الإسلام السياسي أضاع الثورة وسرقت حلم الشعب الليبي

IMG_87461-1300x866

في مدينة «سيدي بوزيد» التونسية، مهد «ثورات الربيع العربي»، التي أطلقها ابنها «محمد البوعزيزي» يوم 17 ديسمبر 2010، فانقلبت دول كثيرة رأساً على عقب واشتعلت ثورات اليوم، تقول الصحف بعد ست سنوات، أهل المدينة «يستقبلونك ببشاشة، ولكن سرعان ما يتحول الترحاب إلى شكاوى، بمجرد أن يتطرق الحديث إلى الثورة التونسية التي فجّرها ابنهم». فالساحة التي أحرق فيها نفسه احتجاجاً، تضيف الصحيفة، «تعج بالشباب الباحث عن عمل عرضي يقي به الفقر.. فمنهم من اختار بيع الخضر والغلال، ومنهم من فضّل تجارة الملابس المهرّبة أو الأكلات الخفيفة.. الأسباب التي دعت البوعزيزي إلى حرق نفسه ما زالت قائمة، وربما تعمّقت أكثر خلال السنوات السبع الماضية». الناس تعبر عن استيائها ومرارتها في تونس كما في العراق، بصب جام غضبها على الساسة والسياسيين، الذين «غنموا المناصب ونسوا الفقراء، فيما يمثل خريجو الجامعات في هذه المدينة، 420 ألف نسمة، أكثر من 57٪ من إجمالي العاطلين.

«الغطاء الحديدي الذي فُرض بقوة الأمن على المجتمعات العربية، قد زال»، يقول د. مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق في تحليله لمسار الثورات العربية، ولكن هذه الثورات «لم تؤد إلى تحول سريع نحو الديمقراطية كما توقع الكثيرون.. وباستثناء حالات قليلة، فإن هناك دول عربية تحاول إما إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أو القيام بإصلاحات تجميلية وغير تشاركية مع المجتمع».

الحل في اعتقاد «د. المعشر» لا يكمن في إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2011، وإلا نكون لم نتعلم شيئاً.. الحل التوصل لعقود اجتماعية جديدة تحقق توازناً اقتصادياً واجتماعياً».

لماذا نجح «الإسلام السياسي» في عرقلة الثورات في بعض الدول وفشل في تونس؟ يقول الوزير الأردني الأسبق «لاعتبارات كثيرة، منها وجود طبقة وسطى فاعلة، ومعارضة إسلامية منفتحة، وتمكين متقدم للمرأة، ونقابات عمال مستقلة، وغير ذلك».

د. معتز سلامة تحدث في دورية «الديمقراطية» عن «الأسباب العشرة لتجنب الملكيات العربية موجة الثورات». وبعكس ما يذهب إليه د. مروان المعشر عن دور النفط والأنظمة الريعية أو محاولة حل المشاكل بالبذخ، كما يقول آخرون، نبّه د. سلامة إلى عوامل بنيوية في الأنظمة الملكية، لا علاقة لها دوماً بالمال والنفط، كالعلاقة الحميمة لمؤسسة العرش مع الشعب، «على خلاف الأنظمة الجمهورية التي شهدت اتساعاً مستمراً في المساحة الفاصلة بين الحاكم والمحكوم، على نحو برز من الروح الاستعلائية للحكام على المواطنين، فيما برز من سلوكيات مبارك والقذافي وبن علي وعلي صالح». وأضاف د. سلامة، رئيس وحدة الدراسات بمركز الأهرام، أنه «في ظل فقدان الكاريزما، أبعدت هذه الأنظمة نفسها عن تحقيق التغلغل النفسي والوجداني لدى شعوبها، وتصلبت شرايينها، مع فقدانها روح المبادرة والتجديد». هل تتوصل الدول العربية، جمهورية أو ملكية أو غير ذلك، إلى حل لمشاكلها المتراكمة التي لم تحلها كل هذه التحولات؟

ربما كان حالنا يشبه أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين، يستعين د. المعشر بالفيلسوف الإيطالي «غرامشي» عن حالة عسر الولادة الأوروبية، يقول: «الأزمة تتجلى تحديداً في أن القديم آيل إلى الزوال، بينما لا يستطيع الجديد أن يولد، وفي فترة التريث هذه، يبرز عدد كبير من الأمراض العرضية». من أشد حالات «عسر الولادة» مخاض ليبيا، لكَمْ كانت تنبؤات «سيف الإسلام القذافي» دقيقة وفي مكانها، عندما توقع العنف والقتال والتفكك وضياع المال في ليبيا إن سقط النظام، ولكن هل ترك والده مؤسسات تدير أو رجالاً تحكم؟ لقد دمّر الرجل ليبيا حياً وميتاً!

رئيس حكومة الثورة الليبية «محمود جبريل» أشار في حديث للشرق الأوسط، إلى الفكرة التي يتم تداولها في أوروبا لتوطين 40 أو 60 مليون أفريقي في ليبيا لحل مشاكل الهجرة إلى أوروبا، وكذلك رؤيته لنوعية القوة القتالية المطلوبة في ليبيا، فقال إنه يريد الجيش الليبي «شبيهاً» بالجيش الإسرائيلي. سلاح جوي ضارب قوي للغاية، لتجسيد مشكلة مساحة المكان، وحرس حدود قوي جداً عالي التقنية، مع احتياطي يصل إلى مائة ألف مقاتل تتم تعبئتهم عند الحاجة فقط». السيد جبريل اشتكى بمرارة من ضياع فرصة 2012 الانتخابية كبداية لتأسيس نظام، وقال «للأسف تلك الفرصة سُرقت وبقوة السلاح نتيجة انعدام الوعي لدى رجل الشارع الليبي الذي وقف وحلمه يُسرق من أمام عينيه ولم يحرك ساكناً».

لكن من سرق الحلم الليبي بعد طول انتظار؟ يجيب «جبريل»: «قوى الإسلام السياسي هي التي فعلت ذلك، رفضت تلك القوى نتيجة الانتخابات، لِمَ أصدرت قانون العزل السياسي بدعوى تحصين الثورة، مع أنهم هم من انقلب على شركاء الانتفاضة. الانتفاضة ضمت شرائح عديدة من الليبيين فكيف يحتكر الإسلاميون حق ملكية انتفاضة بحجم وطن؟».

قال جبريل عن عدد المقاتلين إنه لم يتجاوز عددهم خلال الانتفاضة 18 ألف شاب بينما «الذين يسجلون أنفسهم الآن تحت مسمى ثوار يبلغ عددهم 320 ألفاً. تحولت هذه الصفة إلى وظيفة ووسيلة للارتزاق. كان هناك حلم وكان هناك مشروع يمكن أن يتحول إلى نظام لدولة جديدة تحوي الجميع، للأسف تلك الفرضية ضاعت».


الجزائر تايمز خليل علي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك