الجزائر: المجتمع سبّاق في إيذاء ذاته

IMG_87461-1300x866

اضطرت الحكومة الجزائرية إلى تكليف مدير أمن ولاية العاصمة بأن «يشرح»، عبر التلفزيون الحكومي، ماذا حدث نهاية الأسبوع الماضي وأدى إلى إصابة عدد من الأطباء بجروح، بعضها خطير، في مشاداة مع الشرطة أثناء محاولتهم الخروج في مظاهرات احتجاج في شوارع المدينة.

ليس من عادة السلطة الجزائرية أن توفد مسؤولا أمنيا ليبرر، بلغة هادئة وودية، تصرف الشرطة تجاه شريحة اجتماعية أو مهنية أراد منتسبوها الاحتجاج في الشارع. قبل الأسبوع الماضي، كثيرا ما نالت هراوات الشرطة وخراطيم مياهها الساخنة من المعلمين والأطباء والصحافيين وغيرهم، دون أي شعور بالحاجة إلى تبرير من الجهات الرسمية، لأن الدولة «دائما على حق».

ما يهم في «تبرير» مدير أمن العاصمة شكله أكثر من مضمونه، لأن المضمون معروف ومنتظر، وليس مستبعداً أن يكون قد تمَّ الاتفاق عليه في مواقع أعلى من مبنى أمن العاصمة. على سرعته ومحدوديته، يحمل «التبرير» رسائل عدة تفوق مدير أمن العاصمة كشخص ومنصب.

الخطوة «الجديدة» يفسرها إدراك السلطات بأن ما تعرض له الأطباء عنيف وخطير ومضر بمكانتهم، وهو أيضا مسيء لسمعة الحكومة التي أمرت بالتصرف معهم بتلك الطريقة. لكن ما تعرض له الأطباء كان، من وجهة نظر السلطة، ضروريا ولو أنها ترفض الإقرار بأنه خطأ، حتى لا يفتح الباب أمام آخرين يشبهونهم في المطالب ويقلدونهم في الاحتجاج.

المظاهرات في شوارع العاصمة محظورة منذ صيف 2001، لكن ذلك المنع، غير المُبرر، لا يبرر تلك القوة ولا يبرر منع الأطباء من إسماع صوتهم في الفضاء العام، إلا إذا كانت الحكومة مصابة بفوبيا أن تتحول أي مظاهرة في الشارع إلى غضب عارم عليها. وهي فعلا مصابة بتلك الفوبيا، و»من في بطنه تبنٌ حقَّ له أن يخشى النار».
كما أن التصرف بعنف مع أطباء، يُفترض أنهم جديرون بالاحترام والتقدير، وكأنهم لصوص أو صعاليك، يعود في الأصل إلى «التشرد» الذي أصاب المهن والوظائف التي كانت ذات يوم عماد المجتمع وحلم أبناء وعائلات فئات واسعة منه، كالطب والتعليم والصحافة والقضاء والمحاماة وغيرها. هذه الصورة أفقدت تلك المهن المحترمة نُبلها ووقارها وحتى احترامها في المجتمع. لم يعد غريبا أو مستهجنا أن تسمع أميّين وعاطلين، بكل معاني الكلمة، يتحدثون بسوء عن منتسبي هذه المهن ويتباهون بتقليل احترامهم لهم أمام الملأ، فتسللت هذه الصورة القبيحة إلى أذهان الناس وعششت داخلها.

هذا التحول المحزن يعود بدوره إلى غرق المجتمع في الماديات وجنوحه إلى تقديس أصحاب النفوذ المادي والمعنوي، وعبادة المتفوقين في الثراء السريع، واحتقار العمل كقيمة جميلة. كل هذا بتشجيع من السلطة الحاكمة، عن قصد لإلهاء الناس بطمعهم وطموحهم. أو عن جهل من خلال سياسات وقرارات بائسة في غير محلها. المحصِّلة واحدة.
كما يندرج تدخل مدير أمن العاصمة، وهو مسؤول منضبط لا ينطق بكلمة علنية واحدة من دون إذنٍ رسمي أعلى، ضمن ما بات يسمى في لغة الإعلام الجزائري، الشرطة الجوارية، وهي سياسة تقوم على جعل الشرطة، والأسلاك الأمنية الأخرى، قريبة من الناس. ولهذا لا يمر يوم دون أن يرى الجزائريون في نشرات الأخبار بالتلفزيون الحكومي، مدير عام الشرطة، اللواء عبد الغني هامل، وهو يقوم بنشاط ما. بعض هذه الأنشطة، ومنها تدشين تجهيزات طبية أقل من عادية، تعطي الانطباع أنها اختُرعت فقط لتبرير ظهور الرجل في التلفزيون. وهكذا نال مدير عام الشرطة مكانا في الترتيب الإخباري الرسمي المعمول به في التلفزيون الحكومي: رئيس الدولة، رئيس مجلس الأمة، رئيس البرلمان، رئيس الحكومة، فالوزراء حسب الأهمية، فمدير عام الشرطة. كما أصبحت أخبار الشرطة ـ والجيش ـ لازمة يومية في نشرات الأخبار.

اللافت في الأمر أن «الانفتاح» الواضح على الأجهزة الأمنية والعمل الدؤوب على تقريبها من المواطن، يرافقه بالتوازي «غلق» كبير على المجتمع ومكوناته وفئاته الكثيرة والمتنوعة، وعمل مستمر على إبقاء هذا الغلق محكما. اليوم لا تسمح السلطات الجزائرية بأي تحرك أو حراك خارج ما تريده وتخطط له وترعاه من خلال أذرعها الإدارية والنقابية والإعلامية المُتحكم فيها عن قُرب وعن طريق أجهزة التحكم عن بُعد. التظاهر في العاصمة ممنوع بقرار من رئيس الحكومة في 2001، علي بن فليس. وفي المدن الكبرى الأخرى ممنوع «عُرفا». والنقابات المهنية والطلابية لا صوت يعلو فيها على الأصوات المرضي عنها من «فوق»، فتُستعمل عند الحاجة وفي المواعيد الانتخابية الهامة،

كالانتخابات الرئاسية، لكي تدافع عن الرئيس «الضرورة» كما يُطلب منها فتفعل بإفراط.
ما لحق بالأطباء قبل أيام فيه امتهان لكرامتهم، لكن فيه أيضا أذى لمجتمع كسَرَ سلم القيم فلم يعد يكترث أو حتى يتألم، فلا غرابة أن تمتهن الشرطة كرامة آخرين، بلا استثناء، كلما تطلب الأمر في المستقبل. إنها مسألة وقت ومواعيد لا أكثر.

 

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. سارة

    ما لحق بالأطباء قبل أيام فيه امتهان لكرامتهم، لكن فيه أيضا أذى لمجتمع كسَرَ سلم القيم فلم يعد يكترث أو حتى يتألم، فلا غرابة أن تهين الشرطة كرامة آخرين، بلا استثناء، كلما تطلب الأمر في المستقبل. إنها مسألة وقت ومواعيد لا أكثر.

الجزائر تايمز فيسبوك