الشباب ثروة الجزائر المطمورة

IMG_87461-1300x866

الجزائر حالها حال معظم الدول العربية ، تطغى نسبة الشباب بها على بقية الأعمار ، لكن المشكلة أن هؤلاء الشباب دائما ماتغلب عليهم الثقافة السطحية و الأفكار الرجعية أو العبثية أو الحداثية الزائفة أحيانا ، و هذا ما يتجلى بوضوح في أصناف الكتب التي تشهد اقبالا في المكتبات على قلتها و المتمثلة غالبا في الروايات خصوصا تلك المستوردة من مصر و ابتعاد نسبة كبيرة من القراء عن اقتناء روايات سفيتلانا أليكسييفيتش التاريخية أو كتب هشام جعيط بحجة الاختلاف الفكري مع توجه الكاتبين رغم المكانة الراقية لكليهما ، و في الواقع فان تصنيف الكاتب حسب توجهه الفكري سيؤدي لا محالة الى توليد ثقافة الخلاف بدلا من ثقافة الاختلاف ، فاذا كانت الجامعات الغربية بل و حتى العربية تفتح صالونات ثقافية لنقاش الأفكار فان الشاب الجزائري يسير من منطلق أنه المنزه عن الخطأ العارف بكل شيء و هذا ما يمنعه حتميا من التحرر الفكري و الابداع اللغوي و الثقافي و ايصال أفكاره للانسانية جمعاء و ليس لطائفة معينة ، و في حالة عدم تقبل الآخر من قبل الفرد فانه يستحال الاستفادة من طاقات و مواهب هؤلاء الشباب اللذين يشكلون خمسة و سبعين بالمئة من اجمالي السكان ، و حتى لا يلقى باللوم كله عليهم فان هناك حالة تذمر في الأوساط الشبابية جراء تحكم الشيوخ بالمناصب القيادية و الادارية العليا فأينما ولوا وجوههم الا و كان فرد طاعن في السن يتولى المنصب الحساس ، و هذا ما أدى بهم لا اراديا للهجرة للدول الأجنبية التي تقدر قيمتهم الفكرية و المهنية ، فازداد عدد طالبي التأشيرات الكندية و الفرنسية بشكل رهيب يدعو الى القلق من هجرة العقول المتزايدة و التي ستؤدي لعديد الأخطار أبرزها التخلي عن الهوية الجزائرية و خسارة الجزائر لخيرة أبنائها ، و تناقص مضطرد في عدد السكان بمرور السنين .

ان المسألة الهامة التي يجب أن تولي لها الحكومة بالغ اهتمامها هي العناية بالكفاءات الشابة التي تهاجر الى الدول الغربية ، اذ تقول بعض الاحصائيات بوجود مليون جزائري عامل بفرنسا و عشرة آلاف عامل بجنيف لوحدها أما مونتريال الكندية فقد فاق عدد العمال الجزائريين بها الخمسة عشر ألفا ، و يكفي الجزائر فخرا أن لها واحدا و سبعين أستاذا يحملون درجة بروفيسور بجامعة السوربون ، جل هؤلاء كان يمكن الاهتمام بهم و الاستفادة من طاقاتهم و أفكارهم النيرة لتطوير البلد و التقدم به ، للخروج من قمقم التخلف و الرجعية الذي لازالت الجزائر تسكنه منذ الاستقلال ، اذ لم يسبق لأي رئيس تقديم مشروع فكري جامع ، مانع للتقدم بالجزائر الى مصاف الدول المتقدمة ، فكيف لكيان جغرافي و اجتماعي بحجم الجزائر أن يعاني سكانه الفقر المدقع في بعض المناطق و التخلف الفكري في الجامعات و المساجد ، لولا عدم تحمل الحكومات المتعاقبة لكافة مسئولياتها في تطوير البلاد و العمل على تمدن و تحضر سكانها و اخراجهم من الآفات الاجتماعية و الملوثات الفكرية التي لازالت هي نفسها منذ تاريخ الاستقلال .

و في الأخير ، إذا لم تستطع الحكومة مساعدة الشعب لأجل الحفاظ على الهوية الجزائرية التي تشمل اللغة العربية و الأمازيغية مع المكون الديني ممثلا أساسا في المالكية و الاباضية ، مع ادخال بعض مظاهر الحداثة للتقدم بالعقل الجمعي الجزائري و اخراجه من براثن التخلف ، فانه قد لا يمكن الحديث عن هوية جامعة للشعب الجزائري بعد عقود من الزمن ، خصوصا اذا لم توجد مخططا استعجاليا لرعاية أبناء المهاجرين اللذين لا يعرفون شيئا عن الثقافة و التاريخ الجزائري لانعدام المدارس الجزائرية في الدول التي تكثر بها الجالية الجزائرية ، و الا فان هؤلاء سيقعون في شرخ بين الحنين للوطن و الرغبة في التمتع بخيرات الغرب كما هو الحال لدى جزائريي الداخل اللذين يعانون بين الرغبة في الهجرة و ترك الوطن و بين الخوف من الحنين للأهل و الأحبة حين هجرته و تركه وحيدا ، و في كلتا الحالتين فان الخاسر الوحيد ستبقى الجزائر التي لم تستطع بناء فرد مؤمن بابراز قدراته داخل بلاده.

محمد علي القاسمي الحسني

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك