زيارة ماكرون إلى الجزائر.. الاقتصاد في مواجهة التاريخ

IMG_87461-1300x866

حلّ اليوم الأربعاء، الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون بالجزائر، في زيارة رسمية طال انتظارها، بعد أن كانت الجزائر المحطة الإفريقية والمغاربية الأولى لأي رئيس فرنسي جديد، وبحسب بيان رئاسة الجمهورية الجزائرية صدر هذا الثلاثاء، تضمن دعوة من الرئيس بوتفليقة إلى الرئيس الفرنسي ماكرون يوم السادس من ديسمبر (كانون الأوّل) 2017، للقيام بـ«زيارة صداقة وعمل» إلى الجزائر.

وتأتي هذه الزيارة حسب البيان في إطار الشراكة الاستثنائية التي ما فتئت الجزائر وفرنسا تعملان على بنائها وتعزيزها، كما تأتي هذه الزيارة مصحوبة برفض شعبي كبير من الجزائريين الرافضين لتنصل ماكرون من تصريحاته المناهضة لتاريخ بلاده في إفريقيا والجزائر، في هذا التقرير نستعرض أبعاد زيارة الرئيس الفرنسي للجزائر وما صاحبها من جدل.

زيارة ماكرون إلى الجزائر.. الاقتصاد في مواجهة التاريخ

حلّ الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، صباح السادس من ديسمبر بالجزائر، في زيارة هي الأولى له بصفته رئيس فرنسا، والثانية بعد التي قادته مرشّحًا العام الماضي لهذا البلد، وإذا كان ماكرون يحاول جاهدًا إعطاء زيارته الصبغة الاقتصادية والسياسية، إلّا أن الثابت أن الإخفاقات التي صاحبت الزيارات السابقة للرؤساء الفرنسيين إلى الجزائر؛ بسبب العقدة التاريخية المتمثلة في الجرائم الفرنسية المرتكبة في فترة احتلالها الجزائر، التي باتت تشكل حجر العثرة في طريق العلاقات الجزائرية الفرنسية.

وتأتي زيارة ماكرون في وقتٍ حساس للجزائر، فقد تزامنت مع توقيع الرئيس بوتفليقة على قانون موازنة سنة 2018، القانون الذي بصم على وجود أزمة اقتصادية كبيرة، إضافةً إلى غياب الرئيس الجزائري المتواصل بسبب المرض الذي أجبره على تفويت القمة الإفريقية الأوروبية الأخيرة، التي شارك فيها الرئيس الفرنسي ماكرون.

وينال الجانب الاقتصادي حصة الأسد من زيارة ماكرون الجزائر، إذ تستحوذ فرنسا على 70% من المشاريع المنجزة في الجزائر، سواء تعلق الأمر بالشركات النفطية، أم إنجاز الطرقات وحتى المطارات والموانئ، وعرفت فترة حكم بوتفليقة ما مجموعه 158 مشروعًا استثماريًّا بمشاركة مستثمرين فرنسيين لدى الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار بقيمة مالية ناهزت 340 مليار دينار جزائريّ (3 مليارات دولار).

وقد وفّرت تلك الاستثمارات أكثر من 22 ألف منصب شغل، فبالرغم من وصول حجم المبادلات التجارية بين البلدين إلى مستوى 10 مليارات يورو؛ فإن السفير الجزائري في فرنسا «سعيد موسى» أكد: «أنّ مشاركة المتعاملين الفرنسيين في مجال الاستثمارات بالجزائر ما يزال (غير كافٍ) رغم المناخ الجيد» الذي تتطور فيه العلاقات بين البلدين. من جهته أكد وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي «برونو لو مير» خلال الدورة الرابعة للجنة الاقتصادية المختلطة الجزائرية الفرنسية، التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بالجزائر: «أنّ العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تعرف تقدمًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، وتأتي زيارة ماكرون في محاولة لدفع العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى الأمام، معتمدًا في ذلك على (الاستثمار بدل الاعتذار) الذي يطالب به الجزائريون عن التاريخ الأسود الفرنسي في بلادهم»

الاعتذار إلى الجزائر.. طريق ماكرون للإيليزيه

في زيارته الأولى إلى الجزائر في يوليو (تموز) من العام الماضي، وفي إطار حملته الانتخابية؛ فجّر الرئيس الفرنسي المترشح قنبلة عبرت البحر المتوسط إلى فرنسا، إذ قال: «إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية». وصف ماكرون، المرشح وقتها للانتخابات الرئاسية الفرنسية، أثناء زيارته الجزائر الاستعمار بأنه «جريمة ضد الإنسانية» مفجرًا جدلًا واسعًا في فرنسا؛ إذ استنكر اليمين المتطرف هذه التصريحات.

وجاءت تصريحات ماكرون المدوية تلك في إطار لقاء خاص لقناة الشروق الجزائرية الخاصة، إذ قال: «إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار إلى من ارتكبت بحقهم هذه الممارسات».

وقد خلّفت تلك التصريحات موجات غضبٍ كبيرةٍ من التيار اليميني الذي سارع إلى اتهام ماكرون بطعن فرنسا من الخلف، ولم تكن تصريحات ماكرون تلك الأولى من نوعها عن ممارسات فرنسا الوحشية في الجزائر، إذ سبق وأن أثار جدلًا في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016 عندما أدلى لمجلة «لوبوان» بتصريحات حول التعذيب قائلًا: «نعم في الجزائر حصل تعذيب، لكن قامت أيضًا دولة وطبقات متوسطة، هذه حقيقة الاستعمار. هناك عناصر حضارة وعناصر وحشية».

وفي الوقت الذي ثارت فيه ثائرة اليمين المتطرف، وأصابت الدهشة باقي الفرنسيين من تصريحات ماكرون، رحبت الجالية الجزائرية التي يبلغ تعدادها 6 ملايين جزائري بتلك التصريحات، وأعلنت تأييدها المرشح الشاب الذي فاز لاحقًا بانتخابات الرئاسة على أمل أن يوفي بوعده تجاه التاريخ، من وجهة نظرهم.

انقلب 180 درجة.. ماكرون الرئيس يرفض الاعتذار إلى الأصدقاء

في الثامن من مايو (أيار) من العام الماضي، وفي الوقت الذي يحيي فيه الجزائريون ذكرى مجازر الثامن من مايو، إحدى أبشع المجازر التي اقترفها أجداد ماكرون التي سقط فيها 45 ألف ضحيّة من الجزائريين، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية فوز الرئيس الشاب «إيمانويل ماكرون» بالجولة الثانية في صراعه مع اليمينية المتطرفة «مارين لوبان» للوصول إلى عرش الإيليزي بنسبة تصويت فاقت 66%، وكان الرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة» من أوّل المهنئين للرئيس الفرنسي أملًا في أن ينعش اليوم الذي فاز به ماكرون ذاكرته ويفي بأول عهوده، لكن الشاب الفرنسي المترشح لم يكن بعدها نفسه الشاب الرئيس.

قبل نزوله أرض الجزائر، والتي قرر دخولها بحرًا عبر ميناء سيدي الفرج تيمنًا بـ«دي برمون» قائد الحملة الفرنسية لاحتلال الجزائر قبل قرنين من الزمن، أعلن الرئيس الفرنسي رفضه الاعتذار عن جرائم فرنسا اللاإنسانية في الجزائر، وأكد ماكرون: أن القاعدة المتبعة في سياسته هي «عدم الإنكار وعدم تقديم اعتذار».

وجاءت تصريحات ماكرون الاستفزازية الجزائرية من خلال رده على سؤال خلال حوار مع قناة «تراس أفريكا»، وجهته له شابة فرنسية ذات أصول كونغولية، حول ما ينوي القيام به بصفته رئيسًا لفرنسا لترميم ماضي هذا البلد الاستعماري في إفريقيا، بعد أن اعترف في حملته الانتخابية أن ما جرى في الجزائر وإفريقيا «جرائم ضد الإنسانية»، وردّ ماكرون على السؤال بالقول: «أظن أن ذلك يتم بترميم الذاكرة، وهذه الشابة لم تعش الاستعمار، لذلك لا يمكنها بناء حياتها وعلاقتها مع الدولة التي تعيش فيها وهي بفرنسا بهذا (الماضي الاستعماري)»، مضيفًا: «لن أقول إن فرنسا ستدفع تعويضات أو تعترف، سيكون ذلك سخيفًا». وتأتي هذه التصريحات المتناقضة من الرئيس الفرنسي عشية زيارته للجزائر المقررة اليوم الأربعاء، والتي يرى مراقبون أنّ ملف التاريخ سيكون واجهتها -على الأقل شعبيًّا- خاصة في ظل حالة ترقب لما يعلنه بشأن مطالب الاعتذار عن جرائم الاستعمار.

وفي تعليقه على انقلاب مواقف ماكرون من ملف التاريخ، أكد «ناصر حمدادوش» رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم المعارضة: «أنّ تصريحات ماكرون حول رفضه الاعتذار توحي بأنه ينتمي إلى جيل لم يعش مرحلة الاستعمار، وتعد رسالة استباقية للجزائر بأنّه غير معني بتاتًا بملف الذاكرة، كما أنها تشبه رسالة ساركوزي سنة 2007 عندما قال: لا تطلبوا من الأبناء أن يتحمّلوا مسؤولية الأخطاء التي ارتكبها آباؤهم».

بدوره يرى أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر «محمد القورصو» بخصوص زيارة ماكرون وأبعادها أن: «هناك مؤشرات قوية تدل على أن الفكر الاستعماري، بمفهوم القرنين التاسع عشر والعشرين، ما زال يهيمن على ذهنية عدد من المسيرين السياسيين في أوروبا، خصوصًا في فرنسا، وماكرون لا يشذ عن هذه القاعدة برأيي».

هاشتاج «لا_لماكرون_في_الجزائر» في مواجهة زيارة الشاب الفرنسي

أثار رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فتح ملف الذاكرة والتاريخ في زيارته للجزائر غضبًا شعبيًّا جزائريًّا، وصل إلى حد مطالبة السلطات الجزائرية بإلغاء الزيارة، فيما طالب بعض الناشطين رشق موكب الرئيس الفرنسي بالبيض الفاسد للتعبير عن رفضهم الزيارة، وانتقلت حمى الرفض إلى مواقع التواصل الاجتماعي، الذي تجمع فيه رافضو هذه الزيارة عبر هاشتاج «لا_لزيارة_ماكرون_في_الجزائر» والذي اجتاح مواقع التواصل ووصل إلى الترند في الجزائر.

وأعرب العديد من المغردين الجزائريين على تويتر، عن استيائهم الشديد من إعلان الرئيس الفرنسي رفضه الاعتراف بجرائم فرنسا في مستعمراتها الإفريقية عمومًا، وفي الجزائر على وجه الخصوص، فيما عمد آخرون إلى نشر صور الجرائم الفرنسية في حق الجزائريين، وفي السياق يقول «أبو منير» أحد أبرز الناشطين الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي بالرغم من أن ماكرون سيزور الجزائر حتى لو رفض كل الجزائريين ذلك، فإن الظروف الحالية تفرض على الجزائريين معارضة الزيارة، ولو بوسم «هاشتاج».

فيما يرى المدون الجزائري «فيصل عثمان» أن الجزائريين أمام فرصة تاريخية لرفض زيارة الرئيس الفرنسي وإنهاء التبعية لفرنسا.

رفض شعبي جزائري يقلص زيارة ماكرون لساعات معدودة

يرجح بعضهم أن الرفض الشعبي للزيارة أدى إلى تقليص مدة الزيارة التي لن تتعدى سبع ساعات حسب الرئاسة الجزائرية، كما أعلنت الجزائر رفضها طلب الرئيس الفرنسي لقاء المجتمع المدني، بسبب مخاوف من تكرار المشهد الذي صاحب زيارة ماكرون ولقائه مع الطلبة في واغادوغو الأسبوع الماضي.

وعهد الجزائريون استقبال رؤساء فرنسا خلال زياراتهم بحفاوة، كما ألف الطلبة استقبال الرئيس الفرنسي بالحرم الجامعي وتبادل أطراف الحديث معه، وما زالت صورة الجزائري الذي قبل يد الرئيس الفرنسي «فرانسوا هولاند» في زيارته للجزائر نهاية سنة 2012، والتي كوفئ عليها بمنحه تأشيرة فرنسا عالقة في أذهان الجزائريين، وعلى الرغم من تخوف بعض الجزائريين من تكرار الحادثة مع ماكرون، فإن المحلل السياسي عبد العالي رزاقي يستبعد حدوث الأمر من جديد مع الرئيس الشاب.

 

عبد القادر بن مسعود

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. المرابط الحريزي

    مبروك عليكم مصنع طحكوت جديد لتركيب سيارات بيجو.. ____________________________________________________________ في الحقيقة هو مصلحة لتركيب اجزاء Peugeot و لا اكثر من ذلك. مدينة الداخلة المغربية السياحية فيها وكالة لسيارات طنجة احسن من الجزائر، وجهة العيون فيها جامعات ومختبرات ومصانع يحلم بها النظام الجزائري. لماذا لا تسمح فرنسا لانشاء مصنع فرنسي في الجزائر؟ لان السيد ماكرون يعرف ان الجزائر مافيهاش الثقة. مايمكن لفرنسا تسمح ليكم بتصنيع سيارة كاملة مثل المغرب وتصديرها للخارج، لان هذا يشكل خطر على سمعة فرنسا ككل ____________________________________________________________ انتم في مستوى طحكوت ولا اكثر. تركيب اجزاء السيرات للاستهلاك المحلي ولا اكثر والفاهم يفهم، حيت ماعندكمش الشخصية الصادقة والهوية الأصيلة والقيادة المحلية ومسألة المصداقية التي هي شيئ ضروري. الشعب شيئ آخر، لأن فيه فئة مسكين مغلوب على امره. وهناك من اصلهم مغاربة اي ان لهم امكانيات اكثر، فقط ينقصهم السيادة المغربية لتفعيل الجودة الاصيلة. لي بغى المصانع خاصو يحكمو نظام مغربي طبقا للخريطة الأصلية التاريخية. فسنة 1844 لم تمر مرور الكرام على التاريخ ____________________________________________________________ لقد ضحى اجدادنا من اجل الحرية والخير، ليس من اجل عيون الجاءزائري أو من اجل الشر السياسي التوسعي الخرائري - فهمتي يا hoggar dz؟ فضحتي راسك حيت كتبتي "حقار دي.زي" يا الحقار الجاءزائري هههههه شحال مكلخ

  2. المرابط الحريزي

    ياناكِر الخيْرِ إنني أُذَكِّـــرُكَ ____________________________________________________________ أن لا تنسى دين إيسلي الجميلِ ____________________________________________________________ فدفع الحسابِ سيحـرركَ ____________________________________________________________ من ثقـــــــــــلِ عِبْـءِ الضميرِ ____________________________________________________________ وإذا تغلّبْتَ على غُــــرُورِكَ ____________________________________________________________ فذلك ليخلو أمامك السبيـلِ ____________________________________________________________ أما إذا ازداد علـو أنفـــــــك ____________________________________________________________ رافضَاَ حمد الله على القليـلِ ____________________________________________________________ فنسيم الحــرية سيهجــــــرك ____________________________________________________________ ومعه عطر الاستقلال العلـيـلِ

  3. اقتصاد كبير لفرنسا في الجزائر مثلا المـــــــــــــــــــايــــــــــــــــــــوـنـــــــــيــــــــــــــز وكدلك استثمارات كبير في نفخ عجلة السيارات وتصديره ههههههه الله يعفو عليكم يا بني خرخوررررررر

الجزائر تايمز فيسبوك