صراع بين بورجوازية الدولة الجزائرية ضد تحالفات البورجوازية الخاصة

IMG_87461-1300x866

يقع هذا النزاع في قلب التطور السياسي  للجزائر في السنوات الأخيرة، ومن المحتمل أن يظل كذلك لبعض الوقت حتى وإن كان لا يظهر على هذا النحو بصفة مباشرة ويبدو، كما هو الحال دائما في السياسة، ملفوفا بظلمة الصراعات الشخصية والتحالفات الظرفية والزائلة وجراح التاريخ الحديث للبلاد وكذا بمشاعر البغضاء وحتى الأحقاد والطموحات…، باختصار: يبدو ملفوفا بكافة الأهواء البشرية.

هذا النزاع ناتج مباشرة عن صعود اقتصاد السوق وانحطاط الاقتصاد المسير من الدولة.

تشعر بورجوازية الدولة بأن المواقع التي اكتسبتها أثناء العقود الماضية في المجالات الاجتماعية والسياسية والنفوذ مهددة من طرف القوة المتنامية للبورجوازية الخاصة وهو نمو لا مفر منه في ظل اقتصاد السوق. إنها تشعر إذن بتهديد اقتصاد السوق نفسه الذي يقتطع من مجال سيطرتها قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي والتجاري – بما فيها الاستيراد- التي كانت تهيمن عليها بواسطة الاقتصاد المسير إداريا. لذا أفضت عداوتها للبورجوازية الخاصة إلى عداوة اقتصاد السوق ذاته، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وإلى مواجهة من تعتبرهم زعماء هذه البورجوازية الخاصة الجديدة. ولكن هل يوجد اليوم بديل عن اقتصاد السوق؟

                                 لا يمكنك توزيع سوى الثروات التي تنتجها

إن رأسمالية الدولة، اشتراكية الدولة، وكافة تفريعات الاقتصاد المسير إداريا قد انهارت: هذا واقع ناتج عن التاريخ ويفرض نفسه على التحرك والتفكير معا.

لقد أقمت مدة طويلة في الصين خلال سنوات 1970. في ذلك الوقت، كان تعداد الصين 750 مليون نسمة وتعداد بلجيكا، البلد الصغير، 10 ملايين، ومع ذلك كان لكلاهما نفس الناتج الداخلي الخام! اليوم، تعد الصين ثاني قوة اقتصادية في العالم، ويتوقع أن تصبح الأولى في المدى المنظور. كان كافيا أن يبادر الزعيم دنغ كسياو بينغ بإطلاق جملته الشهيرة ” لا يهم أن يكون القط أسودا أو رماديا  شريطة أن يصطاد الفئران ” ، لتنتقل الصين إلى اقتصاد السوق. واليوم يحظى الصينيون بالاحترام والتقدير في كل مكان بفضل التقدم والانجازات المحققة في كافة الميادين. نفس الشيء يقال بالنسبة لفيتنام حيث حصل تقدم هائل، وكذلك بالنسبة للهند أيضا التي كان لقطاع اقتصاد الدولة مكانا كبيرا فيها. لقد تم التخلي عن الاقتصاد المسير إداريا في كل مكان.

إن تسيير الشركات ليس من مهام الدولة سوى في حالات استثنائية، مثل وجود أسباب إستراتيجية، وذلك مع القبول الواعي بوقوع نسبة معينة من التبذير والخسارة. ما الذي يستطيع فعله المدير العام لشركة عمومية، تجارية أو بنكية مثلا، عندما تأتيه من السياسي أوامر تجبره على تقديم قروض أو على التوظيف وهو واثق من أن الفجوة المالية الناتجة عن أخطاء التسيير التي يرتكبها سوف تسدها منحة من الدولة. ماذا يتبقى من الفعالية الاقتصادية في حالة كهذه… وهذا بصرف النظر عن نزاهة وكفاءة المدير العام المعني؛ فالمسألة ليست مسألة أفراد بل مسألة نظام، نظام الاقتصاد المسير إداريا الذي لا يمكن أن يكون فعالا.

قال عالم اقتصادي: ” عندما يدخل مالك شركة معينة إلى شركته، فإنه يجلس على أريكته ليسير شركته. وعندما يدخل مدير شركة عمومية إلى الشركة، فإنه يسير أريكته ويجلس على الشركة”.

السبب بسيط: لم تقم الدولة من أجل تسيير الشركات، لأنه لا يمكن تسيير الشركات سياسيا؛ كما لا يمكن أيضا تسيير الدولة وكأنها شركة، الشيء الذي يختبر الرئيسان ترامب وماكرون حاليا اثره السلبي، ولكن هذا  موضوع آخر.

حتى الآن – وقد نضيف يا حسرة!علما أن التحسر بلا معنى عملي-، لم يتم العثور على ما هو أفضل من المصلحة الفردية، المصلحة الخاصة، لتحريك الناس ودفعهم إلى التباري والتنافس في العمل.

إن اقتصاد السوق يتفوق لا بروح المبادرة والمقاولة التي يشترطها فحسب، وإنما يتفوق، قبل كل شيء، بإتاحته إمكانية مكافحة الآفة الكبرى للاقتصاد المسير إداريا – التبذير- وبإجبار كل واحد على سلوك الاقتصاد، العقلانية الاقتصادية. هذه الضرورة – الاقتصاد – هي التي نتج عنها العلم الذي يحمل هذه التسمية بالذات، والذي ولد بالضبط مع الرأسمالية واقتصاد السوق.

لقد حدث أن نسي إطار في إحدى الشركات العمومية الجزائرية مراجعة استلام الشركة مبلغا قدره مليون أورو وذهب في عطلة. عقابا له، تم توقيفه لعدة أيام؛ هل يمكن تصور تصرف كهذا من قبل مالك شركة خاصة؟ إنها حقائق بسيطة.

إن التسيير بواسطة الأسعار والسوق ليس مجرد وسيلة للحصول على أرباح، وإنما هو، في نفس الوقت، أسلوب لقياس الفعالية وللتقدم باتجاه تكنولوجيات أنجع، بمعنى أكثر توفيرا للوقت وللعمل. كما أنه وسيلة للمقارنة مع اقتصادات أخرى أيضا…،باختصار: إنه نهج للتقدم الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي وبالتالي للبروز.

حقا يلد اقتصاد السوق أشكالا من اللامساواة، لا بل الرأسمالية نظام يتركب محركه نفسه من التفاوتات الاجتماعية. ولكن الاختيار المطروح حاليا ليس بين الرأسمالية والاشتراكية، وإنما بين اقتصاد دولة يلد أشكالا من اللامساواة والامتيازات والتجاوزات، دون خلق ثروات، واقتصاد سوق يلد هو الآخر أشكالا من اللامساواة ولكن للمقاولين فيه، على الأقل، مشروعية اجتماعية تتجسد في خلق ثروات للأمة، مع العلم أنه لا يمكن توزيع سوى الثروات التي يتم إنتاجها.

ثم إن مسألة توزيع الثروات في المجتمع هي بعد ذلك مسألة سياسية واجتماعية مرتبطة بنوعية الديمقراطية وبمستوى التضامن الوطني. ولأنها انتقلت إلى اقتصاد السوق استطاعت الصين وفيتنام وغيرهما، ككوبا اليوم على ما يظهر، أن تحافظ على مقدار كبير من مكتسبات المرحلة السابقة عبر اقتصاد سوق ببعد اجتماعي.

هناك أمر بديهي: إن أقوى الاقتصادات وأكثرها حيوية، في الوقت الراهن، هي اقتصادات السوق. أما “الاشتراكية الواقعية”، فإنها لم تنجح في جعل العمل والعمال في مركز الحياة الاجتماعية، كما كانت تدعي، وبالعكس، تحولت إلى اشتراكية دولة بمعنى رأسمالية دولة. فبعد فترة صعود أثارت حماسا فياضا، أنتجت اشتراكية الدولة أشكالا جديدة من عدم المساواة والامتيازات، كما أنها أفضت إلى تعميم المحسوبية والتجاوزات والتدخلات الإدارية عند منح العقارات والخدمات والسيارات وحتى السلع الاستهلاكية ضمن سياق تسوده الندرة. لنتخيل الضجة التي قد تحدثها مثل هذه التدخلات في الإعلام اليوم، رغم النقائص، وهي تدخلات  كانت تعتبر، في الماضي، ممارسات عادية.

والحال أن تلك الأشكال من انعدام المساواة ومن الامتيازات لم تكن تحظى حتى بمبرر الملكية الخاصة بما أنها كانت تنشأ ضمن دائرة الملكية العامة. لقد أنتجت اشتراكية الدولة بورجوازية الدولة زائد عدم الفعالية الاقتصادية. هذا هو سبب انهيارها.

                                                بورجوازية الدولة

ولدت بورجوازية الدولة في الجزائر خلال أعوام 1960، ونمت خلال أعوام 1970 و1980 – عصرها الذهبي – وأطالت عمرها خلال أعوام 1990.

إنها ناتج سيرورة شهدت شيئا فشيئا خوصصة قطاعات واسعة من ملكية الدولة عبر استملاك غير مباشر لمنافع وامتيازات واستهلاك سلع وخدمات، وذلك وراء ستار الملكية الاجتماعية. ولأنها ترعرعت في أحضان ملكية الدولة، فإنها تعتبرها ملكيتها وتبدي أشد ردود الفعل كلما وقع مساس بها. ولا يوجد في هذا الموقف أي مشروع للمساواة الاجتماعية. وبالعكس، فقد نزعت البورجوازية البيروقراطية للدولة شيئا فشيئا إلى اعتبار نفسها أرستقراطية اجتماعية.

ليست البورجوازية البيروقراطية تلك الآلاف من الإطارات العليا والموظفين السامين. وكان هؤلاء كبش فداء لاخفاقات اقتصاد الدولة، فدفعوا ثمنا باهظا. واقتصاد السوق مفيد في هذا الباب بالذات من حيث توفير الوقاية لهم عبر جعل تسيير الشركات شأنا خاصا وليس شأن الدولة، ومن حيث إعادتهم إلى وجهتهم الأصلية المتمثلة في تسيير الأمور ذات المنفعة العامة.

لقد عاشت بورجوازية الدولة سنوات من المجد، ولكنها اليوم قوة هرمة. إنها تجر وراءها وتؤثر في خليط من القوى الساخطة، التي تحن إلى ماض عاشته كعصر ذهبي، وتحمل شعورا حادا بالتدحرج الاجتماعي إزاء نمو “سلطة المال”. وهكذا استطاعت بورجوازية الدولة أن تجذب بورجوازية صغرى من الموظفين والمتقاعدين الذين أصبح وضعهم هشا.

وأما خطابها فهو “اشتراكي” النبرة أو، بتعبير أدق، مناهض للرأسمالية. إنه خطاب مساواتي أو شعبوي يخفي تبنيها للاقتصاد المسير إداريا. وقاموسه الإيديولوجي هو، بصفة عامة، قاموس اليسار في القرن الماضي لكونه يستمد مرجعياته من السياق التاريخي الذي تكونت فيه بورجوازية الدولة، سياق شبابها. وهذا الخطاب الإيديولوجي يستعير شكله من مختلف المتغيرات الإيديولوجية لليسار الفرنسي: العلماني،  الماركسي، التروتسكي، الخ.، ولكنه خطاب كاريكاتوري، لا واقع له ما عدا واقع الدفاع عن نظام اقتصادي انتهت صلاحيته وبات رجعيا إلى أبعد الحدود.

من المضحك بالمناسبة أن نتابع كيف تتمكن الإرتكاسات البالية من البقاء وأين تعشش. مثلا: بينما تختلف روسيا الحالية عن الاتحاد السوفييتي، ترى بورجوازية الدولة في الرئيس الروسي بوتين بطلها. غير أن بوتين القومي لم يتخلف عن تبني اقتصاد السوق وعن تكييفه لصالح بلاده.

تقوم البورجوازية البيروقراطية والهيئة التي تمثلها سياسيا بإحلال أحكام أخلاقوية محل التحليل الاقتصادي: هكذا لدينا “البورجوازية الجيدة” و”البورجوازية السيئة”، “النشاط الصناعي الحقيقي و”النشاط الصناعي الزائف” (مثل مصانع تركيب السيارات)، “التنمية الحقيقية” و”التنمية الزائفة”، “المال الوسخ” و”المال النظيف”، “رجال الأعمال الحقيقيون” و”رجال الأعمال الانتهازيون”، الخ. إنها تقوم بهذا من دون أن تخبرنا عن الجهة التي تملك سلطة التقدير وعن المعايير المعتمدة.

إنها تنظرإلى رأس المال كما لو كان نشاطا خيريا، مثلما كانت تتصور رأسمال الدولة، في السابق، وتتصور السلع اليوم من زاوية قيمتها الاستعمالية فقط؛ فتكون لدينا بالتالي “واردات جيدة” وأخرى “سيئة”، أيضا. هناك، في هذا الباب، أمر يحمل دلالة واضحة، وهو كون العديد من الممثلين السياسيين لبورجوازية الدولة لم يسبق لهم إلا نادرا أن مارسوا مهنة محددة أو جعلوا من النشاط السياسي مهنتهم طيلة عقود، وهم يفتقرون بالتالي للخبرة الميدانية في مجال الاقتصاد أو التجارة.

يعلن ممثلوها بأن الرأسمالية غير اخلاقية في حد ذاتها ويطلبون منها في نفس الوقت ان تتحلى بالأخلاق. إنهم يشهرون باقتصاد السوق لكنهم يندفعوا صوب البلدان الرأسمالية الغربية للترفيه وللتعبير عن إعجابهم بمستوى التنظيم والفعالية فيها. وعلى نحو  متناقض كذلك، يقوم أنصار الاقتصاد المؤطر والمسير من الدولة برسم صورة كاريكاتورية وخيالية عن المستثمرين الأجانب. إنهم يقدمونهم على أنهم هامات قابعة في الظلام في انتظار مص دماء الجزائر. الموضوع أعقد من ذلك بكثير بالطبع. إنهم يضاعفون تجاههم الشروط، الإكراهات وأنواع الرقابة. وبما أن البلدان كثر، يهز المستثمر كتفيه استخفافا ويذهب إلى حيث كل شيء معمول لجذبه.

إن إرادة أو التظاهر بإرادة الفرز باستمرار بين “رأسمال جيد” و”رأسمال سيء” تؤدي، في الواقع، إلى نشر ارتياب معمم تجاه المستثمرين المحليين والأجانب واقتصاد السوق معا. كأن نريد تحديد حرية التعبير أو الإنترنت بدعوى سوء استعمالهما.

حقا هناك في العالم أجمع مال وسخ وهناك مقاولون فاسدون مثلما هو الحال في كل المهن، لكن هذا يتعلق بتصرفات فردية وليس بتصرفات فئات اجتماعية بعينها، وهي بالتالي تخضع لمعالجة جنائية وليس لمعالجة اقتصادية. إن خاصة البورجوازية البيروقراطية هي بالضبط عدم التمييز بين الفرد والمجتمع، وكذلك إرادة تنظيم الاقتصاد حسب الاستثناء وليس القاعدة – وهو جوهر العقلية البيروقراطية بالذات -، وفي النهاية التعامل مع كل مقاول، وتدريجيا مع كل مواطن، كما لو كان مشروع محتال. أما نتيجة كل ما سبق عرضه فهي الشلل، شل المبادرة الاقتصادية وفي الأخير تفشي العقلية البوليسية والشمولية على الصعيد السياسي.

                                                     “الأوليغاركيا”

لقد جرى استخدام كلمة “ألأوليغاركيا” من قبل الممثلين السياسيين للبورجوازية البيروقراطية استخداما تعسفيا.

“الأوليغاركيا” تعني أصلا السلطة التي تكون بحوزة مجموعة صغيرة من الأفراد. غير أن هذه الكلمة أخذت، في إطار الحملة الجارية في الجزائر، المعنى المتداول حاليا في روسيا، أي معنى رجال الأعمال الذين استغلوا روابطهم مع سلطة بوريس إلتسين واستولوا على الشركات العمومية أثناء خوصصتها إثر الانتقال إلى اقتصاد السوق. لكن استخدام هذه الكلمة بالنسبة للجزائر خاطئ على طول الخط، وذلك لأن من قام بالسطو على القطاعات الإستراتيجية في روسيا، – البنوك، النفط، الغاز، الحديد والصلب، الخ.، – هي  تحديدا “النومنكلاتورا”، أي بورجوازية الدولة.

السيرورة الجارية في الجزائر مختلفة.

لم يقع نمو الشركات الخاصة الكبرى الحالية، في الجزائر، حسب سيرورة “أوليغاركية” يأيـيانطلقت من شركات الدولة. إن نشاط المقاولين الخواص، الذين يتعرضون الآن لحملة عدائية، قد توسع خارج الشركات العمومية ولا يعود مصدر رأسمالهم إلى رأسمال الدولة.

وأما كونهم استفادوا من مشاريع تابعة للدولة أو من قروض بنكية عمومية، فهذا موضوع آخر، وذلك لأن الدولة هي بالضرورة، في كل مكان وزمان، مصدر معتبر للطلبيات وللمشاريع الاقتصادية والتجارية. وأما وجود لوبيات، جماعات ضغط، فهو واقع قائم في النظام الرأسمالي في كل مكان. وأما كون القواعد المتعلقة بالصفقات غير محترمة هنا أو هناك، فهذا ممكن جدا، لكن يجب أولا تقديم الأدلة، الوقائع، وعدم إحلال الإشاعة أو التزلف إلى الشعب محلها. ويجب ثانيا معالجة هذه المسألة، كما سبق ذكره، معالجة قانونية وليس اقتصادية. فمن الناحية التاريخية، كانت الحاجة إلى ضبط النزاعات المتولدة عن توسع الرأسمالية – ضبط التنافس وسير الشركات والعلاقات بين رأس المال والعمل، الخ.، – هي التي فرضت ضرورة دولة القانون نفسها ونموها. وعليه، لا يجوز اتخاذ مثل هذه النزاعات ذريعة للعودة إلى اقتصاد مسير إداريا.

من بين الخصوصيات الجزائرية أيضا، نسجل أن أعنف الانتقادات الموجهة لفئة المقاولين الخواص “الذين نجحوا” تصدر عن المنحدرين أصلا من” نومنكلاتورا” السبعينات والثمانينات الذين فشلوا “في مجال الأعمال” بسبب عادات التسيير البيروقراطي ولافتقار إلى روح المقاولة بالذات.

كذلك يجب أن نسجل بخصوص هذه الحملة الالتقاء الحاصل بين هذه الهجمات مع أخرى صادرة عن بعض التيارات الإسلامية، رغم الاختلاف الكلي للمنطلقات الإيديولوجية. وقد يكون للعنصر الثقافي المميز جدا في بلادنا دورا في ذلك. فقد تكون القطاعات الفرنكوفونية من المقاولة الخاصة حصلت على امتيازات خلال تعاملها الاقتصادي مع الدولة والبنوك العامة لكون النشاط الاقتصادي للدولة يتم أساسا بالفرنسية، الأمر الذي يجعل تلك القطاعات أقرب إلى إدارة الدولة من الناحية الثقافية والاجتماعية أيضا. فيتسبب الكبت المتولد عن ذلك في نشر كلام عن شبهات فساد وفي التشهير بالدولة المتهمة بممارسة التمييز بين قطاع خاص “نزيه” و”نشيط” و”تقي” حتى وآخر يشتبه بأنه يتلقي فوائد دعمه السياسي ويساهم بالنتيجة في إفساد الدولة.

                                                      الفساد

تم استخدام موضوع الفساد إلى جانب مصطلح “الأوليغاركياّ” باعتبارهما وجهين لنفس الخطر.

إن ميزة تفسير الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية ب”الفساد” تكمن في كونه تفسيرا بسيطا لمشكل مركب، هو المشكل البنيوي للتبذير الاقتصادي والمالي الهائل الصادر عن الاقتصاد المسير إداريا، وذلك خارج إرادة المؤطرين أنفسهم ورغم حملات الدولة ضد البيروقراطية.

ولكونه حجة بسيطة، يلقى موضوع الفساد ترحيب الشعبوية؛ فهو يسمح بالاغتراف من سجل الانفعالات ويسهل تقبله إذن مع محافظته، في الوقت نفسه، على إبهامه وانعدام دقته: فإذا وجدت مشاكل في الجزائر، فلأن هناك “من يسرق”. وعليه، تكفي “حملة نظافة” لكي تحل البلاد مشاكلها وتتقدم. هكذا تتحول المسألة الاقتصادية إلى مجرد مسألة أخلاقية أو حتى دينية.

في الحقيقة، الفساد خطر سياسي أكثر منه اقتصادي. فإذا سمح اقتصاد السوق بالتقدم السريع الذي نشهده اليوم في البلدان الصاعدة، فذلك ليس لأنه قضى على الفساد وإنما لأنه أجدر اقتصاديا ويسد، في الوقت نفسه، واحدا من المنابع المباشرة للفساد، ألا وهو تسيير الدولة المباشر للاقتصاد. البقية تخص العدالة.

يجب أن نسجل بهذا الصدد بأن قضايا الفساد تخص، بصفة عامة، الشركات العمومية. هل يمكن أن نتصور، مثلا، صاحب شركة خاصة يتعمد عقد صفقة مضرة بشركته مقابل عمولات ؟ هل يمكن أن نتصور مدير بنك خاص يسرق بنكه؟

في البلدان المنظمة، التي تسودها العقلانية، لا يتم حل المشاكل بدروس في الأخلاق. مثلا:عندما لا يحترم الناس الطوابير توضع حواجز لتوجيههم وكفى. إن اقتصاد السوق وهو يضع المصلحة الخاصة في مركز المبادلات الاقتصادية، يضع في الواقع آلية مفادها “لا أسرق نفسي”، وهي آلية فعالة أكثر من الحجج الأخلاقية. كما أن ميزة البلدان الغربية لا تتمثل في تحليها بدرجة من الفضيلة أعلى منا وإنما تكمن ميزتها بكل بساطة في كونها لا تواجه سوى ذلك القسم من الفساد الذي قد يظهر إلى الوجود على مستوى تقاطع المال العام والمال الخاص.

                                           كيف نكون تقدميين اليوم

ما الذي يمكن أن نقوله في الختام؟

إن الانتقال إلى اقتصاد السوق معناه نهاية العصر الذهبي لمجتمع المساواة الكاذبة وبداية تعميم المصلحة الخاصة وتأجيل الحلم بمجتمع متضامن الذي تجند من أجله أفاضل الأجيال السابقة. من هذا المنطلق، يكون القلق من اقتصاد السوق وسيطرة البورجوازية على المجتمع قلقا طبيعيا ويكون التعبير عنه مفيدا. غير أنه ينجر عن اقتصاد السوق كذلك صعود الفرد وضرورة توفر الحرية والحريات وبالتالي الديمقراطية ودولة القانون من أجل ضبت العلاقات بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة. إن الكفاح من أجل ديمقراطية أعمق فأعمق واجتماعية أكثر فأكثر هو أفضل أسلوب للتصدي لتجاوزات اقتصاد السوق والسير نحو التقدم والتنمية في نفس الوقت. لقد حسم التاريخ الاختيار، في النهاية، لصالح هذه الطريق من أجل الرقي؛ فبقي لنا أهم مكسب تاريخي، في الحقيقة، ألا وهو الوطن الذي منحنا إياه شهداؤنا الأبرار. وعليه، يتعين مواصلة السير باتجاه مقاصدنا الوطنية، بمعنى أن نجعل من الجزائر بلدا حرا مستقلا بفضل مستواها التنموي وأن نحقق الهدف العظيم المتمثل في تحويلها إلى بلد عصري، صاعد، يسوده الرخاء، على غرار بلدان أخرى سبقتنا إلى هذا السبيل بنجاح  عبر الانتقال إلى اقتصاد السوق. يجب إذن تفادي الخطأ المتمثل في تصويب السهام باتجاه الشركات الخاصة، وذلك لأن الجزائر بحاجة إلى كافة طاقاتها وجميع أبنائها. وبالمختصر المفيد نقول: في الجزائر، اليوم مثل البارحة، نكون تقدميين معناه أن نكون وطنيين قبل كل شيء.

 

الجزائر تايمز جمال لعبيدي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك