إضرابات الجزائر… حرائق ما قبل «الخامسة»

IMG_87461-1300x866

خلال الاحتجاجات المهنية الكثيرة التي شنتها نقابات عديدة في الجزائر مؤخرا، تصرفت الحكومة مثلما كانت تفعل طيلة العقود الماضية: اعتماد خليط من التهديد والوعيد والتخويف، ثم الرهان على عامل الوقت وفُرص الملل بين المضربين، كل ذلك ممزوج مع محاولة زرع الفتنة والشقاق بين قياديهم.
عقود من الزمن وتراكمٌ كبير لتجارب متنوعة وهائلة لم تُعلّم الحكومة الجزائرية والقائمين على شؤون البلاد شيئا، بغض النظر عن مشروعية الاضرابات ووجاهة المطالب التي تطلبها النقابات المضربة، من عدمها.
منذ بداية السنة الجارية، وحتى قبل ذلك، شهدت الجزائر إضرابات كثيرة بعضها خطير، مثل الذي شنته نقابات التعليم ونقابات الأطباء. (هذان القطاعان بالذات يعيشان وضعا من السوء لا يحسدان عليه، ولا تُحسد الجزائر عليه). كما شهدت الفترة ذاتها احتجاجات قوية لمتقاعدي الجيش، وهي سابقة لم يعرف الجزائريون مثلها عندما كانت الجزائر تتوفر على مواصفات الدولة.
في منتصف الثمانينيات، وفي ذروة إضراب نادر للمعلمين، نزل على غرفة أخبار التلفزيون الحكومي نص مكتوب قرأته مذيعة الأخبار زهية بن عروس، يصف المضربين بالحشرات. في شباط (فبراير)، في خطاب علني، وصف رئيس الحكومة أحمد أويحيى المضربين من معلمين وأطباء بالمافيا.
جرت الاحتجاجات الحالية، وتجري، بعيدا عن أي سيطرة أو تأثير لنقابة الاتحاد العام للعمال الجزائريين. هذا الأخير كان دائما جهازاً بيروقراطيا مترهلا ملحقا بأجهزة الحكومة ويأبى الانفصال عنها. لكن حاله زاد سوءا منذ غرق أكثر في دعم مفرط للحكومة والرئيس بوتفليقة في كل الظروف وبلا شروط، على حساب العمال. والنتيجة أن الاتحاد، الذي يحلو له وصف نفسه بأكبر نقابة في الجزائر، أمسى أيَّ شيء إلا نقابة عمالية. هو الآن بلا مصداقية وبلا ثقة من أحد عدا قياداته الغارقة في حصد الامتيازات المادية ثمنا للولاء الأعمى.
المحرك الأساسي وراء الإضرابات الجديدة القديمة مطالب مهنية تتعلق بالرواتب والامتيازات وظروف العمل. تفسير رفع هذه المطالب والإصرار على التمسك بها قد يكمن في كون القطاعات المحتجة، خاصة التعليم والطب، تواجه ضغوطا هائلة يفرضها تطور المجتمع وسرعته، واتساعه أفقيا وعموديا، في مقابل تطور بطيء لهذين القطاعين بسبب غياب الحكم الرشيد وإصرار الحكومة على إدارة قطاعات حساسة، مثل التعليم والطب، في 2018 بعقلية وأساليب 1975.
طيلة الحركات الاحتجاجية، لم يجد المحتجون أمامهم إلا قوات مكافحة الشغب التابعة للشرطة «تحاورهم» بالهراوات والاعتقالات وغلق مداخل المدن والشوارع المحتملة للتجمعات والاحتجاج. وعدالة تأتمر بأوامر الحكومة لا يذكر أحد أنها في السنوات الأخيرة أنصفت النقابات مرة واحدة. ثم مسؤولون حكوميون يفتقدون لحس المسؤولية ويواجهون الموقف بعقلية فوقية تمنحهم حق التصرف من موقف القوي والمحق والعارف، بينما الآخرون عكس ذلك تماما.
في المقابل هناك غائب أكبر هو الحوار الجاد وغير الملغوم بين الأطراف المتخاصمة، مرفوقا ببروز علامات تفكك مؤسسات الدولة وضياع هيبتها. كمثال على ذلك لجوء وزيرة التعليم نورية بن غبريت ـ أو قبولها ـ بـ«وساطة تلفزيونية» لرجل دين اسمه علي عيّة، هناك ما يقال حول مصداقيته، ورجال قانون غير رسميين ولا وزن لهم في النزاع، لإنهاء إضراب المعلمين.
لا تتوقف السيدة بن غبريت عن تكرار أنها مع الحوار وأن أبواب وزارتها مفتوحة للمحتجين. لكنها في الوقت ذاته أخذتهم إلى محكمة حكمت بعدم مشروعية الإضراب، فأي حوار بقي وعلى ماذا؟ كما تشترط الوزيرة وقف كل أشكال الاحتجاج قبل بدء أيّ حوار، فأي حوار تريد وعلى ماذا؟ يبدو أنها تبحث عن حوار على مقاسها ينتهي حتما بخضوع النقابات أطول فترة زمنية ممكنة في المستقبل.
بلجوئها التلقائي إلى الشرطة لخنق أي حراك اجتماعي، لا تفعل الحكومة إلا جلب المزيد من الإساءة لهذا الجهاز المكوّن من شباب وضباط لو لم ينتسبوا للشرطة لكانوا في الشارع يحتجون مثل المعلمين والأطباء وغيرهم. كما يضع اللجوء السهل إلى الشرطة هذه الأخيرة في مواجهة المجتمع. المحتجون يعرفون ذلك مثلما يعرفه رجال الشرطة وضباطها، لذا تسمع أثناء الاحتكاكات بين الطرفين، المحتج يشفق على رجال الشرطة بالقول إنه يفهم ظروفهم ويقدر المسؤولية التي على عاتقهم، ورجل الشرطة يرد بأنه متفهم لحال المحتج لكنه «العبد المأمور» وأن القانون «هو القانون».
هذا ناهيك عن أن استسهال اللجوء إلى الشرطة يعرِّضها للاستنزاف ويرفع فرص المواجهة البينية بين أفرادها ومكونات المجتمع.
الكلام ذاته ينسحب على جهاز القضاء الذي لا تتردد الحكومة في توظيفه ضد أيّ تحرك مهني واجتماعي. عندما يتعلق الأمر بإخماد تحرك نقابي، يُبدي القضاء سرعة فيصدر الأحكام المستعجلة ويحسم في الدعاوى فور إيداعها، لكن دائما في اتجاه واحد، هو خدمة الحكومة وإنصافها حتى وهي ظالمة.
هذا الواقع يجعل اللجوء إلى القضاء في أيّ نزاع نقابي، لا يختلف عن اللجوء للشرطة، مع فرق في التفاصيل.
لسوء حظ الجميع، وزارات ونقابات، أن هذا الوضع المأساوي حل عليهم عشية الانتخابات الرئاسية التي ستتوج بوتفليقة رئيسا للمرة الخامسة. قبل ذلك، ليحترق البلد: الولاية الخامسة فوق الجميع وفوق الجزائر.

 

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. العهدة الخامسة لبوتفليقة'.. هل سيتكرر سيناريو 2014؟

  2. الثورة ا لشعبية انطلقت بالجزائر عليكم باليقظة

  3. الشيوخ و الشياتين يحكمون الجزائر والشباب يموتون في البحر

  4. نور الدين بوكروح يتعرض إلى حملة قدرة لتشويه صمعته بسبب رفضه ترشح بوتفليقة إلى الهردة الخامسة !

  5. ولد عباس هبل الجزائريين

  6. أشهر الخرطين والكذابين في تاريخ الجزائر الحديثة هو ولد عباس

  7. ما هو دور السعيد بوتفليقة في منظومة الحكم؟ وهل سيترشح في 2019؟ .. أويحيى يرد ويكشف كل شيئ

  8. الحراءق هي مستقبل حكام الجزاءر ان شاء الله كيف حرقوا اموال وقلوب الشعب

  9. عبدالكريم بوشيخي

    انه الجو المتقلب الذي يسبق الطوفان فهذه الاضرابات العفوية التي تشهدها الجزائر هي بداية الانفجار الكبير الذي سينهي سيطرة العصابة الحاكمة التي اوصلت البلاد الى حافة الافلاس و جثمت على صدور بلد المليون شهيد بقوة الحديد و النار و بالنفاق و الكذب و البروباكاندا و العداء الوهميين لقد بلغ السيل الزبى في صفوف الشعب الجزائري الشقيق و لكن هذه المرة ستكون ثورة شعبية عارمة لن يخرج منها النظام سالما لاننا نعرف ذالك الشعب حينما يضع يده على الزناد فانه لن يرحم من يقف في طريقه و كما قلت دائما ان عصابات البوليساريو الارهابية ستكون اول اهدافه التي سيجهز عليها لانه يرى فيها بؤسه و شقاءه و تخلفه عن الركب بعدما اخذت مكانه و اصبحت هي الشغل الشاغل للنظام الحاكم حيث اهمل كل شيئ يتعلق بمصالح الشعب من اجل تلك العصابة التافهة التي اكلت الاخضر و اليابس و كانت سببا في ما يعاني منه فاجور رجال التعليم و الاطباء و الجيش و الشرطة و الوظائف الاخرى هي الاقل في الدول العربية في الوقت الذي كان من الممكن ان تكون هي المرتفعة بسبب مداخيل النفط و الغاز التي لا يعرف الشعب عنها شيئا فالارضية اصبحت مهياة للانفجار الكبير فاضافة للاسباب التي ذكرت زاد من حجم معناة المواطنين تجميد الاجور و ايقاف المشاريع التنموية و منع استيراد 850 منتوج و الحديث عن ايقاف الدعم عن المواد الاستهلاكية و طبع النقود بدون رصيد حتى اصبحت الاوراق النقدية تستعمل في المراحيض للتنظيف من الغائط بعد ان اصبحت لا تساوي شيئا فحينا يقع الانفجار الكبير فان الشعب ليس مسؤولا عنه لان النظام هو السبب.

  10. محمد

    ليس كل ما يتمناه المرأ يدركه خاصة اذا كانت هذه الاماني تصدر عن نفس شريرة . مع الاسف الاخوة في المغرب اصييوا بمرض يسمى انهيار الجزائر . وهذا المرض لا دواء له .

الجزائر تايمز فيسبوك