وزارتهم… ووزارتنا للشباب والرياضة

IMG_87461-1300x866

التخلف والتراجع اللذان يخيمان على قطاعي الشباب والرياضة في بلداننا العربية قادني الى البحث واجراء مقاربات ومقارنات في الشكل والمضمون بدون الخوض في الفعالية والنوعية بين وزاراتنا ونظيراتها في العالم، أخبركم أن صدمتي كانت كبيرة انطلاقا من تسمية الوزارة المكلفة بالرياضة والتي لم تخرج عندنا عن اطارها الكلاسيكي القديم الذي جعل منها وزارة للشباب والرياضة بمفهومها التقليدي المجرد، في حين راح الغرب يعطيها بعدا سياسيا وحضاريا وفكريا مختلفا تماما، فمنهم من ربطها بالثقافة، ومنهم من دمجها مع وزارة الصحة، وآخر جمع بينها وبين التربية في وقت جعلت ألمانيا من هذا القطاع مجرد مديرية في وزارة الداخلية تهتم بالرياضة على غرار مديريات أخرى مكلفة بالإدارة العمومية ومكافحة الإرهاب والجريمة، والأمن الداخلي وتكنولوجيات الاعلام والاتصال!
توقفت طويلا عند النموذج الألماني الذي جعل من قطاع الرياضة مجرد إدارة في وزارة الداخلية صنعت من الممارسة الرياضية وسيلة ترفيه وثقافة عند الشعب الألماني حيث تم السنة الماضية إحصاء 30 مليون شخص ممارس في 100 ألف ناد رياضي لمختلف الرياضات، وهو الأمر الذي يفسر التألق الألماني المستمر في كل الرياضات، بما في ذلك كرة القدم التي توجت فيها ألمانيا بأربعة كؤوس عالمية وثلاثة كؤوس أوروبية للأمم مع استضافة كأسين عالميتين ودورتين للألعاب الأولمبية وبطولات عالمية مختلفة، ما جعلها واحدة من أكثر بلدان العالم تطورا، خاصة من حيث المنشأت والتشريعات، الأمر الذي جعل من الممارسة حقا وواجبا وثقافة راسخة لدى الألمان، يمارسونها في الساحات العمومية والمدارس والجامعات والنوادي، في ظروف وأجواء لا نظير لها.
في ألمانيا تتكفل مديرية الرياضة التابعة لوزارة الداخلية برسم الخطط والسياسات وتوفير المرافق والامكانات التي تسمح للألمان بممارسة الرياضة الجماهيرية للعامة ورياضة النخبة والمستوى العالي للمتميزين. المكلف بالرياضة في وزارة الداخلية الألمانية لا يتدخل في الجمعيات العمومية للاتحادات الرياضية من أجل تعيين رؤسائها، ولا يتدخل في تعيين مدربي المنتخبات الوطنية واستدعاء اللاعبين الدوليين، ولا شأن له بالتفاصيل والجزئيات والتفاهات.
المكلف بالرياضة يحترم نفسه ووزارته ويحترم اللجنة الأولمبية الألمانية والهيئات الرياضية المنتخبة ولا تقتصر مهامه على توديع الرياضيين واستقبالهم في المطارات قبل وبعد مشاركتهم في المنافسات الرياضية، يفي بالتزاماته ووعوده ولا يكذب على الشعب الألماني، ولا يمارس التهريج والتضليل وتعبئة وتجنيد الرياضيين والجمعيات الرياضية من أجل دعم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو غيرها في الاستحقاقات الانتخابية.
الإدارة المكلفة بالرياضة في ألمانيا لا تقبل بتأخر مشاريع انجاز الملاعب لمدة تفوق عشر سنوات، ولا تتدخل في تحديد الملعب الذي يحتضن مباراة الكأس بين هامبورغ وفرانكفورت مثلا، ولا في المشاركة من عدمها في منافسة دولية، ولا حتى في علاقات الاتحادات والنوادي ومع هيئات رياضية خارجية. الألمان لا يعرفون لا اسم ولا شكل المسؤول المكلف بالرياضة، وألمانيا ليست لديها وزارة مكلفة بالرياضة، لكن لديها سياسة رياضية وقوانين وتشريعات محترمة ومرافق متطورة أنتجت رياضيين ونوادي ومنتخبات تتألق في كل مناسبة، بينما نحن في الجزائر مثلا، لدينا وزير لكرة القدم يتدخل في كل شيء ولا يقرر في أي شيء، لا علاقة له بالقطاع نصبته جماعات مصالح استحوذت على قطاع الرياضة مثلما استحوذت على ثروات البلد، ونملك وزارة بدون إمكانيات ولا صلاحيات، لا تقدر على مراقبة المال العام، ولا على متابعة مشاريع القطاع التي تراوح مكانها منذ أكثر من عشر سنين، على غرار ملاعب سطيف ووهران وتيزي وزو وبراقي التي انطلقت اشغال انجازها منذ 2005 ولم تنته!
قد تبدو المقاربة والمقارنة بين ألمانيا والجزائر وبقية البلدان العربية ضربا من الجنون، لكنها في نظري عين العقل لأن الإمكايات المادية والبشرية والطبيعية التي تتوافر بالجزائر مثلا تفوق إمكانات ألمانيا بكثير، وتعلق الجزائريين بالرياضة ونزعتهم نحو اثبات الذات رياضيا، تفوق نزعة الألمان الذين تتوافر لديهم فضاءات وميولات أخرى متنوعة قد تجعل من الرياضة أخر اهتماماتهم! الاختلاف بين مديرية الرياضة التابعة لوزارة الداخلية الألمانية ووزارة الشباب والرياضة في الجزائر يكمن في الشكل كما في المضمون، وفي الرؤية والاستراتيجية كما في التعاطي مع قطاع الشباب والرياضة ككل، أما جوهر الاختلاف فيكمن أيضا في طبيعة ونوعية وكفاءة وثقافة وأخلاق وصلاحيات مديرهم ووزيرنا، أما الاختلاف بين الجزائر التي أنفقت ألف مليار دولار في التفاهات، وألمانيا التي صارت قوة عظمى بعدما حطمتها الحرب العالمية الثانية كلية، فهو اختلاف بين السماء والأرض والليل والنهار، واختلاف بين ألمانيا والجزائر!
ربما المقارنة ظالمة بين بلد حطم رياضته وآخر نهض بها، بين بلد عنده كل شيء ولا يملك شيئا، وبين بلد لم يملك شيئا وصنع كل شيء من العدم!

 

حفيظ دراجي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ثم قس على ذلك بجميع القطاعات و الوزارات العربية دون استثناء و لا خجل و لا تهور , لأن حال واقعها و مردودياتها المخجلة حقيقة جلية حتى للعميان و البلداء و الأغبياء و الصبيان حقيقة كضوء الشمس في يوم صيف ... لكن ما لا يجب اغفاله و لا انكاره و لا المرور عليه مرور المتجول الغير الأبه هو أن للشعب نصيب من المسؤولية في هذا الغدر و هذا الفساد و استمراره ... شعب فاسد لا يمكن أن يتولى أمره أناس صالحون و لا شعب ايجابي يمكن أن يحكمه قوم فاسدون و هكذا شعب كاليابانيون أو السويسريون أو حتى الأسبانيون يستحيل أن يحكمه قوم كحكام الجزائر أو فنزويلا أو بوتسوانا أو الكونغو كمثال و يستحيل أن تجد حكاما من هاته الطينة الفاسدة تتولى أمر شعب و بلد لعقود كاليابان و سويسرا و السويد و هولندا مثلا ... ! هل تتصورون موغابي ديكتاتور زيمبابوي حاكما ليابان ? هل تتخيلون رئيسة حكومة السويد حاكمة للجزائر أو افريقيا الوسطى ? كما أنتم يولى عليكم و كفى ... المراجعة تبدأ من النفس و بالأبن و الأخ و الزوجة و الأهل ثم بالجار ثم بالقريب ثم بالزميل و الصديق و التلميذ و هكذا ...

  2. اايت السجعي

    عندما تأهلت الجزائر لكأس العالم 2014 بالبرازيل احتفلت جميع القنوات الجزائرية والعربية بالإنجاز الباهر للاشقاء وكنت من الفرحين المنتشين بنصر الجارة"الشقيقة" وفجأة أطل علينا مذيع احدى القنوات التي ولسؤ حظي كنت اتابعها قائلا نقول لاشقائنا في الصحراء الغربية:"رانا فالمونديال" فهمت ان الرسالة موجهة لنا كمغاربة ونفس الرسالة وجهت لنا بعد الانتصار التاريخي لجزائر بلومي عصاد وبنسحاولة ومادجر وغيرهم على ألمانيا سنة 1982 ابان مونديال اسبانيا حيث حظر الجمهور الجزائري للحدود الغربية تشفيا في المغرب الذي سيكون أول بلد عربي/ افريقي يتخطى الدور الأول في مونديال المكسيك سنة 1986 . السيد دراجي لا اعتقد ان أمور كهذه تحدث بين دولهم رغم ما مر بهم من حروب ونكبات ولا اظن ان المشكلة في مديرية او وزارة بل المشكل فينا فحتى لو احظرنا المدير الألماني وكلفناه بنفس المهمة بالمغرب او بالجزائر فتأكد ان الفشل سيكون مصيره لانه لن يجد نفس مناخ العمل ونفس العقليات الجادة والامينة التي دفعت به ليجمع هناك في المانيا. تحياتي استاذ دراجي.

الجزائر تايمز فيسبوك