زيارة أردوغان للجزائر: استدعاء للتاريخ وسجال إيديولوجي عقيم

IMG_87461-1300x866

أثارت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للجزائر جدل حاد بين أكثر من تيار واتجاه فكري  وإيديولوجي. ظهر على شبكات التواصل الاجتماعي والصحافة المكتوبة وقنوات التلفزيون. فبين رافض للزيارة بدعوى خلفيته “الإسلامية” وماضي أسلافه العثمانيين الأتراك غير المشرف في  الجزائر،  ومرحب  بقدومه باعتباره  زعيم إسلامي نجح في الانتقال بتركيا من دولة مترنحة في مستنقع الفساد إلى مصاف أقوى عشرين اقتصاد عالمي. فما هي دواعي إثارة مثل هذا الجدل؟ وهل زيارته ذات أبعاد استثمارية اقتصادية بحتة؟ وهل للدبلوماسية الجزائرية أوراق تأثير على السلوك التركي في سوريا وليبيا وغيرها من الملفات؟ والإجابة على مثل هذه الأسئلة كفيل بفهم جوانب من هذا السجال.

توابل التاريخ من أجل فهم السجال وأجندة المستقبل

يقتضي أي حديث عن العلاقات الجزائرية التركية استدعاء للماضي التاريخي بين البلدين الذي إمتد  من 1516 إلى غاية احتلال فرنسا للجزائر عام 1830. في هذا الفترة فرض الأتراك تقسيما اجتماعيا تمييزيا ، حيث يأتي في أعلى هرم السلم الاجتماعي فئة العثمانيين الأتراك، ثم يليهم الكراغلة (المولدون في الجزائر من  الزواج بين الأتراك والجزائريين) ثم باقي السكان بما فيهم المسيحيين واليهود.. ومن بين ما يذكره المؤرخون بخصوص جرائم  العثمانيين الأتراك في حق الجزائريين لاسيما الرافضين دفع الضرائب، رمي كل جزائري يرفض دفع الضرائب  على  كاف الشكارة” وهو واد صخري سحيق في مدينة قسنطينة، وفي الاوراس يتم قطع أذانهم ورِؤوسهم وتعلق لأشهر في أماكن عامة لتكون عبرة لكل من تسول له نفسه رفض تسديد الضرائب، فضلا على اقتراف جرائم إبادة في حق السكان، كما حصل مع سكان في قرية أيث سعيد في 29 ماي 1825  حيث قتل الأتراك قتل أكثر من 300 مواطن من هذه القرية.

مقابل هذا القمع المسلط ضد الأهالي، مكن الأتراك العثمانيون عائلات يهودية من الاستحواذ على ثروات الجزائر، كما هو الحال بالنسبة لعائلتي “بكري” و “بوسناخ”  التين تمكنتا من احتكار تمويل فرنسا بالقمح الجزائري  طيلة سنوات حكم نابوليون (1804 ـ 1815). وهنا يتبادر إلى أذهاننا تساؤل مفاده: هل الديون المستحقة على فرنسا والتي كانت سبب في احتلال الجزائر ملك للجزائر أم للعائلات اليهودية ؟  ولتركيا الحديثة وريثة الإمبراطورية العثمانية مواقف مناهضة لطموحات الشعب الجزائري في الاستقلال والخلاص من الاستعمار الفرنسي، فقد ظلت تركيا  وهي العضوة في الحلف الأطلسي تقدم الدعم لفرنسا الساعية لقمع الثورة والاحتفاظ بالجزائر كمقاطعة فرنسية.  بل وصوتت في منظمة الأمم المتحدة ضد استقلال الجزائر. فمثل هذه الأوضاع يمكن النظر إليها على انها توابل  الضجيج او النقاش الذي رافق زيارة الرئيس التركي. فما طبيعة وأهداف  هذا النقاش المثار؟ ومن هي أطرافه؟

تراشق إسلاميي -علماني فرانكفوني و تيهان التيار الوطني؟

أثير خلال زيارة أردوغان للجزائر  سجال حاد بين التيار الإسلامي (الإخوان المسلمون) مرحب ومهلل وتيار علماني رافض ومندد. فهذا الأخير أي الرافض للزيارة لا يحبذ  أي تقارب للجزائر مع تركيا بسبب الماضي غير المشرف للعثمانيين في الجزائر، وللدور التركي المساند والداعم للأحزاب والجماعات الإسلامية في مختلف البلدان العربية والإسلامية، فضلا على دعمها لما يسمى ” المعارضة المسلحة” عفوا المنظمات الإرهابية  الساعية  لتكريس الفوضى ومن ثم إسقاط الحكومة السورية التي تقف حجرة عثرة في وجه تمرير المشروع العولمي الليبرالي. ففي هذا السياق كتب كمال داود المثير للجدل يقول :”باسم كل الذين قتلت، وسجنت، وعذبت، أنت غير مرحب بك في الجزائر”،  ومما كتبه أيضا،  “نحن بلد دفع ضريبة الدم والدموع لأولئك الذين أرادوا أن يفرضوا علينا خليفتهم، لأولئك الذين أرادوا تمرير أفكارهم على أجسادنا، لهؤلاء الذين أخذوا أبناءنا كرهائن وقتلوا عقولنا ونخبتنا ومستقبلنا. وهذه العائلة التي تتدحرج بنا باسم الله أو الدين، أنت تنتمي إليها وتمولها، وتحلم بأن تكون قائدها العالمي.

ويرد عليه عبد  الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم ( إخواني الانتماء والتوجه ) والذي قال في منشور على صفحته في موقع فيسبوك:  أقول مرحبا أردوغان، وألف مرحبا أردوغان، يبتهجون بزيارة ماكرون ويرفضون زيارة أردوغان: المسخ بعينه». وكتب في ذات السياق الصحفي بقناة الشروق الجزائرية دجير بلقاسم ، ” جمهورية قم  تر لأن جمهوريتنا العظيمة  لا تؤمن بالرئيس الشبح ….  أعلن ولائي لهذا “القائد” الرمز. رجل “أدار” بوصلة تركيا 180 درجة اتجاه سلم الصعود في وقت “نحلم” بأن يخاطبنا الرئيس.   بل في زمن ” يتساقط” فيه الرؤساء العرب بسبب ” تعفن” رؤوسهم .أهلا أردوغان “.

وبين هذين التيارين يقبع التيار الوطني – الذي يعتبر نفسه امتداد لثورة الجزائر العظيمة، الثورة التي أصبحت بفضلها الجزائر كعبة الأحرار والمتحررين- مذهولا يعاني حالة إرباك حادة بفعل شدة تأثير العالميون من الليبراليين والإسلاميين على فكرهم وخطابهم. فلم يعودوا قادرين على مواجهة تحديات العولمة وأزماتها من الإرهاب والحكومات المتحالفة وهم يرون حصونهم وقلاعهم تتهاوى في أكثر من بلد في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا. كان على هذا التيار أن يضبط إيقاع السجال في اتجاه بوصلة كعبة الأحرار أولا وأخيرا ، وفي ظل ما يخدم مصلحتنا ومصلحة حلفائنا ووفق إستراتجية ربط القضايا ،

أردوغان الاستثمارات  الاقتصادية المدخل

تذكر وسائل إعلام أن أكثر من  800 مؤسسة اقتصادية تركية متمركزة في  الجزائر، وقد وصلت استثماراتها  إلى حوالي أربعة  مليارات دولار، في قطاعات النسيج والصيدلة والحديد.  ومما تتوخاه الحكومة التركية رفع الحجم التجاري إلى 5 مليارات دولار في مرحلة أولى ثم 10 مليارات.. أما الاتفاق الثاني فيخص مذكرة تفاهم وتعاون بين المجمع النفطي سوناطراك والشركة  التركية بوتاس في مجال النفط. كما تم التوقيع أيضا في قطاع المحروقات على مذكرة تفاهم وتعاون بين شركة سوناطراك الجزائرية والشركتين التركيتين “رونيسونس″ و”بيغان”. فضلا على إلغاء التأشيرات التي سوف تساهم في تسهيل تنقل الاشخاص والمستثمرين.

هل من تأثير جزائري على التورط التركي في المأساة السورية؟

تبعا للمبادئ التي تستند اليها المقاربة الجزائرية حيال الازمات والنزاعات ( الحل السلمي وعدم الانخراط والتدخل في الشؤون الداخلية للدول) فهي تختلف إن لم أقل تتناقض مع السياسة الخارجية التركية. فعلى سبيل المثال دعت الجزائر منذ البداية إلى حل النزاع السوري بالطرق السلمية والتحذير من التعاطي مع المنظمات الإرهابية، ويبدوا ان تركيا لم تستمع لنصائح أصدقائها ( في تقديري اردوغان لا يؤمن بالصداقة الدائمة في السياسة الدولية، قد يتحول 180 إذا ما تيقن أن مصلحته غيرت مكانها وموقعها). هذا ما يتضح من موقفه من إفرازات المأساة السورية . فحين تيقن أن أمن تركيا القومي أضحى مهددا بفعل  الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لاكراد سوريا، حول بوصلة اتجاهه نحو محور روسيا الاتحادية إيران والعراق. وهي اليوم متورطة في نزاع مباشر مع الأكراد وقد يتحول إلى مستنقع يستنزف موارد قوتها ويحد من طموحاتها الإمبراطورية. ففي ظل هذا الوضع هل  أسدت الجزائر نصائح لأردوغان – الذي صرح بان الجزائر واحة الاستقرار بل ويدرك أنها مفتاح إفريقيا بالكف عن تأجيج النزاع السوري والحد من دعم بعض الجماعات الإسلامية في ليبيا .

وأخلص إلى القول، أن النقاش  هو نوع من التلهية عن الشروع الفوري في إصلاح وترميم تصوراتنا وإدراكاتنا ومؤسساتنا بما يساهم وبفعالية في تحقيق انطلاقة نحو المستقبل دون الانشغال بسماع الجعجعة التي لا تنتج طحين،  وبما يكرس مبادئ سياستنا الخارجية في احترام سيادة الدول وحقها في تقرير مصيرها. أما الحكومة التركية وعبر زيارة أردوغان فهي تستهدف انطلاقا من الجزائر توسيع وتكثيف التواجد الاقتصادي التركي في إفريقيا  بالموازاة مع تكوين فئات  وشحنها إيديولوجيا في انتظار توفر الظروف المناسبة التي تزداد حضورا، لاستلامها الحكم لاسيما في ظل فشل وغياب مشروع وطني جزائري خالص يستمد فلسفته وروحه من جغرافية وتاريخ الأمة الجزائرية العريقة. مشروع متجدد يستجيب ويستوعب طموح وأمال أجيال ما بعد العولمة في التداول السلمي للحكم وفي حرية الاختيار والتعبير و الرفاه.

 

د. عبدالله راقدي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. كافكا

    رجب الطيب اردوغان و الحزب الملتحي بتاعو كمان جايجيبوا الذيب من ذيله و يشبعوا كل جيعان ؟؟؟ دا احنا عارفينهم منذ زمان أيام حكمونا على سنة الاسلام و باعونا للروم بأبخس الاثمان

  2. سعيد333

    اردوغان يتدكر الزمان عندما كان بلده احتلى الجزائر لمدة 360سنة يتدكر ابائه واجداده كم مرسو الجنس مع الجزائريات طيلة هده المدة ويعدد كم من الجزائري من الاصول التركي

  3. salah

     (سجال حاد بين التيار الإسلامي  (الإخوان المسلمون ) مرحب ومهلل وتيار علماني رافض ومندد ). الإتجاه الأول: التيار الإسلامي وطني حريص على إنتمائه للشعب و قيمه العربية و الإسلامية وهي الغالبية 94%. الإتجاه الثاني: تيار علماني  (وهم أقليّة 4% ) رافض ومندد عميل للمستعمر السابق حريص على ولائه لأنه يقتات من دماء الشعب الجزائري بعزفه دائما على أغنية الإرهاب. كل شيء واضح.

  4. quatre siècles de domination Ottomane, ou le peuple dominé était considéré comme des sous hommes, exploités humiliés violés pendant 4 siècles Quatre siècles de mépris de viols, les ottoman ont fait de l Algérie leur base arrière pour la piraterie, les mercenaires qui écumaient les mers se servaient de l Algérie pour leur replis, c est pour ça qu on ne trouve aucun vestige ni monument ottoman construit dans ce pays, en dehors de quelques bricoles c est la raison pour laquelle certain algérien parlent de MAKHZEN marocain avec beaucoup de haine alors que ce makhzen ne leur a rien fait, c est inconsciemment les services subis par le makhzen ottoman pendant 4 siècles qui les rend allergique a tous ce qui s appelle makhzen. le makhzen turc les a martyrisé pendant 4 long siècles tout s explique ce peuple a été pendant de très long siècles dominé méprisés humiliés et aujourd'hui ils se prennent pour des révolutionnaires AH AH AH la mecque des révolutionnaires le repaire des pirates, OUI

  5. احمد

    الان عرفنا سبب عقدتكم من المغرب تبحتون عن هوية جديدة تنسيكم الماضي الاليم وتعاقب الامم على استعبادكم ازيد من 500سنة بعكس المغرب احفاد المرابطين والسعديين والمرينيين والادارسة كانوا هم السباقين لغزو اوروبا وافريقيا ونشروا تقافتهم وحضارتهم تاريخ مجيد امة عريقة تضرب في القدم ولهذا اصبتم بالسعار والحسد فبادرتم الى تزوير التاريخ فيبدا التاريخ عندكم 1963فقط لترتاحوا من صداع اسءلة ابناءكم لمادادا المغرب قديم جدا وحافل بالبطولات ؟؟؟ولماذا الجزاءر تتعاقب الامم على استعمارها ؟؟ولماذا هويتنا مختلطة؟ والان فهمنا لماذا تقرير المصير؟ولماذا تسمون المغرب بالمحتل فهمنا عقدتكم وقلنا كيف بجار مسلم يصرف كل تروته ووقته من اجل قضية خاسرة انها عقدة الامة المزورة كالبغلة لاتصلح للتكاتر لانها جنس مختلط

  6. حافظ الحسيمي

    للتذكير فقط, فان أفدح وأفضح وأعتى عمل منكر قامت به دولة في العالم,هو كون تركيا العثمانية,قد قدمت الجزائر في طبق من ذهب للاستعمار الفرنسي,واليها ترجع مسؤولية الحفاظ على الجزائر المسلمة,فلا يغرنكم أردوكان التوسعي الذي يريد تكرار السيطرة على العالم العربي كما حصل سابقا,وأخذا بالمثل القائل:بالتكرار يتعلم الحمار,لاتصدقوه,ولا تقربوه...ولا يؤتمن علينا,لأن المصلحة هي مبتغاه ,ولا شيئ غير ذلك ,حذاري ثم حذاري ,فان التاريخ يعيد نفسه,وأردوكان يبحث في العالم العربي على زعامة جديدة,وعلى ماضي تركيا التي أفرطت في بلاد الجزائر وتنازلت عليها بكل سهولة,وما دافعت عنها قيد أنملة...

  7. Un politicien algérien, voulant faire oublier les exactions de l'occupation ottomane, a tout simplement déclaré que "nous avons invité la porte sublime en la personne des corsaires turcs tels que Khizir Khayr ad-Dîn  (turc : Barbaros Hızır Hayreddin Paşa ) pour venir nous défendre contres les chrétiens et nous les avons accueilli les bras ouverts. Ce n'est donc pas une colonisation pure et simple mais bien une invitation dans le cadre du califat, selon ce politicien. Ce politicien ne connaît certainement pas l'avis de nos grand-mères de l'Ouest Algérien et de l'Oriental marocain, car elles gardent toujours en mémoire la cruauté turque, dans l'expression;"qu'Allah te fasse subir le joug turc" "الله يعطيك ويسلط عليك الترك" En comparaison avec la colonisation ottomane, la française elle, a été plus bénéfique, elle a eu le mérite de faire sortir le pays d'une situation moyenâge use, en le laissant sociologiquement en un état moderne. Malheure usement, les nouveaux maîtres l'ont fait retomber dans l'anarchie et le chaos.. Les islamistes vont-ils inviter Erdogan, le nouveau sultan qui rêve de faire revivre les heures de gloire du califat ottoman. L'histoire nous le dira... .

الجزائر تايمز فيسبوك