تونس.. فشل الحكم ومؤشرات السقوط

IMG_87461-1300x866

تمشي الديمقراطية الناشئة في تونس على رقعة من الرمال السياسة المتحركة، وهو مؤشر على ان الضمانات القائمة سياسيا ومؤسساتيا أصبحت تتآكل يوما بعد يوم في مسار انطلق منذ اندلاع ثورة شعبية في 2011، وواجه صعوبات كبيرة في تجسيم آمال التونسيين في تغيير حقيقي لظروف عيشهم، حتى أصبحت طريقة وضع الخطط القادرة على اخراج البلاد من مازق سياسي أولا واقتصاديا ثانيا بمثابة الضوء الخافت البعيد في آخر النفق.

فكيف للاقتصاد ان ينمو في ظل حكم مشتت بين مؤسسات الدولة ذات البعد الرمزي مثل مجلس نواب الشعب ورئاسة الجمهورية والهيئات الدستورية غير الناجزة، وما خفي خلف هذه الواجهة التي تصور الديمقراطية الناشئة كمفخرة لا مثيل لها في محيطها الإقليمي، كان اعظم. فرئيس الجمهورية صاحب الصلاحيات المحدودة بموجب دستور الجمهورية الثانية هو وفق مؤشر تحديد السياسات، المتحكم في دواليب الحكم سواء عبر اقتراح قوانين قسمت المشهد العام والسياسي مثل قانون المصالحة، او من خلال حبك المناورات السياسية التي ذهبت بحكومة الحبيب الصيد واتت بحكومة يوسف الشاهد بحزام سياسي مكون من ائتلاف حزبي موسع بالإضافة الى مساندة الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعة التقليدية انطلاقا من وثيقة قرطاج التي حصرت الساحة السياسية داخل دائرة الائتلاف وضيقت مجال التحرك في الساحة السياسية.

بينما يمثل رئيس الحكومة يوسف الشاهد وفريقه الوزاري أداة طيعة لتنفيذ توجهات قصر قرطاج المدجج بالمستشارين، حيث تبدو خطوات الشاب التونسي اقل اندفاعا الى الامام وهو المكبل بقيود الرئيس من جهة ومن ائتلاف حزبي من جهة أخرى، رغم ان يوسف الشاهد هو من يمتلك الصلاحيات الواسعة وفق ما يضبطه الدستور الا ان ممارسته الفعلية للحكم لا توحي بذلك. وحتى ملف الفساد الذي اندفع بكل طاقته ليستأثر به أصبح من أولويات مجلس الامن القومي الذي يقوده رئيس الجمهورية رغم نفي رئاسة الجمهورية هذا الامر.

وخلف كل هذا تتوارى الازمة الخانقة التي وقعت فيها تونس نتيجة المناورات السياسية المبنية على ضعف منسوب الثقة بين الفرقاء السياسيين الذين لم يستوعبوا التحولات التي عرفتها البلاد بعد 2011 وقاموا بضرب مكامن الثورة، من خلال استعادة رموز منظومة الحكم القديمة. وظل المشهد السياسي هجينا بين هذا وذاك فتجد حكومة مشكلة من معارضين للنظام السابق جنبا الى جنب مع وزراء في حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي تحت مسمى كبير اسمه المصالحة والتوافق في غياب تدقيق حقيقي للأسباب تخلف البلاد عن الانتقال من مرحلة البناء الى مرحلة الرخاء والتي فشل فيها النظامان السابقان برئاسة الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

ويجري الحديث اليوم عن تعديل النظام السياسي الذي يرى منتقدوه انه ساهم في حالة الارتباك التي تعرفها البلاد نتيجة تفرق مصادر القرار، في حين يرد معارضو هذا التمشي بالقول ان القصور في استكمال التجربة لا يخول للقائمين على البلاد الحكم عليها بالسلب او بالإيجاب. هذا الصراع الخفي الذي تفوح رائحته خاصة داخل منظومة الحكم بأحزابها ومؤسساتها دلالته تتلخص في هذا التمزق الغريب بين ماضوية مسكونة بهواجس المستقبل ومستقبل فاقد لبوصلة وادوات التحكم في مجريات الاحداث مما يجعله متوجسا من المجهول.

وهو ما ينعكس سلبا على الاقتصاد التونسي الذي تعرف مؤشراته تراجعا كبيرا نتيجة مواصلة منظومة الحكم في سياسة اقتصادية اثبتت فشلها مع النظام السابق وامتدت الى مرحلة ما بعد ثورة 2011. زادها اتخاذ إجراءات غير محسوبة بتعويم الدينار التونسي وضعف الحكومة في اخذ قرارات تنعش المحركات الاقتصادية المعطلة وتجد بدائل للسياحة الرخيصة والمثقلة بالديون والفلاحة المتخلفة عن ركب التطور العلمي والتكنولوجي والمرتبطة بتأثيرات التغيرات المناخية، وضع ينعكس مباشرة على موارد عيش المواطن الذي يواجه معضلة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمواد الصناعية بالإضافة الى ارتفاع أسعار العقارات وأسعار الماء والكهرباء دون ان تتدخل الحكومة لضبط السوق المنفلت.

اقتصاد في خندق السياسة

تتجاوز ازمة الاقتصاد التونسي حدود الأرقام المعلنة عن الديون الخارجية ونسب البطالة وعجز الميزان التجاري وضعف موارد الدولة الى ابعد من ذلك بكثير، حيث اصبح القرار السياسي رهين دكتاتورية الإدارة المتكلسة والمتخلفة وسلطة الأحزاب وسيطرة النقابات ولامبالاة رجال الاعمال، وبين جنبات كل هذا يتحرك اخطبوط الفساد الذي يرمي فروعه في كل هذه المكونات، لذلك تتحرك أجهزة الدولة ببطيء شديد لمواجهة استحقاقات ملحة للتنمية والتشغيل أولى مطالب الشباب الثائر بعد 2011، عمل مشلول يشبه المحرك الذي يدور في الفراغ. فلا هو قادر على الإنتاج ولا هو قادر على الدفع بالعجلة الى الامام. فالإدارة المتمثلة في القوة الرمزية والخفية للدولة والتي ضمنت استمرار الخدمات بعد الثورة، ظلت تعمل بنفس الوتيرة السابقة. ورغم ان التونسيين التمسوا لها العذر، الا ان مواصلتها العمل بنفس الطريقة لم يشفع لها مع استمرار "بيروقراطيتها" وكثرة إجراءاتها اضافة الى ضبابية التسيير داخلها مع سوء التصرف في مواردها البشرية واختلال توزيع الموظفين.

اما الأحزاب وخاصة الحاكمة منها فإنها تعاملت مع الدولة وفق منطق الزبون والصفقات المعلنة والخفية من خلال تقاسم التعيينات في المناصب العليا كالوزارات والمحافظات كل حسب قدرته على المناورة من اجل ان يكون له في كل موطن قدم ويغلف ذلك بمنطق التوافق، في حين ان الغالب على الظن ان غياب الثقة هو المناخ الطاغي على أجواء الحكم. ومع توقيعه على وثيقة قرطاج دخل الاتحاد العام التونسي للشغل تحت سقيفة الحكم كشريك متضامن له نصيبه من التعيينات الديبلوماسية والسياسية سواء لأعضاء في المكتب التنفيذي السابق او لمنتسبين الى الاتحاد، امر جعل مواقف المنظمة مسكونة بالازدواجية غير المحبذة في نظر الكثيرين.

ان التركيبة التي اختارها رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي بعد إزاحة رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد والإعلان عن ائتلاف حزبي موسع، قد وضع حدا لنتائج الانتخابات التشريعية في 2014 ووسع مجال الحكم تحت شعار من وقَع على وثيقة قرطاج فهو آمن. انطلاقا من تلك المناورة اصبح الحكم في تونس قائما على تركيبة هجين تتشكل صورتها من "كانتونات" واجسام تتعامل فيما بينها وفق الولاء للأشخاص ولهذه الأجزاء التي تمتلك كل منها أدوات الحماية ضد كل الضربات وأصبحت لها مخالب تدافع فيها عن مصالحها سواء كانت هذه المخالب رصيدا شعبيا او تابعين منغمسين في مفاصل الدولة وخاصة الإدارة الرافضة عضويا للتطور.

توشك التجربة الديمقراطية التونسية الناشئة على السقوط بين ايدي الاجسام الحزبية والمالية والإدارية وحتى النقابية التي أصبحت تمثل بداية ولادة ما يعرف "باللوبيات" المتحكمة او ما يسمى في تونس بالسلطة الخفية التي تحرك أجهزة الدولة في اتجاهات متناقضة شبيهة بجزر داخل أرخبيل كل جزيرة لها قراصنتها. ولم يبقَ الآن الا انتظار متى وكيف سيكون هذا السقوط، وهل هناك خيار آخر للخروج من ازمة سياسية حادة؟ والاجابة قد تذهب في اتجاه احتمالين: اما انفلات شعبي خارج سياق التحكم السياسي يعيد بوصلة الثورة الى مدارها الصحيح بعيدا عن حروب الجزر وانتفاخ بطن القراصنة وهو امر مستبعد؛ او استحقاق انتخابي يضع ثقل الحكم لدى مكون سياسي واحد قادر على وضع خارطة طريق للخروج من الأزمة وهو الأقرب الى المنطق، لكن اليات تنفيذه غير متوفرة في الوضع الراهن.

 

محمد البلطي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك