موازنة الجزائر 2018.. طبع النقود والحل الضرائب على الفقراء فقط!

IMG_87461-1300x866

عندما دعا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في يونيو (حزيران) الماضي إلى «تمويل داخلي غير تقليدي» لتجنُّب اللجوء إلى الدين الخارجي، كان الجميع يتصوَّر أن الجزائر ستلجأ إلى طرقٍ تمويليةٍ مبتكرة، ربما من خلال الاعتماد على التكنولوجيا، أو العمل على تطوير القطاعات الاقتصادية بالبلاد لتكون أكثر إنتاجية، أو غير ذلك من الطرق التي لا تندرج تحت مسمى «تقليدي»، ولكن في الواقع – بعد مرور نحو ستة أشهر على دعوة بوتفليقة – جاءت النتيجة مختلفة تمامًا عن كل التوقعات غير التقليدية، وهو ما كشفت عنه موازنة 2018.

ملامح موازنة الجزائر 2018

في 11 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وافق البرلمان الجزائري بالأغلبية على مشروع قانون الموازنة الجديد الذي طرحته الحكومة لعام 2018 بزيادات جديدة في الوقود والضرائب استمرارًا لسياسة التقشف في البلاد للعام الثالث على التوالي، إذ توقع قانون الموازنة تسجيل الجزائر عجزًا بنحو 20 مليار دولار (2107 مليارات دينار جزائري)، وذلك بواقع 9% من إجمالي الناتج المحلي، وذلك بإيرادات عامة قيمتها 65 مليار دولار (6521 مليار دينار)، مقابل نفقات إجمالية تقدر بـ86 مليار دولار (8628 مليار دينار).

المشروع تضمن عدة زيادات بمجموعة من السلع والخدمات، كانت أبرزها مشتقات الوقود، وهي التي ارتفعت للمرة الثالثة خلال آخر ثلاث سنوات؛ إذ ستزيد أسعار البنزين الممتاز بنسبة 16.65%، والخالي من الرصاص 16.84%، والعادي 18.20% للتر، بينما سيرتفع سعر الديزل بنسبة 11.65%، وذلك مع بداية 2018، الزيادات طالت أيضًا العقارات والتبغ والكحول من خلال زيادة الرسوم، بالإضافة إلى خفضٍ ملحوظٍ لميزانيات معظم القطاعات الاقتصادية.

بالرغم من أن «التحويلات الاجتماعية» – أو ما يسمى بالدعم – لم يتراجع في هذه الموازنة؛ إذ سجل 17 مليار دولار (1.76 تريليون دينار جزائري)، وهو ما يبرره البعض بمحاولة الحكومة السيطرة، أو منع أي مشاكل اجتماعية خلال 2018، لكنها في المقابل قلصت من ميزانية التسيير – مخصصات الرواتب بالقطاع العام – بنسبة 10% مقارنة بموازنة 2017 الماضية، وهو ما يعني أن الحكومة عازمة على تجميد المزيد من المشروعات؛ مما قد يفاقم معدلات البطالة التي سجلت ارتفاعًا ملحوظًا مؤخرًا.

وبعيدًا عن المؤشرات والأرقام العامة، يمكن الحديث حول أهم متغيّرين هما الأبرز في موازنة 2018، الأول متعلق بالضريبة على الثروة، والثاني هو التمويل الداخلي غير التقليدي؛ إذ إن البرلمان أقر الثاني، ورفض الأول، فكيف سيتأثر الاقتصاد الجزائري خلال 2018 في ضوء هذين المتغيرين؟

لا ضريبة على الثروة.. الفقراء فقط سيدفعون الضرائب

وبعد جدل واسع منذ سبتمبر (أيلول) الماضي؛ عندما كشفت الحكومة الجزائرية عن نيتها لفرض ضريبة على الثروة؛ رفض البرلمان إقرارها؛ إذ قالت اللجنة المالية: إنه سيكون من الصعب تطبيق هذه الضريبة في حال إقرارها، كما قد تؤدي إلى هرب رؤوس الأموال من البلاد، وهو المبرر الذي لاقى سخط المعارضة بالبرلمان قبل الشارع الجزائري.

«الموازنة تستهدف التقشف على الطبقات الفقيرة والمتوسطة لتعويض تراجع أسعار النفط، في حين تم إلغاء الضريبة على الثروة في آخر لحظة تحت ضغط من الكارتل المالي»، هكذا لخص النائب عن «الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء (التيار الإسلامي)»، حسن عريبي، رؤية المعارضة للقرار، وذلك بالتزامن مع فشل البلاد في تطبيق إصلاحات هيكلية، وتنويع موارد الاقتصاد، وتقليص اعتمادها على النفط والغاز اللذين يشكلان 94% من إيرادات التصدير.

جدير بالذكر أن التوقعات كانت تشير إلى أن ضريبة الثروة كانت ستوفر نحو 5 مليارات دولار سنويًا للخزينة العامة؛ إذ كان من المقرر اقتطاع ما يعادل 1% سنويًا من الثروات التي تصل إلى 50 مليون دينار جزائري (450 ألف دولار)، بحيث ترتفع النسبة كلما زادت الثروة، على ألا يتعدى الاقتطاع 3.5% من الأموال السائلة والمنقولة والعقارات والسيارات والمجوهرات، بينما كان سيتم تحويل نحو 60% من عائدات هذه الضريبة إلى الخزينة العامة، و20% إلى الصندوق الوطني للسكن، و20% إلى خزينة البلديات مقر سكن صاحب الثروة.

وحرم رفض البرلمان للقانون نحو 90% من الجزائريين من الاستفادة من هذه الأموال؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن القانون كان سيمس 10% فقط من الجزائريين، وهم أصحاب الثروات، وهو الأمر الذي دفع المعارضة للقول بأن إلغاء هذه الضريبة يعد استجابة من حكومة رئيس الوزراء، أحمد أويحيى، لضغوط رجال الأعمال؛ لأنهم أكبر المستفيدين من إلغاء القرار، خاصة بعد أن أصبحت علاقة أويحيى بنادي رجال الأعمال موضع شك؛ وذلك بعد عزل رئيس الحكومة السابق عبدالمجيد تبون بعد 80 يومًا من تعيينه؛ بسبب إعلانه الحرب ضد تزاوج السلطة والمال، في حين تقول الحكومة: إن عدم جاهزية وزارة المالية، وعدم وجود الآليات والإحصاءات الدقيقة عن عدد الأثرياء في الجزائر، هو السبب وراء رفض الضريبة.

ومع إلغاء ضريبة الثروة نجد الحكومة تفرض ضرائب أخرى من شأنها تضيق الخناق على أصحاب الدخول المتدنية، إذ تضمنت الموازنة فرض ضرائب جديدة على بعض السلع المستوردة والمحلية، بينما ضاعفت الضريبة على التبغ بإقرار ضريبة نسبتها 10%، ستضاف إلى ضريبة الـ10% الموجودة أصلا، بينما تم استحداث رسم على التوطين البنكي لعمليات الاستيراد بنسبة 1% من قيمة الاستيراد، باستثناء العمليات دون 100 ألف دينار جزائري، كما سيتم رفع الرسوم على النشاطات الملوثة والمياه الصناعية المستعملة والزيوت المستعملة والأكياس البلاستيكية.

شأن هذه الضرائب والرسوم أن ترفع التكاليف على كاهل المواطن الجزائري الأقل دخلًا، إذ أن كل هذه الرسوم والضرائب يتم تحميلها على المنتج النهائي عمومًا، وهو ما يعني أن الفقراء سيتحملون النسبة الأكبر من الضرائب، وذلك في الوقت الذي تشير فيه بيانات الديوان الوطني للإحصائيات، أن معدل التضخم السنوي في الجزائر ارتفع إلى 6% في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من مستوى 5.9% في الشهر السابق عليه، كما زادت أسعار اللحوم خلال أكتوبر (تشرين الأول) بنسبة 4.2%، في حين قفزت أسعار الفاكهة 20%، ومع تطبيق الموازنة الجديدة من المتوقع زيادة أخرى معدل التضخم، إلا أن مشروع قانون المالية (الموازنة) يتوقع أن يكون التضخم عند 5.5% خلال 2018.

«التمويل غير التقليدي».. مسمَّى جديد لطبع النقود في
الجزائر

وبالعودة إلى التمويل غير التقليدي الذي كان ينتظره الجميع، أصبح هو الممول الأساسي لموازنة الجزائر 2018، وذلك للمرة الأولى التي تلجأ الحكومة لهذا النوع من التمويل – طبع النقود – حيث بدأ الأمر في السابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما صادقت الحكومة على مسودة تعديلات قانون يهدف لتأمين مصادر تمويل جديدة لتغطية عجز الموزانة، إذ تمت المصادقة على تعديلات قانون النقد والقرض في اجتماع للحكومة برئاسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والذي جرت خلاله مناقشة خطط حكومة أويحيى، وبحسب التعديلات فإن هذا النمط من «التمويل الاستثنائي» سيتم إرساؤه لمدة خمس سنوات.

ومؤخرًا كشف وزير المالية عبد الرحمن راوية عن أن حجم الأموال التي سيتم طبعها في إطار آلية التمويل غير التقليدي ستكون نحو 570 مليار دينار في 2017 و1800 مليار دينار في 2018.

ويحذر المتخصصون من عملية طباعة النقود خارج الضوابط الاقتصادية، خاصة أن عملية طباعة النقود معقدة اقتصاديًا إلى درجة بعيدة، ولكن لها شروط أساسية يجب أن يلتزم بها المركزي، وتتلخص هذه الشروط في أن كل وحدة نقدية مطبوعة يجب أن يقابلها، إما رصيد من احتياطي النقد الأجنبي أو رصيد ذهبي، وإما سلع وخدمات تم إنتاجها في المجتمع، وبدون هذه الشروط تصبح النقود المتداولة في السوق بدون قيمة حقيقية، بل مجرد أوراق مطبوعة، وفي الوضع الحالي لا تتوفر هذه الشروط بالجزائر؛ مما يجعل البلاد معرضة لمخاطر اقتصادية كبيرة بسبب المبالغة في طباعة النقود.

وتستبعد الحكومة الجزائرية أن يكون هناك آثار سلبية من سياسة طبع النقود، إذ قال أويحيى في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، إن الأموال التي ستقوم الخزينة العمومية باقتراضها لدى بنك الجزائر في إطار التمويل الداخلي غير التقليدي، ستستخدم لتمويل الاستثمار العمومي، وليست موجهة لتمويل الاستهلاك.

في المقابل يرى عبد الرزاق مقري، البرلماني السابق، ورئيس حركة «مجتمع السلم» الجزائرية، أنه في ظل الوضعية الحالية للاقتصاد الجزائري، فإن اللجوء لطباعة النقود يشبه «حال شخص أفلس، وليس له كنز ولا مدخرات، ولا يستطيع بيع بضائع أو خدمات بالمقابل؛ فقام بطبع أوراق مالية بطريقة غير شرعية»، قائلًا: «الفرق أن الحكومة الجزائرية لها أغلبية برلمانية لا تسألها عن شرعية ومنطقية هذا الإجراء وتغير لها القانون».


الجزائر تايمز أحمد طلب

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. L'infirmer des indigènes

    إطبعوا ما شئتم من النقود على الورق الصحي لكن من الأجدر أداء الضريبة السنوية الخصوصية على الإستعمار والعبودية طبقا لفصول الحكم الذاتي في الجزائر من طرف الحركي

الجزائر تايمز فيسبوك