تونس بعد سبع سنوات من الثورة: جمود الخطاب السياسي... وصناعة المعنى

IMG_87461-1300x866

غالبا ما يقارن الخبراء الاقتصاديون والسياسيون المؤشرات الاقتصادية الحالية بما كانت عليه في سنة 2010، السنة التي عرفت اندلاع انتفاضة اجتماعية انتهت بسقوط راس النظام الذي حكم لمدة 23 سنة. غير ان هذه المقارنة تبدو غريبة وغير منطقية بالنظر الى التحولات التي عرفتها البلاد على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو امر غريب عن طبقة سياسية والاكاديمية التي من المفترض انها أكثر استيعابا لمعنى التحولات الجذرية التي يمكن ان تعرفها المجتمعات في زمن الثورات او الهزات الاجتماعية القوية، وكيف يمكن ان تؤثر هذه الهزات مباشرة على حياة المواطن النفسية والاقتصادية. يفسر البعض غرابة الأمر بان اغلب مكونات المشهد السياسي بكافة تفرعاته لم تؤمن يوما بهذه الثورة وانما هي في مقام المخاتلة التي تصرح بما لا تفعل... فإذا كانت سنة 2010 السنة المرجعية لماذا ثار الناس إذا؟

لقد ثار الناس لان الظلم الاقتصادي مسهم مباشرة وقضى على امالهم في العيش بكرامة. لكن لماذا يشتكي الناس اليوم؟ لأنهم في كلا الحالتين مخدوعون بخطاب سياسي وجهه الأول كان بلون واحد ووجه الثاني بألوان مختلفة، لكنه في المحصلة خطاب خاوٍ من كل معنى، فشل في تجميع الناس حوله وعجز عن تصدير الامل الى الناس حتى يطمئنهم على مصيرهم ومصير أبنائهم.

بالعودة الى سنة 2010، وعد الرئيس السابق زين العابدين بن علي في أحد خطاباته الوداعية بتوفير 300 ألف موطن شغل للعاطلين عن العمل وهي من الوعود التي القى بها في الوقت الضائع من اجل انقاذ ما تبقى من حكمه. لكن الشباب المندفع للتغيير لم تكن تعنيه الوعود. اليوم الحكومة تقول انها صريحة مع الشعب وانه لا يمكنها انتداب العاطلين عن العمل في أجهزة الدول وان الظرف الاقتصادي والمالي صعب ويتطلب تضحيات من الجميع واولهم الشعب.

الحكومة هي وجه آخر من فشل الطبقة السياسية وعدم قدرتها على ملئ الفراغ بالمعاني التي انتجتها الثورة، المعنى الذي تجسم في التكافل الذي طبع التونسيين لأسابيع اعادوا خلالها اكتشاف وطينتهم وحبهم لبلدهم بعيدا عن الشعارات الخاوية التي كانت تردد في وسائل الاعلام التقليدية. هي نفسها المعاني التي عاد في كل مرة ليذكر بها السياسيين في الميادين وساحات الاحتجاجات عبر ابتكار اشكال للاحتجاج والعمل الاجتماعي الاقتصادي، كان ذلك بداية من احتجاج الكامور بالجنوب التونسي ضد استغلال الشركات البترولية الأجنبية للثروات في الجنوب دون ان يكون لذلك تأثير مباشر على أبناء الجهة من العاطلين عن العمل، وكذلك من خلال تجربة ضيعة التمور بجمنة والتي بينت أهمية الحكم المحلي الذي يترك للمواطن مجالا للتصرف في الثروة بعيدا عن بيروقراطية الدولة المتوارثة منذ زمن الاستعمار.

نفس الثورة الطويل

وهذان المثالان وغيرهما كثير عن تجذر معاني الثورة في نفسية الشباب. هذه المعاني التي تخرج في كل مرة في شكل افكار سابقة ومتطورة كثيرا عما يقدمه السياسيون من وعود جلها لا يختلف كثيرا عن وعود النظام السابق وطرق تصرفه في الحياة العامة.

فالسياسيون على عكس ما يقدمونه في خطاباتهم السياسية فاقدون لهذه المعاني ولا توجد مؤشرات على انهم مدركون لضرورة التغيير. فهم يشكلون المشهد وفق رؤية متخلفة تقليدية في وضع غير تقليدي حتى وان تراءى لهم بوادر النجاح الظرفي بسبب تراجع الشباب عن الساحات والميادين وهو في حد ذاته رسالة عن عدم الاهتمام او اللامبالاة تجاه ما تفعله الحكومة وغيرها من الطبقة السياسية، وهم غالبا ما يشكلون واقعهم الخاص الذي يظهر بشكل علني في تجارب مثل حركة "مانيش مسامح" التي وقفت ببسالة ضد إقرار قانون المصالحة مع الفاسدين والمصادقة عليه في مجلس نواب الشعب. ومن منطق التطور الطبيعي فان هذه التجارب ستكون لها مكانة أكبر خلال السنوات المقبلة لأنها ليست حركات كلاسيكية قد تعرف انتكاسات بسبب فشل سياسي او انتخابي بل هي حركة تحمل بذور التطور داخلها وستتخذ شكلها النهائي خلال سنوات.

لكن هل فهم السياسيون هذه الرسائل وهل هم مدركون ان الخطاب الزائف المغلف بروح المن الذي ارتبط بهم لعقود لا يمكن ان يقنع الشباب الذي يضيق صدره من منطق الوصاية ورسم مجالات تحركه وفق ما يضبطه الحاكم. لا اعتقد ذلك. فهم يسيرون وفق المخططات الخمسية وقوانين المالية الجامدة ووفق منطق التخويف من انهيار الاقتصاد وافلاس الدولة. ورغم ان هذا الخطاب الدارج حاليا في وسائل الاعلام جزء منه حقيقي الا انه لا يقنع المواطن لأنه وببساطة لا يصدق لان المتحدثين به وببساطة أيضا سرقوا المعاني الحقيقية للعمل المدني والسياسي واستبدلوها بكليشيهات يروج لها في كل مكان وزمان من قبيل "الشفافية ومكافحة الفساد" و"تحقيق اهداف الثورة في التشغيل والكرامة".

البلديات وكسر الجمود

لكن هذا السياسي الذي يتعامل وفق منطق الغنيمة هو أيضا الذي يشكل غصبا البرامج والمخططات ويضع القوانين ويدير شؤون الدولة وهو الذي يكرس ما جاء به الدستور من اشكال الحكم المختلفة وهو الذي سيتصدر المشهد في الانتخابات البلدية في مايو القادم، وهو امر لا يمكن ان يتغير الا إذا أتت معجزة من السماء. فالذين حددوا واجلوا الانتخابات لأكثر من مناسبة هم في حقيقة الامر لا يبحثون عن توقيت مناسب لإنجاح الانتخابات، بل يبحثون عن ظروف مناسبة لتثبيت انتصارهم الوهمي. فماذا يعني ان تكون الأحزاب ذاتها التي فشلت في اقناع المواطن خلال السنوات الماضية وهي الحاضرة في كل المحامل الإعلامية، هي ذاتها التي ستحكم الشؤون المحلية في الجهات حتى وان امتلكت اليات التصرف المستقلة عن المركز، وهو امر لا تحكمه الانطباعية بقدر ما تؤشر عليه نوعية المدرسة السياسية التي تتخرج منها القيادات الحزبية الصغرى والوسطى والتي ستكون مرشحة على القوائم الانتخابية لهذه الأحزاب.

لكن الامل يظل في تقدم قائمات مستقلة نابعة من إرادة محلية لكسر هذا الاحتكار السياسي والذي ينهل من معاني الثورة التي تقطع مع الإدارة التقليدية والشكل الفلكلوري الذي يتقدم عادة في المحطات الانتخابية الكبرى ويواصل في اثبات الثورة كمعاني ومفاهيم وقيم ستتجذر يوما بعد يوم وتتأصل في المناطق النائية المنسية للتحول بعد ذلك الى المركز، ومؤشرات ذلك بدت في الأمثلة التي سقناها سابقا التي تبدأ من حركات مدنية احتجاجية لتتحول خلال سنوات الى قوى حقيقية قادرة على كسر الجمود في الأفكار وانسداد الأفق الذي تواصل لعقود مع جزء كبير من الطبقة السياسية الحالية.

 

محمد البلطي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك