شباب تونس يفضلون قوارب الموت على البطالة

IMG_87461-1300x866

يفتح المولدي بالطيب كشكه المخصص لبيع المكسرات والسجائر والمشروبات الغازية الواقع بمدينة العوينة شمال العاصمة تونس في الساعة السابعة صباحا ولا يغلقه إلا مع منتصف الليل، ما يعني 15 ساعة عمل يوميا تتخللها فترات تناوب مع أخيه صالح.

نزح المولدي من جهة تطاوين جنوب تونس العام 2015 حيث احتضنته إحدى العائلات من أقاربه في مدينة المرسى ليبدأ رحلة البحث عن ممارسة التجارة الصغيرة.

بعد ستة أشهر سكن المولدي محلا صغيرا يتكون من غرفتين خصص الأولى للسكن فيما خصص الثانية المطلة على الشارع لفتح كشك متواضع أنقذه من عالم البطالة.

والمولدي عينة من فئة من الشباب الذي هجر الجهات الداخلية هربا من البطالة والفقر إلى العاصمة إما لممارسة التجارة الصغيرة مثل دكاكين بيع المواد الغذائية وأكشاك المكسرات التي تعرف في تونس بـ"الحماصة" أو للعمل في حظائر البناء.

ومهنة بيع المكسرات يكاد لا يجيدها سوى أبناء الجنوب وخاصة أهالي مدينة غمراسن وهم يمثلون في تونس نوعا من الشبكة التجارية المنظمة التي تكاد تحتكر المهنة.

ولا يخلو حي من أحياء تونس العاصمة من هذا النوع من الأكشاك لكونه يوفر حاجيات الزبائن من المكسرات والسجائر وبطاقات شحن الهواتف الجوالة والمشروبات الغازية والمياه المعدنية.

يقول المولدي "قبل نزوحي إلى العاصمة فكرت في الهجرة إلى فرنسا لألتحق بأخي لكن عائلتي المحافظة رفضت رفضا مطلقا ووعدتني بتوفير مبلغ مالي لفتح الكشك" مشيرا إلى أنه يعتبر نفسه "محظوظا بالمقارنة مع أصدقائه وأقربائه العاطلين".

ويضيف الشاب ذو الثلاثين عاما لمراسل ميدل ايست أونلاين ان "غالبية الشباب في تطاوين هم من العاطلين عن العمل وفي ظل غياب أي حركية اقتصادية تبقى المقاهي الملاذ الوحيد حيث تضج بطاقات وكفاءات منهم المتحصل على شهادات جامعية".

وفي ظل غياب إحصاءات دقيقة يقدر الأخصائيون في علوم الديومغرافيا عدد الشباب الذين نزحوا من الجهات الداخلية إلى العاصمة هاربين من البطالة بنحو 175 ألف شاب.

ويقدر المولدي الذي انقطع عن الدراسة في سن 16 عاما دخله الشهري الصافي بنحو 800 دينار (380 دولارا) وهو دخل متواضع مقارنة ببقية "الحماصة" حيث يصل دخل البعض منهم إلى 900 دولار وذلك بحسب موقع الكشك وأيضا بحسب رأس المال ومدى تنوع السلع.

وفي نهاية كل أسبوع يتوجه المولدي إلى مكتب البريد ليرسل حوالة بريدية قدرها نحو 40 دولار لأبويه المسنين في مدينة تطاوين.

والمعروف في تونس أن "الحماص" هو محل مخصص أساسا لبيع المكسرات غير أن الممارسين لهذا النوع من التجارة يغذون مداخيلهم ببيع بعض المواد الأخرى.

ويرى المولدي أنه "في ظل الأسعار المشطة للمكسرات التي ارتفعت بنسبة 200 بالمئة يضطر التجار لبيع السجائر رغم أنه يمنع بيعها دون ترخيص".

ويشكو أهالي الجنوب التونسي من غياب البنية الاساسية ومن المناطق الصناعية ومن غياب الانشطة الاقتصادية التي من شأنها أن توفر موارد الرزق لأبنائهم.

وكثيرا ما يضطر أبناء الجهة التي تصل فيها نسبة البطالة في عدد من البلدات والقرى إلى نحو 60 بالمئة إلى ممارسة تجارة تهريب السلع سواء من وإلى ليبيا على الحدود الجنوبية الشرقية، أو من وإلى الجزائر على الحدود الغربية.

والمعروف عن أهالي الجنوب التونسي أنهم ما زالوا يحافظون على نسيج قبلي قوي يمثل حاضنة اجتماعية وثقافية كثيرا ما غذت روح المبادرة والاعتماد على الذات.

وتظهر أكثر من دراسة أعدتها الجامعة التونسية أن أبناء جهة تطاوين ومدنين وقابس وقفصة وتوزر لا يمثلون سوى 10 بالمئة من الشباب الذين هاجروا سريا إلى إيطاليا.

أمام شباب جهات الشمال الغربي مثل سليانة والكاف وجندوبة وباجة وشباب الجهات الغربية مثل القصرين فإن ملاذهما الوحيدان هما إما ركوب "قوارب الموت" الى اوروبا حيث يتصدرون قائمة الهجرة السرية بنحو 78 بالمئة وفق أكثر من دراسة ميدانية أو التنقل من ورشة بناء إلى أخرى في الأحياء الراقية الناشئة شمال تونس العاصمة.

وفيما يفضل أبناء الجنوب التجارة الصغيرة مسنودين بتقاليد عريقة في ممارستها، لا يجد أبناء الجهات الأخرى من حل لبطالتهم سوى الاكتفاء بالعمل في ورشات البناء.

وتعد ورشات البناء المشغل الأساسي لليد العاملة المنحدرة من الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة وهي قطاع غير منظم تماما ما جعله القطاع الأكثر استغلالا للعاطلين.

وفي ظل غياب قوانين تنظم علاقة المؤجر بالعامل وعدم انتظام العمل لا يتجاوز الدخل الشهري للعامل في اقصى الحالات نحو 180 دولارا.

وتكفي جولة إطلاع في تونس العاصمة على التجار الصغار وحتى على عمال ورش البناء ليقف المرء على حقيقة مرة بعد أن يكتشف أن عددا من الشباب العامل يحمل شهادات جامعية عليا بما في ذلك الاختصاصات العلمية مثل علم الكيمياء والفيزياء.

ويحصي سالم العياري رئيس "اتحاد المعطلين عن العمل" نحو 340 ألف عاطل من حاملي الشهادات الجامعية في مختلف الاختصاصات وهو ما يمثل نحو 30 بالمئة من العدد الاجمالي للعاطلين البالغ عددهم نحو 970 ألف شاب وفتاة.

ويقول المولدي بالطيب إن "عددا من أقاربه من المتخصصين في عدة مجالات علمية نزحوا من الجنوب هربا من البطالة إلى العاصمة لممارسة التجارة الصغرى".

ولا يعوز التاجر الصغير الوعي بظاهرة البطالة في البلاد ولا توفير جانب من الحلول لها، إذ يرى أنه لو وفرت الدولة قروضا في حدود الفي دولار، لكل عاطل لتمكن عشرات الشباب من ممارسة المهن التجارية الصغرى.

 

منور مليتي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك