الجهاديون والعنصريون البيض وجهان لعملة واحدة؟

IMG_87461-1300x866

هل تجوز المقاربة بين عنصرية البيض والنازية الجديدة من جهة، وعنف الميليشيا الإسلامية العدمية من جهةٍ أخرى؟ يقول المفكر الفرنسي الأمريكي سكوت أترن إنه مقتنع بأنهما وجهان لعملةٍ واحدة، وأنَّ على الناس أن تدرك هذه النقطة، وإلا فستظلّ قدرتهم على معالجة المشكلتين محدودة. وتحاول «الإيكونومست» البحث معه عن إجابة هذا السؤال في مقالها التالي، والذي يأتي ضمن سلسة من المقالات النقدية، تسير فيها الصحيفة على خطى الفيلسوف الهولندي إرازموس -أحد رواد عصر النهضة- للبحث في العلاقة بين الدين والسياسة.

يدعم المقال حديث أترن بذكر بعض نقاط الشبه الواضحة، والتي قد يلاحظها الجميع، فعندما دَهَسَ أحد المتطرفين مجموعة ليبرالية تتظاهر ضد العنصرية في شارلوتسفيل في أغسطس (آب) الماضي، كان يقلِّد تكتيكًا سبق وأن اتبعه من يظنون أنهم جنود الإسلام في 4 بلدان أوروبية على الأقل. لكن أترن -الذي يشغل مناصب أكاديمية في فرنسا وبريطانيا وأمريكا- لم يقصد هذا التشابه، ويرى نقاطًا أعمق كان قد قدَّمها في ورقة بحثية لمنتدى «أيون» الفكري، وكانت نتاج سلسلة من أبحاثه الأكاديمية.

يرى أترن أن كلا النوعين من التطرف يرجع إلى فشل الديمقراطية الليبرالية في تحفيز الناس ليدافعوا عنها، وللجاذبية الخفية للأيديولوجيات المقابلة لها. وتكمن هذه الجاذبية في الهوية الجمعية القوية التي تقدمها، لا في محتواها؛ إذ تخلق مجموعات من الأفراد المتشابهين، والتي تمنح أفرادها تقديرًا يشعرهم بأنّ الأمر يستحق أن يهبوا حياتهم له. وعلى النقيض، تقول استطلاعات الرأي إن الديمقراطية لا تجد سوى القليل ممن هم على استعداد للتضحية بحياتهم من أجلها.

مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة، 23 سبتمبر (أيلول) 2014.

يصف المقال هذه الحجة بأنها رؤية تشاؤمية مضادة لما قاله المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما على الهواء منذ 25 عامًا، وكان يرى أن «نهاية التاريخ» اقتربت بانهيار الشيوعية السوفيتية والدول المستبدة الأخرى، مثل دولة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. أو بوصف آخر، هو وضع لا توجد فيه أي بدائل حقيقية للأسواق والانتخابات الحرة، واللتان تقومان على قواعد الشفافية.

اشترك أترن في بحثه مع زملائه من فرنسا وإسبانيا والمغرب، وكان من ضمن ما وجده «أن الرغبة ضعيفة في تقديم أي تضحية مكلفة في سبيل الديمقراطية، خاصةً إذا ما قورنت بالرغبة في القتال والموت جهادًا في أوروبا». ويستنتج أنّ مقولات الزعماء الغربيين -كمقولة: «قيمنا هي التي ستسود»- كانت غير محسوبة. ويضيف أترن في بحثه: «لم تكشف المقابلات والتجارب النفسية التي أجريناها عن صراع الحضارات؛ بل عن تفككها. إذ ينطلق الشباب متحررين من قيود التقاليد، باحثين عن هوية اجتماعية تمنحهم المجد، وتشعرهم بالأهمية».

في رأيه، نجحت كلٌّ من الجهادية، وفاشية البيض القوميين في تقديم نفسها على أنها إجابة رحلة البحث هذه. وليست هذه المرة الأولى في التاريخ التي يتسبب فيها النمو الاقتصادي المضطرب، والتقدم التكنولوجي، وتراجع القناعات القديمة في انتشار الإرهاب. ويشير أترن إلى موجة اغتيالات الشخصيات الكبيرة في القرن التاسع عشر، والتي ألهمتها الأناركية، وامتدت من روسيا إلى الولايات المتحدة. كما نالت جماعات كو كلوكس كلان سيلًا من العضويات في عشرينات القرن الماضي ليصل عدد أعضائها إلى أربعة ملايين.

يضيف المقال أن الجهاديين ومتعصبي اليمين المتطرف يشتركون في اعتقادهم بأنّ نهاية العالم الحتمية ستكون بمواجهة أخيرة بين كليهما؛ بل وإن عليهم استعجال هذه النهاية عن طريق إضعاف السلطة بشكلها التقليدي. ويمكن تبرير أي أفعال عنيفة من خلال هذا المنظور. يضرب أترن مثالًا على هذا بكلام أحد زعماء البيض العنصريين الذين قابلهم، والذي يقول: «المصيبة تكمن في الفشل في الاعتراف بضرورة الحرب العرقية».

ويعتقد المفكر الفرنسي أن الكثيرين ممن يعدُّون من النخبة في الغرب لا زالوا في حالة تفاؤل مثل فوكوياما، ويقللون من الخطورة التي يمثلها التطرف بنوعيه. وبحسب ما رآه في مؤتمر الاقتصاد العالمي، فإنه شعر أن «أغلب الحضور يظنون أنّ الصعود المفاجئ في الجهادية، ورهاب الأجانب العرقي القومي الشعبوي ما هما إلا عقبتان صغيرتان أمام التقدم الحتمي للعولمة».

اشتباكات بين المتظاهرين أثناء مسيرة «وحدوا اليمين» في شارلوتسفيل الأمريكية في أغسطس الماضي.

تختم «الإيكونومست» بما يجب على العالم فعله، إن كان هذا الاستنتاج المهم صحيحًا. إذ يقال إن على الزعماء المسلمين أن يكونوا أكثر فاعلية في إنكار أي شرعية للإرهاب، وفي تقديم رؤية بديلة أكثر جاذبية لدينهم، وكلاهما مطلب عادل بشكل ما. لكن ماذا عن العالم المسيحي؟ قد يدعي العنصريون البيض أن قتالهم من أجل قيم المسيحية، أو حتى المسيحية اليهودية، وقد لا يدعون ذلك؛ لكن الأكيد أن كل من يملك الزعامة أو يسعى إليها -سواء كان عالمَ دين أو سياسيًّا أو مفكرًا- يجب أن يحذَر بشدة من تقديم مبرر لتطرف المتعصبين للقوميات، وأن يوفر بديلًا مقنعًا لما يجب على القيم الغربية أن تدافع عنه حقًّا.


الحسيني محمد

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك