بسبب اشتعال الأسعار الطبقة الوسطى في تونس تخاطر بالعمل في سوق التهريب لتغطية مصاريفهم العائلية

IMG_87461-1300x866

تفتح نجاة العامري ذات الأربعين سنة محلها لبيع الملابس النسائية المهربة يوميا فور عودتها من عملها إلى منزلها الواقع بحي دار فضال الشعبي قريبا من مدينة العوينة بالضاحية الشمالية لتونس العاصمة في مسعى لتغطية مصاريف العائلة في ظل تدهور المقدرة الشرائية لراتبها الشهري.

والعامري أستاذة تعليم ثانوي قادمة من محافظة سيدي بوزيد مهد انتفاضة 2011 وتتقاضى مرتبا شهريا في حدود 1200 دينار تونسي أي حوالي 500 دولار، وهي عينة تمثل الشرائح السفلى للطبقة الوسطى التي باتت مرتباتها الشهرية عاجزة عن تغطية المصاريف العائلية في ظل الارتفاع المشط للأسعار.

نزحت الأستاذة في اللغة العربية مع عائلتها إلى تونس العاصمة في العام 2011 شانها شأن آلاف العائلات القادمة من الجهات الداخلية المحرومة بعد وساطة مكنتها من نقلة إلى التدريس في العاصمة حلم غالبية المدرسين.

تتكون عائلة العامري من ثلاثة أطفال وزوج يشتغل بدوره في التعليم كأستاذ متخصص في الرياضيات ويتقاضى نفس الراتب ما يعني أن دخل العائلة لا يتجاوز 1000 دولار شهريا وهو يعد معدل دخل غالبية شرائح الطبقة الوسطى.

لما اقترب منها مراسل ميدل ايست أونلاين وطلب التحدث إليها توجست وارتبكت خوفا من أن ينكشف امتهانها لمهنة أخرى وتتعرض لعقوبة إدارية قد تنهي عملها كأستاذة ذلك ان القانون التونسي يمنع موظفي القطاع العام من أي مزاولة مهنة أخرى.

بعد أن أقنعها المراسل بأن لا يذكر اسمها الحقيقي وإنما سيستخدم اسما مستعارا قبلت التحدث قائلة "الله يعيشك لا تذكر اسمي حتى لا تقطع رزقي ورزق وليداتي، أي أولادي، فقطع الأرزاق من قطع الأعناق".

أطلقت زفرة قبل أن تقول "الله غالب، الخبزة صعبة، أستاذة تبيع الملابس الجاهزة، أشعر بالمرارة، مهنة ثانية لا تناسبني وتمس من مكانتي كأستاذة لكن ما يدفع إلى المرارة إلا مرارة أشد، عجزت وزوجي على تلبية مطالب أولادي ففتحت هذا المحل".

واسترسلت تقول "أغلب الملابس النسائية وبعض اللوازم الأخرى مهربة أحصل عليها من مزودين وهي كما تعلم بأسعار منخفضة بالنسبة للملابس غير المهربة وهذا يساعدني على كسب زبائن حالهم على قدهم، أي فقراء".

وفق العامري ساعدتها المهنة الثانية التي لا تليق بمكانتها كمربية على توفير معدل دخل شهري يقدر بـ 700 دينار تونسي، حوالي 300 دولار تخصصه لمصاريف أولادها الثلاث وخاصة الدروس الخصوصية التي استفحلت بدورها في سلك التعليم.

وتؤشر حالة العامري على أن المقدرة الشرائية للشرائح السفلى من الطبقة الوسطى مثل المدرسين وصغار موظفي القطاع العام تدهورت إلى الحضيض حتى أنها باتت عاجزة على تغطية المصاريف العائلية بما في ذلك استهلاك المواد الغذائية.

وخلال الأيام الماضية رفعت حكومة يوسف الشاهد من أسعار العديد من المواد أثارت امتعاض غالبية التونسيين ما حدا بالمسؤولين الحكوميين إلى محاولة إقناعهم بأن الزيادات في الأسعار إكراه من إكراهات الواقع.

