أي دور للجزائر ومصر في النزاع الليبي؟

IMG_87461-1300x866

أدت الإطاحة بنظام القذافي عام  2011 من قبل حلف الناتو وبعض الدول العربية إلى إحداث وتكريس انقسام  اثني عرقي عشائري وإيديولوجي سياسي حاد، انتهى بالمجتمع و الدولة الليبية إلى حالة من الانهيار والعجز والفوضى. يحصل مثل هذا التدمير رغم وجود الجزائر ومصر دولتان جارتان كبيرتان لهما رصيد دبلوماسي ثري في حل العديد من الأزمات والنزاعات. فما السبب الذي حال دون تمكنهما من لعب دور فعال وحاسم في منع انهيار ليبيا؟ و كيف قاربت حكومتي الجزائر ومصر للنزاع الليبي؟ وهل تمتلكان الأدوات والوسائل الكفيلة بتلافي التقسيم الذي سيكون له تأثير على استقرار المنطقة مثل سقوط إحدى أحجار الدومينو على القطع الأخرى؟  للاجابة على هذه الأسئلة يجدر بداية معرفة  أطراف الحرب الاهلية الليبية.

فواعل النزاع الليبي ومخاطر تهديد أمن دول الجوار

ما إن انهار   نظام القذافي في  فيفري 2011  وتشكل المجلس الانتقالي الوطني  في ذات الشهر سقطت ليبيا في مستنقع حرب أهلية داخلية بدعم وتمويل خارجي غربي وعربي كما هو الحال بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة التي قدمت الدعم والمساندة لمن كانوا يمثلون امتداد للنظام القديم، في حين مولت قطر الجماعات ذات التوجه الإسلامي الساعية إلى إحداث تغيير وقطيعة كاملة مع تراث حكم القذافي ( راهنت قطر  أساسا على تيار الإخوان المسلمين).

 تطورت الإحداث متسارعة في ليبيا حيث تم انتخاب المؤتمر الوطني العام بمثابة السلطة التشريعية  لليبيا في جويلية 2012.  هذا الأخير يرفض الاعتراف بمجلس النواب المنتخب والمعلن عنه  في طبرق في 25 جويلية  2014.  في خضم تطور تلك الأحداث قاد خليفة حفتر العائد من منفاه بواشنطن عملية “الكرامة” في ماي 2014. التي قال بشأنها أنها تتم في ظل الالتزام بالديمقراطية من أجل تطهير ليبيا من الإرهاب والمنظمات الإجرامية”.  وفي 2015، عين مجلس النواب الليبي بطبرق حفتر قائداً عاماً للقوات الموالية للبرلمان، ثم أصدر البرلمان قراراً بترقيته إلى رتبة مشير في 14 ديسمبر 2016. ومن أجل وضع حد للصراع الليبي كما يرى مهندسو اتفاق الصخيرات المبرم في 17 ديسمبر 2015  بالمغرب تم تشكيل  حكومة فايز السراج.  في خضم ذلك، ظهرت عناصر تابعة لتنظيم “الدولة”متخذة من مدينة درنة، ثم سرت مقراً لها.

عموما أفرزت الحرب الليبية قطبين متنازعين، قوات حفتر وحكومة فايز السراج،  كلاهما يعتمد على عدد كبير من الميليشيات المتباينة. من الاعتبارات التي يسوقها حفتر  الصاعد نجمه في معارضته لاتفاق  الصخيرات 2015 وعبره حكومة السراج. ارتباط حكومة السراج  بالجماعات الإسلامية الناشطة في الشرق، تتلقى حكومة السراج  دعما من “الغرب”.  تبنيها لمطالب جعل الحكم لا مركزي بدل المركزي.  فضلا على خسارتها معركة كسب الرأي العام  (خسرت دعم برلمان الشرق الليبي. فشل السراج في تحقيق استقرار اقتصادي. كما فشل السراج في معالجة بعض القضايا الرئيسية التي ترتبط بحياة الناس، الأمر الذي جعل الإحساس يتسم بعدم الرضا بأداء الحكومة). فإذا كان مسار  الاحداث دفع بالدولة الليبية وبسرعة نحو العجز،  هل عملت الجزائر ومصر على منع حصول ذلك؟

