهد من الربيع العربي المجهض، وتلك الحشود التي اجتاحت ميدان التحرير في القاهرة بعد أن انقشع غبار موقعة الجمل ورجحت كفّة الثوّار وصار نظام مبارك يترنّح. أترانا ننسى الذين صمتوا في اللحظات الحرجة للحراك، ثمّ حين تبيّن لهم أوان القطاف أطلّوا بوجوههم الّتي بلا ماء ليدوّنوا بالافتراء أسماءهم في الدفتر الذهبي لصنّاع الربيع؟
في المغرب سيكون مخجلا التزامك الحياد في جدل المقاطعة، سيبدو موقفك مفضوحا وأنت تنتظر زوال الغبش لتسجّل موقفا فاتك أن تعبّر عنه ولم يبارح قطار المقاطعة محطّته الأولى، أمّا وقد سلك منعرجات البداية الصعبة واستوى على سكّته، فلا معنى لأن تضيف توقيعك في اللحظة الأخيرة معتقدا أنّ لك فضلا في اندفاعته.
المقاطعة ليست سلوكا جديدا على المغاربة، وإن كانت التعبئة لها أقوى هذه المرة بحكم ما أضحت تتمتّع به وسائط التواصل الاجتماعي من قدرة هائلة على تحريك كتلة الجماهير وتوجيه الرأي العام نحو تبنّي موقف معيّن من قضيّة ما، وهذا ما لم يتهيّأ لنسخ سابقة من المقاطعة حرّكتها دواع قوميّة تارة كالغزو الأمريكي للعراق أو العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وقد تغذّيها تارة أخرى دوافع دينيّة إيديولوجية كما حدث عقب نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد (ص)، وحين هدّد القسّ الأمريكي بإحراق نسخ من القرآن الكريم، من دعوة إلى مقاطعة منتوجات ذات منشأ دانماركي وأمريكي. وفي كلتا الحالتين فإنها مقاطعة مفهومة ومستساغة، وردّ فعل بطعم المقاومة يمنح المقاطع شعورا بالانتماء والانخراط في فعل نضالي ينتصر للقومية والدين، وإن لم يرق الفعل يوما إلى مستوى التعبئة الحاليّة، حتّى وقد سخّرت له منابر المساجد وساحات الجامعات.
لكن أن تتمّ الدعوة إلى مقاطعة منتوج محلّي لمقاولة وطنيّة بعينها دون غيرها، فهذا ممّا لم يكن يطرح في السابق كخيار للردّ على جشع الشركات إلا على سبيل الاستئناس بتجارب وأشكال مقاومة حضارية أبدعتها شعوب تحدّت تغوّل الرأسمال مرغمة إيّاه على الانحناء والاعتذار مع التراجع عن القطرة التي أفاضت كأس الصبر والتحمّل فأشعلت فتيل المقاطعة.
كنا نستحضر بإعجاب مثل هذه التجارب من غير أن نعمد إلى اختبارها في التربة المغربية، وإنتاج نسختنا المحليّة التي ستدخلنا إلى نادي الأمم التي نجحت في ترويض غول الرأسمال بأسلوب أنعم من الذي نهجه «لينين» و «ماو»، ومن دون أن نتجشّم الكلفة الباهظة التي تكبّدها «الاتحاد السوفييتي» ومن دار في فلكه من أمم دانت بتعاليم «ماركس» فترة، ثمّ ما لبثت أن نكصت فاتّخذت من «ثروة الأمم» إنجيلاً ومن «آدم سميث» نبيّا ورسولا.
هنا في المغرب سيدفع ثمنا غاليا أولئك الذين لم يستخلصوا الدروس من 20 فبراير/شباط وحراك الريف وجرادة، باسترسالهم في تجاهل القوة النامية لشعب «الميديا»، وما أعطته من زخم للحراك الشعبي أفضى إلى زلزال سياسي دفع بوزراء وزعامات إلى اعتزال مبكّر للسياسة، وأطاح بأسماء من على كرسي السلطة إلى تقاعد قسري ما كان ليتمّ إلا بتدخّل من «عزرائيل».
مع هذا ورغم الخلخلة التي أحدثها النضال «الافتراضي» في المشهد السياسي المغربي، فإنّ كثيرين مازالوا يميلون إلى القول بعبثية هذا الشكل الاحتجاجيّ ولا جدواه في مواجهة «لوبي» اقتصادي قوي مسنود من قبل أذرعه السياسية والإعلامية، وفي ظل عمل ممنهج وغير محسوب العواقب استهدف تطويع وتدجين ما تبقّى من أحزاب تتمتّع ببعض من الاستقلالية في القرار وتحظى بشيء من المصداقية لدى الرأي العام، فضلا عن غياب أو بالأحرى تغييب مؤسسات الوساطة التي أضحت مفتقدة لأيّ ذرائع تسوّغ وجودها، وتبرّر ما تستنزفه من أموال الدولة بلا طائل.
إنّما ومن حيث لا يدري هذا اللوبي فإنّه وأزلامه ما فتئوا ينفخون في جمر الغضب الشعبي المشتعل ليزيدوا فكرة المقاطعة اتّقادا واستعارا، بما يصدر عنهم من ردود فعل متشنّجة تفضح عنجهية وغطرسة متأصّلتين في نظرتهم إلى «القطيع» الذي أضرب عن الكلأ وصار يتهجّى حروفه الأولى في درس المواطنة. فعلى زلاّت هؤلاء وتحرّشات أزلامهم واستفزازات أقلامهم المأجورة تتغذّى حملة المقاطعة، فيتكاثر مريدوها، وتكبر كرة الثلج يوماً بعد آخر.
لكنّ هذا ليس داعيا للانتشاء أو مبررا للتشفّي والتنفيس عن كبت يوشك أن ينحو منحى طبقيا، لأنّ المقاطعة فعل نضاليّ تلزمه الأناة وطول النفس، وعدم الانجرار خلف دعوات غلاة يريدون إلباسه لبوسا دينيا وإيديولوجيا يفقد هذا السلوك الاحتجاجي نبل مقاصده ووجاهة دوافعه ومسوّغاته، حتى ليكاد هذا الاندفاع أن يصرف عديدا من أنصار المقاطعة عن مواصلة الانخراط في فعل يوشك أن يصير رهينة لدى فئة توجّهه حيث مالت بوصلتها واشتهت رياحها، ممّا يهدّد بأن يضرب المقاطعة في مقتل.
إن أفضل منهج للتعامل مع لوبيات الريع و «المؤلفة قلوبهم» أن يتركوا يتشنجون ليراكموا الأخطاء ويضيفوا إلى عديد شعب المقاطعة كلّ يوم أفواجا ممّن تخلّفوا أو تردّدوا في الانخراط أوّل الأمر في حملة «تجهل مآربها وتلتبس خلفيات من يقودها من وراء حجاب»، فحتّى إن لم يكن انضمام الوافدين الجدد عن قناعة راسخة بجدوى المقاطعة وخلفياتها، فأقلّه أن يكون انخراطهم نكايةً في من وصم دعاة المقاطعة بالقطيع وضحايا الغفلة، واتّهم جمعهم بالخيانة، ليس لأنّهم باعوا أسرار البلد للموساد، أو هرّبوا آثاره، ولكنّ كلّ جريمتهم أنّهم امتنعوا عن شراء عبوة حليب، أو قنينة ماء معدني، أو تعبئة خزّان سياراتهم بالوقود في محطّة تحمل العلامة التجارية لشركته.
إنّ هؤلاء من خلال وصمهم المنخرطين في حملة المقاطعة بالغفلة والخيانة ونعتهم إيّاهم بالقطيع، لا يفلحون سوى في صبّ مزيد من الوقود على نار الحملة، كما أنّ صمت الحكومة دهرا ونطقها حين خاضت في حديث المقاطعة كفرا لن يرهب المقاطعين أو يثنيهم عن المواصلة رغم نبرة التهديد والوعيد التي طفح بها تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية الذي نسي للحظة موقعه، وصار يتحدّث كما لو أنّه وكيل تجاريّ لدى الشركات التي استهدفتها المقاطعة، ويستشهد بأرقام وإحصاءات، ويتوعّد بقوانين رادعة لمعاقبة كلّ من روّج لمعطيات مغلوطة عن هوامش الربح الكبيرة التي تجنيها تلك الشركات.
إنّ في وسعهم لو شاؤوا – بل إنّه من صميم ما يفرضه عليهم الواجب تجاه المواطنين – أن يتواصلوا معهم بما تقتضيه أعراف التواصل وقواعده – تلك التي تلقّوا أبجدياتها في المدارس الوطنيّة أو المعاهد الأجنبيّة للتجارة والتسيير ونظم الإدارة والتواصل – من لباقة لزبناء كادوا أن يكونوا ملوكا، لكنّهم يتعمّدون الهروب إلى الأمام، ويتّجهون إلى النقر على ذلك الوتر الحسّاس، وتر الضرر الذي سيلحق بالاقتصاد الوطني من وراء السلوك المتهوّر للمروّجين لحملة المقاطعة، يريدون من خلال ذلك دغدغة المشاعر بالتباكي على صغار الفلاحين وذرف دموع التماسيح على المستضعفين في الأرض من عمال في مقاولاتهم، وبقّالين ستكسد تجارتهم بسبب مقاطعة «خرقاء» بلا قلب ولا عقل. لم يتبقّ لهم إلّا أن يتهّموا المقاطعين بالتسبّب في انقراض الديناصورات، وثقب الأوزون، وذوبان جليد القطبين بلجوئهم إلى مقاطعة شركاتهم! بذلك وحده يمكنهم أن ينجحوا في تأليب حماة البيئة ضد دعاة المقاطعة.
هو ذا صوت المقاطعة، فهل فيكم رجل يجيد الإصغاء لخواطرنا؟

 

محمد اليونسي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ALLAL TAZI

    LA VOLTE - FACE DU GOUVERNEMENT PJD ENVERS LE PEUPLE Ce n'est nullement un retour a la raison du PJD, la dernière déclaration très récente de El khalfi aurait pour but de chercher a amortir le choc après la precedente a travers la quelle il menaçait ouvertement et sans honte ni scrupule au nom de son gouvernement, les marocains du boycott de certains produits ,de les traîner en justice . QUELLE AUDACE ! Le coup est parti a Si El Khalfi ,vouloir se racheter n'est plus possible aujourd'hui car le peuple marocain averti et vacciné a découvert réellement la vraie nature le pjd qu' il avait jour cru sincère et en qui il avait placé sa confiance. Un pjd hypocrite ,qui avait menti au peuple marocain durant la campagne des législatives passée,qui se présentait comme un parti politique dur et capable une fois au pouvoir de declarer la guerre au Fassad mais une fois arrivé au pouvoir ,par la volonté du peuple abusé ,il est devenu le défenseur des moufsidines qu' il soutient contre le peuple marocain qui l' a portee au pouvoir. Une tentative hypocrite et nauséabonde de ce porte parole des barbus pour tenter d'induire a nouveau le peuple marocain en erreur ,en osant déclarer cette foi-ci ,après l'erreur fatale commise qui ne manquerait de coûter cher a ce parti caméléon, que son gouvernement pjd hypocrite se doit de défendre les intérêts du peuple marocain. Une volte face absurde qui ne fait pas recette au sein du peuple marocain très vigilent qui ne se fait pas avoir deux fois de suite.. Le peuple marocain n'est ni bête ni niais ,le masque du pjd est tombé et le vrai visage des traîtres de la nation est apparu au grand jour et tous les marocains renient ce parti politique qui n 'est en realite qu'une coquille vide dominée par certains requins dévastateurs de l'économie nationale connus de tout le peuple et qui intimideraient le gouvernement de El Outhamani faible et vacillant qui sert de bouche- trou et qui est a leur service. Le pjd est mort cliniquement pour le peuple marocain et son enterrement aura lieu durant des les prochaines élections. wait and see

الجزائر تايمز فيسبوك