ويقول المسؤولون أنها تأتي أولا في إطار الإصلاحات الاقتصادية بما من شأنه أن يوفر مداخيل إضافية للدولة وإنعاش الاقتصاد وثانيا في سياق تدهور سعر الدينار التونسي مقابل الدولار الأميركي والأورو الأوربي.

وتعد العامري عينة لا فقط لتدهور المقدرة الشرائية للطبقة الوسطة وإنما أيضا عينة لأهالي الجهات الداخلية المحرومة النازحة إلى العاصمة بحثا عن مهنة ثانية مهما كانت يصعب عليهم الحصول عليها في تلك الجهات التي تفقد للحركية التجارية.

وكانت الطبقة الوسطى قبل الانتفاضة تمثل 80 بالمئة من المجتمع إلا أن السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة على الحكم في البلاد قادت إلى إنهاكها حتى أنها باتت لا تمثل سوى 40 بالمئة وفق الأخصائيين في علم الاجتماع.

وقال نزار بن ساسي أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية "إن أول الخاسرين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية هي الطبقة الوسطى التي تآكلت بشكل خطير وإن استمرت الأوضاع فقد تنتهي تماما لينشطر المجتمع إلى فقراء وأثرياء".

وأضاف بن ساسي يقول "تتعرض الطبقة إلى حالة تفقير خطير حتى أن شرائحها السفلى أصبحت تصنف ضمن فقراء تونس الجدد" مشيرا أنه من المؤسف أن تجد أستاذا أو موظفا أو حتى إطارا من إطارات القطاع العام يمتهن مهنة ثانية".

وعلى امتداد السنوات السبع الماضية ما انفكت الأسعار تشهد نسقا تصاعديا كبيرا بما في ذلك أسعار المواد الغذائية الأساسية إذ تقول منظمة الدفاع عن المستهلك وهي منظمة غير حكومية إن بعض المواد ارتفعت أسعارها بنسبة 100 بالمئة ما أدى إلى تدهور المقدرة الشرائية بنسبة 50 بالمئة.

وفي ظل الوضع الاقتصاديوالاجتماعي الصعب تزايد إقبال غالبية التونسيين على اقتناء المواد والسلع المهربة نظرا لانخفاضأسعارها بما فيها المواد الغذائية.

وبدت سوق التهريب الملاذ الوحيد للفقراء الجدد، إذ تشير إحصائيات أعدها مركز مواطنة أن 76 من استهلاك الطبقة الوسطى والفقراء متأت من السلع المهربة.

وتقول الحكومة إنها تشن حربا على شبكات التهريب التي ركزت اقتصادا موازيا يمثل وفق إحصائيات حكومية حوالي 54 بالمئة من الاقتصاد الوطني ويكبد الدولة خسائر مالية تقدر بـ 3 فاصل 6 مليار دولار.

غير أن جهود الدولة تبدو غير مسنودة شعبيا إذ ترى الشرائح التي تدهورت مقدرتها الشرائية أنها أول الخاسرين من القضاء على سوق التهريب.

وتقول نجاة العامري "من حق الدولة أن تركز اقتصادا منظما وتضع حدا لأسواق التهريب لكن عليها أن تكون على معرفة بأن غالبية التونسيين يعدون زبائن أوفياء لها لا خيارا وإنما هم مضطرين إزاء الارتفاع المشط للأسعار".

وتضيف"هناك علاقة بين امتهان مهنة ثانية وسوق التهريب مشيرة إلى أن الكثير من موظفي القطاع العام تحولوا إلى باعة أو مزودين لسلع شبكات التهريب".

ويرى نزار بن ساسي أن امتهان شرائح الطبقة الوسطى مسألة خطيرة خاصة إذا كانت مرتبطة بالسوق الموازية تهدد نمط المجتمع وتؤشر على أن تحولات اجتماعية عميقة تستوجب من الدولة المحافظة على دورها الاستراتيجي.

وأقرت نجاة العامري بأنه ما كان لها أن تحصل على دخل إضافي يقد بـ 300 دولار متأت من مهنتها الثانية لولا انخفاض أسعار مبيعاتها القادمة من سوق التهريب.

 

منور مليتي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك