هل يصبح الروهينجا الفلسطينيين الجدد في اسيا؟

IMG_87461-1300x866

نشر موقع «بيزنس إنسايدر» تقريرًا نقلًا عن «فورين بوليسي» كتبه «كريغ كونسيدين» يتناول قضية الروهينجا وإلى أي مدى تشبه قضية الفلسطينيين والاضطهاد تجاه الأقليات العرقية المسلمة حول العالم. ولعل إحدى الظواهر التي تثير استغراب البعض أن تناول الإعلام لما تتعرض له أقلية الروهينجا لم يحدث مع غيرها من الأقليات المسلمة، ولماذا توحدت مشاعر العالم الإسلامي بطوائفه حول قضيتي فلسطين والروهينجا، بينما لم تلق اضطهادات أخرى في سوريا والعراق واليمن نفس رد الفعل.

نكبة تتكرر

يقول «كونسيدين» إن الاضطهاد الممنهج ضد الفلسطينيين لطالما شغل حيزًا من وعي الأمة، والمجتمع الدولي المسلم، فقد شهد المسلمون على مر العقود تشريد الفلسطينيين المتكرر وتعرضهم للعقاب الجماعي المفرط فضلًا عن إنكار حقهم في إقامة دولة. ويضيف أنه بينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي في تأجيج مشاعر الغضب والعجز، فإن الروهينجا هم أقلية عرقية أخرى بدأت تظهر الآن باعتبارها رمزًا للظلم العالمي ضد المسلمين. وكما نوهت «راشمي روشان لال» في صحيفة «ذي آراب ويكلي» أن الروهينجا «يحتلون الآن مكانًا لطالما خُصص للفلسطينيين، ولن تقف الأمة مكتوفة الأيدي».

يذكر الكاتب أن صور القرى المدمرة، والروهينجيين المُروَعِين المتدفقين إلى بنغلاديش بلا متاع سوى ملابس يحملونها على ظهورهم لاقت صدًى مدويًا مستدعية الذاكرة الجماعية المؤلمة للنكبة الفلسطينية عام 1948، عندما أجبرت القوات الإسرائيلية أكثر من 750 ألف شخص على النزوح من منطقة الانتداب البريطاني في فلسطين. يرى المسلمون حول العالم أن الفلسطينيين والروهينجا كليهما تعرض لنفس التجربة، تعرضوا لانتهاك صارخ ودفعوا إلى التهميش في مجتمعاتهم، فضلًا عن أنهم صاروا بلا دولة، ويلخص الكاتب وضعهم الحالي بأنهم مجموعة من اللاجئين ليس لهم سوى قلة من الحلفاء الذين على استعداد للدفاع عن حقوقهم الإنسانية رسميًا.

لغة الاضطهاد واحدة

يحاول الكاتب استدعاء أوجه الشبه بين القضيتين، فيقول إن الفلسطينيين والروهينجا صاروا محرومين في أعقاب انهيار الحكم الاستعماري الإمبريالي، فقد حاولت الحكومة الإسرائيلية وحكومة ميانمار تهجيرهم من أراضيهم، وصورتهم على أنهم أجانب ليس لهم الحق في المطالبة بالأرض، جدير بالذكر أنه لطالما كانت هناك محاولات في ميانمار وفلسطين لإعادة كتابة تاريخ الجماعتين زاعمة أن أيًا منهما لا يمكن اعتباره جماعة عرقية «حقيقية»، وبالتالي فهم دخلاء ومتطفلون وغزاة.

أما عن نظرة المسلمين لما يحدث، فيقول الكاتب إن المسلمين يرون أن هناك محاولة لاستغلال الدين مبررًا للقمع في البلدين؛ فحكومة ميانمار تقوي الفصائل القومية البوذية وتشجعها على الإبادة الجماعية ضد الروهينجا العزل، فيما تقوم الحكومة الإسرائيلية بدعم الفصائل القومية الإسرائيلية في التطهير العرقي الممارس ضد الفلسطينيين.

