لماذا تدنى مستوى تحصيل تلاميذنا في الجزائر؟

IMG_87461-1300x866

يبدو أن الفريق القائم على وزارة التربية يثبت يوم بعد يوم أن لا هم له إلا القضايا الإيديولوجية واللغوية وأن مشكلتهم الوحيدة هي اللغة العربية والإسلام..نعم الإسلام وليس شيئا آخر..بينما هناك اصرار تام على إنكار المشاكل الحقيقة للتعليم في الجزائر وأهمها انعدام التحصيل العلمي الحقيقي ..ليس لسوء مستوى التلاميذ الفطري بل بالدرجة الأولى لسوء البرامج وطرق التدريس ومنظومة التقييم..طبعا هذا بالإضافة إلى الانحدار التام لمستوى المعلمين والأساتذة كنتيجة طبيعية لانحدار مستوى الجامعة ( بأساتذتها ومنظومتها) وتدني مستوى الأخلاق والشعور بالمسئولية لدى طبقات المجتمع كافة...

حتى نبتعد على التنظير كثيرا سوف أتعرض في هذا المنشور المطول إلى قضيتين هامتين أعتقد أنهما ساهمتا في تدني مستوى التحصيل لدى التلاميذ خلال العقدين الماضيين بشكل خاص وكذلك تعقيد مهمة الأساتذة وتفشي ظاهرة الدعم أو الدروس الخاصة.

القضية الأولى هي كثافة محتوى الكتب بشكل غير معقول يجعل عملية تغطية البرنامج من طرف الأستاذ مسألة مستحيلة إلا على حساب التحصيل. وحتى أكون عمليا أكثر اعطي مثالا ..هذا المثال الصارخ هو كتاب الرياضيات للسنة ثانية...فالناظر لهذا الكتاب ذي 392 صفحة ( 400 صفحة تقريبا!) يقف حائرا من حجم المعلومات والمواضيع المطلوب تغطيتها في سنة واحدة..فالكتاب يحوي تقريبا محتوى السنة الثانية والثالثة ثانوي سابقا مع استثناء ( الأعداد المركبة ودالتي اللوغاريتم والأسية والأعداد المركبة) مضافا إلى هذا مواضيع هندسية كثيرة منها الهندسة في الفضاء والتي لم يكن يدرسها طلبة الثانوي سابقا ولا حتى في الباكلوريا ويكتفون بالهندسة في المستوي وهذا يجعل مسألة استيعابهم للهندسة في الفضاء سهلة في الجامعة .. ( نحن هنا نتكلم عن كتاب الرياضيات لشعبة العلوم وليس الرياضيات!)....

محتوى كتاب الرياضيات للسنة ثانية ثانوي يمثل نموذجا للحشو المركب..فالمطلوب من التلميذ أن يدرس مواضيع بسرعة صاروخية دون أن يجد الوقت لحل المسائل والتمارين...( فهو لا يدرس الرياضيات لوحدها!) ..ولا يجد الاستاذ الوقت لحل مسائل متنوعة للتلاميذ ولا حتى شرح الدروس االتي يقدمها حتى لو أراد..ولو فعل لفقد إمكانية إكمال المقرر...ولهذا يضطر يضطر الأغلبية الساحقة من التلاميذ إلى اللجوء إلى الدعم لأخذ الوصفات السحرية لحل التمارين دون استيعاب او فهم حقيقي للمفاهيم الرياضياتية..وهو ما أدى إلى تفشي ظاهرة الدعم وانعدام استيعاب المفاهيم الرياضياتية..
بينما الحقيقة التي استطيع أن أجزم بها أن التلاميذ لا يحتاجون إلى كل هذه المفاهيم والمواضيع ..بل نصف المقرر يكفي لبناء تكوين رياضياتي ممتاز للتلاميذ يمكنهم من الحصول على تكوين أساسي تُعطى فيه المحاور والأفكار الأساسية التي تسمح للتلميذ بدراسة الرياضيات في الجامعة وجميع التخصصات التكنولوجية والعلمية بسهولة..شريطة أن تُعطى أهمية كبيرة لحل التمارين في القسم وبل يمنح نصف الوقت من الحجم الساعي لحل المسائل والتمارين بالاضافة إلى الواجبات بدل الفروض..وهذا ما نحن فعلا بحاجة إليه وليس تلقين المعلومات وحشوها بحيث يصل التلميذ الجامعة وهو لا يذكر شيئا تقريبا من تلك القوانين والمفاهيم...

أشير هنا أيضا إلى أخطاء منهجية خطيرة في كتاب الرياضيات هذا..فمثلا نجد بعض المسائل تعطى في باب بينما حلها يعتمد على مبرهنات وعلاقات لم يدرسها التلميذ بعد بل هي في باب قادم يعتمد على هذا الباب أصلا!
أيضا كثير من المسائل المحلولة في باب الطرائق يتم حلها بشكل سيء جدا وبطرق تنم في أغلب الأحيان أن كاتب الكتاب نقل الحل وليس قادرا على تفكيكه وشرحه بحيث يشكل زادا للتلميذ...
أيضا عدد من المفاهيم والتعاريف معطاة بالطريقة الأسوأ ..فمثلا طريقة إيجاد القيس الرئيسي للزوايا معطاة بطريقة غاية في الركاكة والطول والتعقيد بينما كان يمكن شرح طريقة إيجاد القيس الرئيسي بطريقة تعكس فعلا هذا المفهوم وفي نفس الوقت تعطي للتلميذ آلية سريعة وذكية لإيجاد القيس الرئيسي...( بالمناسبة سألت الطلبة الذين يدرسون عندي في الجامعة عن القيس الرئيسي ..فقالوا أنهم لم يسمعوا عنه..لا أحد تذكره..حتى بعض الطلبة الجيدين!)؟؟؟

أيضا من الأخطاء، واقول خطأ وليس مجرد منهجية ( لأن هذه النقطة مهمة) ، هي في إعطاء معادلة المستقيم بشكل مغالط للتلميذ ولا يتم تنبيه التلاميذ ( لم أجد أي ملاحظة بخصوص هذه النقطة) إلى أن هذه المعادلة ليست وحيدة وأنه يوجد ما لانهاية من المعادلات لنفس المستقيم بهذا الشكل ..كما أنه يوجد ما لانهاية من الأشعة الموجهة والنظيمة..وهذه نقطة مهمة وتزيح غشاوة خطيرة على التلاميذ ..لأنهم حتما سيجدون عائقا في فهم تعدد الحلول في التمارين من دون أن يكونوا قادرين على استيعاب السبب!...

أيضا من الغرائب التي وجدتها...أنه مطلوب من التلاميذ في المسائل إيجاد معادلة المماس للدائرة في نقطة ..ولكن لا توجد أي إشارة في الدروس لعلاقة المماس بالقطر المار بتلك النقطة...وحتى الأساتذة في حلولهم المتواجد على الأنترنيت لا يشيرون إلى أن المماس للدائرة في نقطة يكون بالضرورة عموديا على الشعاع المار بمركز الدائرة والنقطة ..وهي خاصية مهمة يحتاجها التلميذ في كثير من المسائل الرياضياتية والفيزيائية مثلا!

نفس الملاحظات في الجقيقة تنتطبق على كتاب الفيزياء والعلوم ( ولو أني لست مختصا في العلوم الطبيعية) .فالشاهد أن حجم المعلومات التي يتم ضخها ووضعها في الكتب تعكس طريقة تفكير ومنظور خاطيء للتعليم..فالتعليم لا يعتمد على حجم المعلومات بقدر ما يعتمد على نوعيتها وكيفية طرحها ومعالجتها...والشاهد في هذه الكتب هي غياب روح الإبداع والرؤية الشاملة للمواضيع..بحيث نجد الكتب منقولة بشكل شبه حرفي من كتب ومناهج فرنسية..في كثير من الأحيان يكون واضحا عجز الناقل عن إدراك المنقول ورؤية وفكرة صاحب النص الأصلي...

القضية الثانية التي أرى أنها ساهمت بشكل كبير في تدني التحصيل هي عدد الفروض والامتحانات في السنة..فالمعتمد في مؤسسات التربية الجزائرية الآن..هو 6 فروض وثلاث اختبارات..وبعملية حسابية بسيطة نجد أن التلميذ يقضي السنة في الفروض والاختبارات ويضطر ليدرس لأجل الحصول على النقطة...بل إن التلاميذ في الفصل السداسي الثالث يخرجون هذا الأسبوع من الفرض الأول ليدخلوا في الأسبوع الذي يليه في الفرض الثاني ثم بعدها مباشرة الأختبار الثالث..أي عبث هذا!
وهذا يعكس صورة خاطئة لمفهوم التربية والتعليم...لأن جعل النقاط هي الهدف في ذهن التلميذ يضرب التحصيل العلمي في مقتل..

أخيرا قد يقول قائل أن كتاب الرياضيات الذي أناقشه هو كتاب من الجيل الأول ( إذا سلمنا بما يقولون) وأن كتب الجيل الثاني ستستدرك الأمر..أقول أنني من خلال قراءتي لما صدر من كتب الجيل الثاني في جميع المستويات أن الكتب ستكون أسوأ بكثير من الكتب الحالية...وأن مفهوم الحشو والتلقين حاضر أكثر في كتب الجيل الثاني التي صدرت وغاب عنها الإبداع وكانت الأخطاء العلمية وعمليات النسخ واللصق حاضرة بقوة ..والمتتبع لما يدرسه التلاميذ في السنة أولى وثانية ابتدائي يدرك أن فلسلفة كتب الجيل الثاني هي تعميق لفسلفة كتب الجيل الأول بشكل أكثر رداءة ..

ملاحظة : قضية تخفيض عدد الفروض والاختبارات في السنة لا تحتاج كتب جديدة لتفعيلها...قضية أن يصبح حل التمارين والمسائل أمرا إجباريا في المؤسسات التربوية لا تحتاج كتب الجيل الثاني...

الأستاذ جمال ضو


اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. رابح

    خطير جدا/باحثة تفضح سبب اصلاحات بن غبريط *تدمير عقل الطفل الجزائري.وتكسير هويته القضاء على المدارس القرءانية من اجل ان يصبح الجيل القادم غبي ؟؟؟؟ السبب الحقيقي لإصلاحات بن غبريط هو ...................تدمير عقل الطفل الجزائري.وتكسير هويته .....فإلى متى ؟ يا ورثة الأنبياء....... الفيديو الذي زلزل وزارة بن غبريط ...وقامو بحذفه وغلق العديد من المجموعات وحسابات الفايسبوك ..... https://www.youtube.com/watch?v=dB6A784cFrM

الجزائر تايمز فيسبوك