مصر والجزائر: هل هو اللعب في الوقت بدل الضائع؟

سهلت حالة الحرب والفوضى في ليبيا نشاط عصابات التهريب والجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية. وهو ما اعتبر بمثابة تهديدات جدية لأمن واستقرار  ومصالح مصر والجزائر  المشتركة مع ليبيا بعشرات المئات من الكيلومترات من الحدود الصحراوية. حيث تشكل هذه الأخيرة عبر المناطق المتاخمة مجالا حيويا للدولتين. الأمر الذي يجعل التفاعل مع النزاع الليبي بمثابة اختبار وتحدي جدي لما يهندس ويقدم من وصفات. لاسيما في ظل التدخلات الخارجية  المتعددة من الغرب الليبرالي الذي يريد تعميم نموذج الدول كقطر والإمارات والبحرين على اعتبار أنها تساعد في هندسة المنطقة بما يخدم مصالحه. علاوة على ضمان عدم انبعاث دول كبيرة محورية تشكل تحديا لمصالحها في المنطقة.

 ففي هذا السياق بقيت الجزائر وفية لمبادئ سياستها الخارجية القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. مخالفة لمنظورات زمن العولمة التي تبرر التدخلات العسكرية بدعوى حماية حقوق الإنسان.  هكذا وعقب سقوط نظام القذافي استقبلت عائلته، وصرح سفير الجزائر لدى الأمم المتحدة مراد بن مهيدي لوكالة الأنباء البريطانية (بي بي سي) أن بلاده تلتزم “بالضيافة” لأنها صفة مقدسة في الصحراء التي تشكل الحدود بين البلدين و تمتد لأكثر من 900 كلم.   وفي النصف الأول من عام 2015، دعت الحكومة الجزائرية الفرقاء الليبيين للحوار، واستقبلت أمير الجماعة الليبية المقاتلة، عبد الحكيم بلحاج. كما استقبلت أعيان و شيوخ وقادة أحزاب. و في 18 ديسمبر 2016، استقبلت الجنرال خليفة حفتر قائد القوات في بنغازي، وهي في ذلك مستندة إلى مقاربتها القائمة على رفض التدخلات العسكرية الخارجية، وتكريس الحوار بين الليبيين في إطار قرارات ولوائح منظمة الأمم المتحدة. وفي هذا تجد  الجزائر ،المتعافية من أزمة داخلية حادة مستوعبة للإسلاميين، في المنظور الداعي للحوار الشامل بين الليبيين على مختلف توجهاتهم الإيديولوجية وخلفياتهم العرقية الأداة المثلى لإعادة بناء الدولة وحمايتها من التقسيم.

 بالنسبة لمصر فقد تزامن انهيار الوضع في ليبيا مع وجود المجلس العسكري الانتقالي في الحكم الذي رفض عدة مرات طلب القذافي بغلق الحدود بين البلدين.  الأمر الذي ساهم في دعم الفوضى والتمرد على النظام وفي أكثر الأوقات حرجا. كما رفض المشير طنطاوي استقبال وفد يمثل نظام القذافي برئاسة رئيس هيئة الإمداد والتمويل بالقوات المسلحة في 9 مارس 2011, في الوقت الذي فتح أبوابه أمام زيارات بلا حصر قام بها مبعوثون غير رسميين عما يسمى بالثورة الليبية بمن فيهم بعض أعضاء المجلس الوطني الانتقالي (جريدة الأهرام 23/01/2012)  لكن ما إن سقطت ليبيا في مستنقع الحرب الأهلية وتمت الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، استشعر إسلاميو ليبيا كما النظام في مصر خطر كل طرف على الأخر. لاسيما إخوان ليبيا الذين اتخذوا موقفا عدائيا من حكم السيسي. هذا الأخير الذي قدم دعم لقوات حفتر  وبالتعاون معه قصفت القوات الجوية المصرية مواقع الجماعات الإرهابية في منطقة الحفرة ومدينة درنة.

ويبدو أن مثل هذه المساعي الانفرادية لم تمكن الدولتين من إحداث التأثير اللازم يساعد في بلورة مقاربة إقليمية كفيلة بإيجاد حل للنزاع الليبي ويضمن وحدة ليبيا ويعيد الاعتبار للجزائر والقاهرة كما هو الحال بالنسبة لطهران وأنقرة والنزاع السوري؟

التنسيق والتعاون الإقليمي سبيل لإحلال السلام وضمان عدم التفكيك

تجدر الإشارة إلى أن وجود إدارة ترامب غير المهتمة كثيرا بمسائل “الديمقراطية وحقوق الإنسان” كما كان الوضع مع الإدارات الأمريكية السابقة، و إتحاد أوروبي مهتز المكانة بفعل انسحاب بريطانيا من الإتحاد وصعود اليمين المتشدد، وفي ظل عودة روسيا إلى الساحة الدولية لتلعب دور الموازن العالمي الاستراتجي،  عوامل مساعدة  على توفير  هامش مناورة للجزائر ومصر يسمح  لهما بالمساهمة في تقديم حلول تدرأ مساوئ التفكيك المبرمجة لليبيا والمنطقة. ولأداء هذا الدور في تقديري يجدر دفع مصر للانسحاب من محور تحالفها مع دولة الإمارات، رغم  أن المهمة ليست بسيطة. ويجب أن يفهم صانع القرار أن الامارات لن تتأثر  بمخرجات الحرب الأهلية الليبية كما هو الأمر بالنسبة لها والجزائر. ويجب أن تدرك أن مثل هذا التحالف قزم من مكانتها ودورها الريادي المحوري في المنطقة. كذلك ينسحب الأمر على الجزائر التي ينبغي عليها أن تتعاطى بمرونة مع مبادئ أضحت تحد من فعاليتها في مقاربة الشؤون الدولية الإقليمية وفي مسائل بيئتها الحضارية. فماذا جدوى عدم التدخل إذا كانت مختلف الدول تتدخل وتمون وتساعد أطراف النزاع بالمال والسلاح وتسعى لضمان حلفاء على الأرض تساوم بهم.  سيما وأن الجزائر تتوفر على الكثير من موارد القوة المادية والمعنوية تسمح لها بأن تكون محور جيبولتيكا مهما في المنطقة.

في تقديري وفي مثل هذه الأجواء ستتجه الدولتان إلى زيادة التنسيق الإستخباراتي والأمني والدبلوماسي والاقتصادي بما يساعد في وضع إستراتجية شاملة فعالة. ولعل إعلان القاهرة الذي أصدره  وزراء خارجية كل من الجزائر ومصر، وتونس خلال اجتماع القاهرة المنعقد في 15 نوفمبر 2017 و الداعي والداعم للتسوية الشاملة في ليبيا، يدخل في هذا السياق، فقد جدد عبره الوزراء التأكيد على مواقف بلدانهم الثابتة وعلى المبادئ التي تقود تحركهم المشترك لدعم جهود حل الأزمة الليبية، وعلى رأسها الحفاظ على وحدة واستقرار ليبيا وسلامتها الإقليمية، والتمسك بالحوار وبالاتفاق السياسي الليبي كأساس وحيد لتسوية الأزمة الليبية، ورفض أي شكل من أشكال التدخل الخارجي في ليبيا أو اللجوء للخيار العسكري.

وأخلص إلى القول، أنه وفي ظل الوضع القاتم الذي لا ينبئ بقرب خلاص ليبيا من فوضاها وعجزها، وتبعا لتباين مقاربتي  مصر والجزائر إزاء هذا النزاع رغم أنهما يواجهان نفس تهديداته. سيما بالنسبة لمصر المنخرطة في محور الإمارات /السعودية المعادية لتراث الدولة الوطنية المناهضتين لأي تواجد للإسلاميين (الإخوان المسلمون). فوجود مصر في هذا المحور أثر على  ديناميات الحرب الأهلية المتصاعدة. كما أحاله إلى نزاعا مستعصيا عن الحل وعلى المبادرات الفردية. وهو يتجه – إذا لم يستدرك له حل-  ببطء نحو مقاربة  متعددة الأطراف، وحينذاك تتعقد المشكلة أكثر وتتعدد وتتناقض المصالح الإقليمية والعالمية، وتتزعزع حالة الاستقرار السائدة وتنتقل الفوضى إلى الكيانات المجاورة مثلما تسقط قطعة الدومينو على القطع الأخرى وإلى هنا يصبح التقسيم قدرا محتوما على المنطقة.

 

عبدالله راقدي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. نظامين عسكرين لاينتظر منهما غير صب المزيد من الزيت على نار ليبيا لتبقى مشتعلة الى ان يتمكن العسكري حفتر من الاستلاء على كامل ليبيا واقامة نظام عسكري كالقائم في مصر والجزائر

الجزائر تايمز فيسبوك