يذكر كونسيدين الأوصاف التي لا ينفك المضطهدون في الحكومتين ترديدها بشأن الشعبين الفلسطيني والروهينجي، فيقول إن الجماعات القومية المتطرفة مثل «آشين ويراثو» التابعة لحركة 969 القومية تعتقد أن المسلمين يشبهون أسماك «الكارب» الأفريقي، وهو نوع من الأسماك تتكاثر بسرعة، وتتميز بالعنف الشديد وتتغذى على أبناء جنسها، ويضيفون أنه «على الرغم من أنهم أقلية في ميانمار، إلا أننا نعاني من الأعباء التي جلبوها علينا».

أما في حالة الفلسطينيين، فيقول «كونسيدين» إن ذلك الوصف تكرر على لسان عدد من الشخصيات الإسرائيلية، من بينهم «أيليت شاكيد» – وزيرة العدل الإسرائيلية اليمينية المتطرفة – واصفةً الفلسطينيين بـ«الأفاعي»، علاوة على تصريحها بأن «الفلسطينيين أعداؤنا، ويجب أن نلوث أيدينا بدمائهم»، يرى الكاتب أن مثل تلك اللغة المتهورة والمخزية تذكرنا بأن الإسلاموفوبيا ليس لها حدود.

توحد تجاوز الانقسامات

يقول «عريب رنتاوي» – من مركز القدس للدراسات السياسية في عمان – إن قضية الروهينجا الآن صارت أولوية في النزاعات الطائفية جميعها، بما في ذلك الصراع الشيعي السني أو الإسلامي العلماني. وكما تشير «كريستيان ساينس مونيتور» فإن عدم تصنيف الروهينجا بأنها انقسام سياسي أم طائفي يعاني منه المسلمون، جعل منها قضية تتجاوز كل الحدود والانقسامات الطائفية.

إلا أن الكاتب لا ينكر الانقسامات والعداءات الطائفية إذ يصفها بأنها حقيقة متجذرة في الأمة الإسلامية، بيد أن كم الاحتجاجات التي انطلقت في المجتمعات الإسلامية تبين أن قضية الروهينجا تتجاوز كل المعضلات الطائفية. ففي جروزني عاصمة الشيشان على سبيل المثال، يذكر الكاتب أن مئات الآلاف من المسلمين خرجوا للشوارع ليعبروا عن تضامنهم مع الروهينجا، وفي الأردن، خرجت مظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة في عمان.

علاوة على تظاهر عشرات الفلسطينيين المسلمين الإسرائيليين أمام بوابات سفارة ميانمار في تل أبيب، وخروج مئات النساء المسلمات في تظاهرة أمام سفارة ميانمار في جاكارتا عاصمة أندونيسيا، فضلًا عن خروج الآلاف من الشيعة المسلمين في تظاهرة عقب صلاة الجمعة في العاصمة الإيرانية طهران.

ردود فعل رسمية ضعيفة

يقول الكاتب إن أزمة الروهينجا أشعلت فورة بين نشطاء الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، فقد أطلق النشطاء على تويتر وسومًا مثل «كلنا الروهينجا» لزيادة الوعي بانتهاكات حقوق الإنسان، وتسليط الضوء على الشركات التجارية التي تربطها تعاملات مع حكومة ميانمار، وفي نفس الوقت بثت قنوات الإعلام العربية سيلًا من التقارير التي تتناول الاعتداءات الوحشية.

من جهة أخرى، يحاول الكاتب عرض التباين في الموقفين الرسمي للقادة المسلمين مقابل الموقف العام للمسلمين، فيقول إنه على الرغم من أن التطهير العرقي والتهجير القسري للروهينجا حرَّك المسلمين حول العالم، لم تكن ردود قادة ورؤساء الدول الإسلامية مناسبة في أحسن حالاتها، إذ لم تدعُ أي من الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي – أكبر كيان سياسي إسلامي – لعقد أي جلسات طارئة تتناول الوضع. فكانت التحركات محدودة للغاية، إذ بدأت بعض الدول العربية في إرسال مساعدات ومعونات للاجئي الروهينجا، بينما أوفد الصليب الأحمر القطري فريقًا لإنشاء عيادات طبية متنقلة  وصهاريج مياه.

ويستعرض الكاتب الموقف الإيراني القوي مقابل رد منافستها السعودية الضعيف، فيذكر أن إيران سعت للدفاع عن الروهينجا، إذ دعا «علي مطهري» – النائب الثاني لرئيس البرلمان الإيراني – الدول ذات الأغلبية المسلمة بتزعم تشكيل قوات تدخل سريع لإنقاذ النازحين الروهينجيا، بينما أدانت الخارجية السعودية ما يحدث في ميانمار في تغريدة: «انطلاقًا من مسؤوليتنا قائدًا للأمة الإسلامية، دعت المملكة العربية السعودية إلى قرار إدانة بالفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان».

مساعدة إنسانية أم تنافس؟

يعتقد الكاتب أن ردود الفعل لم تكن معبرة عن وحدة الأمة الإسلامية فحسب بل الانقسام أيضًا، ففي حين دعت إيران إلى اتخاذ خطوات مباشرة عنيفة، دعت السعودية لإدانات لفظية، إلا أن «كونسيدين» يرى أن التحركات الإنسانية في ميانمار صارت مُسيسة إلى درجة كبيرة، إذ تتنافس القوى الإسلامية كي تكون لها الغلبة على مستوى الأمة.

يذكر الكاتب بعض مواقف الدول الأخرى في ميانمار ومبرراتها، على سبيل المثال، يقول المسؤولون الأتراك إن الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» ناقش «سان سو تشي» – رئيسة حكومة ميانمار – قضية العنف في بلادها، قائلًا إن القضية أحدثت قلقًا على مستوى العالم، ولا سيما في «العالم الإسلامي». كما دعا الرئيس الإندونيسي «جوكو ويدودو» إلى وضع حد للاضطهاد ضد المسلمين الروهينجا، وأرسل وزير الخارجية الإندونيسي لمقابلة رئيسة حكومة ميانمار. بينما دعت المملكة العربية السعودية مجلس الأمن لمناقشة القضية.

وفي محاولة تحليل رد الفعل السعودي الذي وصفه الكاتب بغير المناسب، يقول «كونسيدين» إن النقاد أشاروا إلى العلاقات السعودية السياسية والمالية العميقة في ميانمار باعتبارها سببًا لعدم اتخاذ السعودية خطوات قوية لوقف نكبة الروهينجا. وأشارت «كريستيان ساينس مونيتور» إلى أن «المملكة العربية السعودية استثمرت الملايين في البنية التحتية النفطية في ميانمار، وبدأت في استخدام خط الأنابيب الذي انتهى إنشاؤه مؤخرًا، والذي يمر عبر ميانمار وصولًا إلى الصين -أكبر داعم للحكومة في ميانمار – إذ تمدها بـ10% من احتياجاتها النفطية».

إلا أن «كونسيدين» يحاول تناول الموقف السعودي بشيء من الإنصاف؛ فيذكر أنه على الرغم من كل تلك المصالح الاقتصادية في ميانمار، بادرت المملكة السعودية لمساعدة الروهينجا، في السنوات القليلة الماضية، فتحت المملكة العربية السعودية أبوابها أمام 250 ألف مسلم من ميانمار، موفرة لهم تصاريح إقامة مجانية، والتعليم المجاني، والرعاية الصحية، والتوظيف، بيد أنها عادة ما تعاملهم بنفس الطريقة العدوانية التي تتبعها مع المهاجرين الآخرين العاملين في المملكة.

تحيز ممنهج استحث التوحد

يقول الكاتب إن أحد الأسباب التي جعلت من قضية الروهينجا محركًا قويًا للأمة هو أنها شهدت تحيزًا ممنهجًا في طريقة تغطية وسائل الإعلام لمحنة الاضطهاد بحق المسلمين، إذ بات بعض المسلمين حول العالم يعتقدون أن وصف «الإرهاب» ينطبق فقط على الحالات التي يكون فيها الجاني أو مرتكب العنف مسلمًا.

يذكر «كونسيدين» ما أظهرته بالفعل دراسة أجرتها «إيرين كيرنز» وزملاؤها في جامعة ولاية جورجيا، أنه عندما يكون المعتدي مسلمًا، فإن وسائل الإعلام تقوم بتغطية الحادث أربعة أضعاف ونصفًا أكثر مما لو كان الجاني غير مسلم. وبعبارة أخرى، تقول «كيرين» إنه «يجب أن يقتل الجاني غير المسلم سبعة أشخاص أكثر من المتوسط حتى ينال نفس القدر من التغطية الإعلامية حال كان المنفذ مسلمًا».

يعتقد الكاتب أنه من الشائع تصوير الفلسطينيين جماعيًا بأنهم أمة إرهابية، على نفس المنوال يبدو أن هناك جهودًا متضافرة من قبل الحكومة في ميانمار لتصوير الضحايا الروهينجا بأنهم معتدون و«إرهابيون بنغاليون»، جدير بالذكر أن رئيس وزراء الهند «ناريندرا مودي» استخدم نفس الأوصاف.

الروهينجا ليسوا الوحيدين

ويضيف الكاتب أنه على الرغم من أن المسلمين حول العالم يتهمون قادة الدول ذات الأغلبية المسلمة وكذلك الغرب بالصمت الشديد، إن لم يكونوا متواطئين في التطهير العرقي الذي يواجهه الروهينجا، فإنه جدير بالذكر أن أيًا من الانتهاكات التي تواجهها المجموعات العرقية الأخرى لم تحرز نفس الضجة على الساحة.

فيذكر على سبيل المثال أقلية الإيغور المسلمة المستوطنة بشكل أساسي في غرب الصين، والتي تتعرض للقمع على الصعيدين السياسي والاجتماعي، لكن يبدو أن الأمة الإسلامية غضت الطرف بينما تضطهدهم القوات الصينية، ويعلل ذلك بأن بعض قادة الدول الإسلامية حذرون من الإضرار بالعلاقات التجارية المربحة مع بكين، فضلًا عن حذرهم من لفت الأنظار لمواقفهم تجاه المعارضة السياسية في بلادهم.

ويختتم الكاتب مقاله مؤكدًا أن قضية الفلسطينيين وأزمة الروهينجا اخترق كلاهما حاجز الانقسام الطائفي، إذ سهل الاضطهاد الذي تتعرض له الفئتان تولد تضامن جياش نادر الظهور في حالات أخرى كاليمن والعراق وسوريا. ففي هاتين القضيتين، ذاب النزاع الطائفي السني الشيعي في ظل توحد مطلب المسلمين في العالم للسلام والإنسانية، لأنهما يتجاوزان خطوط الصدع التي تقسم العالم الإسلامي بكثير.

ويقول إننا يجب أن نذكر دائمًا أن الأمر لا ينحصر في كونه شعورًا وَلَّدته الرابطة الدينية بين المسلمين، لكنه شعور إنساني مشترك يستلهمه الإيمان، إذ تدعو تعاليم الدين الاسلامي إلى الرحمة والتراحم والعدل، ويدعو الإسلام أتباعه بإدانة زهق النفس البريئة: «من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا»، المائدة 32. فالملايين من المسلمين حول العالم يدافعون عن حياة الإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو قوميته.

 

مروة عبدالله

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك