ماذا يعني السوريون بقَولهم لا نُريد “دولةً صهيونيّةً بشراويل” على حدودنا الشماليّة؟

IMG_87461-1300x866

قابلت السيد مسعود البارزاني مرّةً واحدةً في حياتي في مدينة أنقرة يوم 30 أيلول (سبتمبر) عام 2012، أثناء مُشاركتي في احتفال نظّمه حزب العدالة والتنمية التّركي بمُناسبة مُؤتمره الأخير للرئيس رجب طيب أردوغان كأمينه العام، حيث لا يَسمح له النّظام الدّاخلي بالبقاء لمُدّة ثالثة.

كان نُجوم ذلك الاحتفال ثلاثة: الرئيس المصري محمد مرسي، وكان قد فاز لتوّه في الانتخابات، والسيد مسعود البارزاني، والسيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″، وحَظي الثّلاثة بحفاوةٍ بالغةٍ من المُضيف التركي، ولكن الاهتمام بالسيد البارزاني كان لافتًا، بحُكم العلاقة الشخصيّة والعائليّة بينه وبين الرئيس أردوغان.

اثنان من بين الثّلاثة المَذكورين آنفًا اختفيا من المَسرح السياسي، الأول الرئيس مرسي (فك الله أسره) يَقبع خلف القضبان تنفيذًا لعدّة أحكام بالسجن المُؤبّد، أمّا الثّاني، أي السيد مشعل، فقد استنفذ مُدّة رئاسته القانونيّة للمكتب السياسي لحركة “حماس″ التي انتخبت قيادة جديدة في نيسان (إبريل) الماضي، ويُقيم حاليًّا في دولة قطر، ولا نَعرف ما إذا كان السيد البارزاني سيُواجه المَصير نَفسه بعد الاستفتاء الذي أصرّ على إجرائه غدًا الإثنين ضاربًا عَرض الحائط بكل الوساطات والتوسّلات الإقليميّة والدوليّة التي طالبته بالتأجيل أو الإلغاء تجنّبًا للأسوأ.

 

نتائج الاستفتاء مَحسومة منذ أشهر، والمُصوّتون بـ”نعم” سيكونون الأغلبيّة العُظمى، مِثلما تُؤكّد مُعظم استطلاعات الرأي، ولكن ما يتّسم بالغُموض هو “اليوم التّالي”، أي مرحلة ما بعد الاستفتاء، وهُناك مُؤشّرات عديدة تُؤكّد أنها ستكون مرحلةً صعبةً عُنوانها عَدم الاستقرار، وربّما إشعال فَتيل حَرب قد يكون الأكراد أبرز وقودها، بالنّظر إلى ردود فعل دول الجوار التي اعتبر بَعضها الاستفتاء بمَثابة إعلان حرب.

الأكراد شاركوا بحماس غير مسبوق في الحَرب ضد “الدولة الإسلاميّة” أو “داعش”، وقدّموا المِئات من القَتلى في حرب تحرير الموصل، ولكنّهم فَعلوا ذلك بطلبٍ أمريكي، مُقابل وعود بالاستقلال كثمن، ولكن دون الاتفاق على موعد إعلانه.

الحَرب على “الدولة الإسلاميّة” التي وحّدت الأضداد، الكرد والعرب، والأتراك والإيرانيين، والأمريكان والروس، المُسلمين والمسيحيين، السنة والشيعة، هذه الحَرب التي كانت الإسمنت، أو “الغراء” القوي الذي يَصلب تحالف الجميع، ويُبقي على تماسكهم لحوالي أربعة أعوام، هذه الحرب بدأت تقترب من نهايتها، وتفكّك هذا التحالف بشكلٍ مُتسارعٍ، ربّما لتبدأ حرب إقليميّة أكثر شراسة، فالحُروب تتوالد وتتناسخ في مَنطقتنا الشرق أوسطيّة التي ممنوع عليها الاستقرار.

السيد البارزاني اختار مَوعد هذا الاستفتاء في التوقيت الخطأ، ووحّد جيرانه العرب والإيرانيين والأتراك ضدّه وشعبه، مُضافًا إلى ذلك أن كردستان لا تَملك مقوّمات الدولة، وحدودها غير محدّدة، والديون عليها تتفاقم، وخزينتها شِبه خاوية، ورواتب مُوظّفيها لم تدفع منذ اشهر، وديمقراطيتها غير مكتملة، بل غير موجودة، فالرئيس انتهت صلاحيّة حُكمه منذ عامين، وهناك شكوك بانعقاد الانتخابات الرئاسيّة المُقرّرة في تشرين ثاني (نوفمبر) المُقبل، والرئيس البارزاني أقدم على تجميد البرلمان وجَلساته فَور سُؤاله عن مَصير العوائد النفطيّة، ومُطالبة بعض النواب بتحديد صلاحياته المُطلقة، مُضافًا إلى ذلك استفحال الفساد، ووجود انقسامات حادّة بين السليمانيّة، التي يُسيطر عليها حزب الاتحاد الطالباني، وأربيل مركز حكم آل البارزاني.

زوّار أربيل الذين اتصلنا بهم، قالوا لنا أن الأجواء مُتوتّرة جدًّا، وهُناك فرحة ممزوجة بالقلق في أوساط أغلبيّة الأكراد، فرحة بإجراء الاستفتاء وإعلان الاستقلال، وقلق من المُستقبل، فالحصار عليهم بدأ قبل يوم من الاستفتاء، فإيران والعراق أغلقا حُدودهما البريّة وأجواءهما، وتركيا وإيران يُجريان مُناوراتٍ عسكريّة، والحَشد الشعبي العراقي عجّل بمعركة الحويجة للانقضاض على كركوك ومدلين وخانقين وبدرة وسنجار وسهل نينوة، وانتزاعها جميعًا من سيطرة البشمرغة، والطامّة الكُبرى ستكون عندما تُقدم تركيا على إغلاق أنبوب النفط الذي يَضخ النفط الكردي، مصدر الدخل الأكبر، إلى العالم الخارجي، أمّا الدول الأوروبيّة التي رفض السيد البارزاني نصائحها بتأجيل الاستفتاء، بدأت التهديد بوَقف مُساعداتها للإقليم.

السيد حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، اتّهم السيد البارزاني بالخُروج عن سُلطة الدّولة، والتمرّد على قرارات المَحكمة الاتحاديّة العُليا التي أفتت بعَدم دستوريّة الاستفتاء، بينما قال السيد محمد علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي، أنه يُشكّل تهديدًا لأمن تركيا القومي، فردّ السيد البارزاني بقوله “أن العراق أصبح دولةً دينيّةً طائفيّةً وليس دولةً ديمقراطيّةً، والاستقلال فقط هو المُكافأة الوحيدة لأمّهات الشّهداء”، بينما قال الثاني أنه جاهزٌ لكل الاحتمالات.

إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تدعم هذا الاستفتاء عَلنًا، وتُحرّض البارزاني على إعلان الاستقلال، وربّما تكون هي الوحيدة التي ستَعترف بدولة كردستان، التي لا نَستبعد أن يكون حالها حال دولة رؤوف دنكطاش القبرصيّة التركيّة، التي جَرى إعلانها قبل أكثر من أربعين عامًا، مع فارق أساسي، وهو أن الخَصم القُبرصي اليوناني ضعيفٌ ومُسالم، واليونان دولة زميلة لتركيا في حلف الناتو، بينما الدولة الكرديّة الجديدة سَتكون مُحاصرة بأربعة قوى إقليميّة، هي إيران وتركيا وسورية والعراق، وتَعتبرها “خط أحمر” ومُقدّمة لتقسيمها وتفتيتها لوجود أقليات كرديّة فيها تتطلّع للاستقلال نفسه.

 

الدكتور نضال قبلان السفير السوري السابق في أنقرة لخّص حقيقة مواقف هذه الدّول بشكلٍ واضحٍ في لقاء مع قناة “الميادين” صباح اليوم عندما قال “أن سورية لن تَسمح بقيام “دولة صهيونيّة” بشراويل على حُدودها الشماليّة، في إشارةٍ إلى نزعاتٍ استقلاليّة لاكراد سورية، وتقدّم قوّات سورية الديمقراطيّة نحو دير الزور، واستيلائها على آبار نفط وغاز، وإجراء انتخابات بلديّة في مناطق كرديّة شماليّة تمهيدًا لأُخرى برلمانيّة، ولا نعتقد أن الإيرانيين والأتراك والعراقيين يُخالفون الدكتور قبلان الطّرح نفسه، وهو على أي حال لا يأتي بهذا الكلام من عنترياته.

السيد البارزاني وحّد مُعظم جيرانه ضدّه على أرضيّة العَداء، فهُناك معلومات شِبه مُؤكّدة تُفيد بأن وفدًا أمنيًّا تركيًّا التقى نَظيره السّوري قبل أيام مَعدودة برعاية روسيّة، لتنسيق المَواقف في مرحلة ما بعد الاستفتاء في أربيل إلى جانب مُناقشة الوضع في إدلب، وذَكرت أنباء أن الاجتماع كان صاخبًا، تبادل فيه الطّرفان اللّكمات الكلاميّة، ولكن من كان يتصوّر قبل بِضعة أشهر مثل هذا اللّقاء شِبه المُستحيل.

حق تقرير المَصير أمر مَشروع لكل الشّعوب، لكن شريطة تَوفّر الإمكانات والضّمانات المَطلوبة والتوقيت المُلائم، ولا نَعتقد أن السيد البارزاني أجرى حساباته بشكلٍ دقيقٍ قبل الإقدام على هذه الخُطوة المَفصليّة في تاريخ أمّته الكُرديّة.

استفتاء اليوم قد يُحقّق الاستقلال “نظريًا” للأشقاء الأكراد، ولكنّه ربّما يُشعل فتيل حرب عرقيّة تمتد لسنوات، والخَوف كل الخَوف أن لا يَختلف مصير الدولة الكرديّة المَأمولة عن مصير “الدولة الإسلامية” مع الفارق الكبير جدًّا في المُقارنة والظّروف والمُعطيات، فالتحالف الذي قَضى على هذهِ “الدّولة” جُغرافيًّا، هو نَفسه الذي يَستعد لشَن حربٍ أُخرى ضد الدولة الكرديّة التي تعيش مخاض الولادة.. والله أعلم.

 

عبد الباري عطوان

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. عدنان

    منذ أن هدمت خلافة المسلمين سنة 1924م، وكل أعداء الدين بقيادة الغرب المستعمر، يعملون على أن لا تعود؛ لأنهم يدركون أن الإسلام والمسلمين لا يعزُّون إلا بها، وأن قيامها سيهدد مصالحهم الاستعمارية بشكل حقيقي، بل ووجودهم وتأثيرهم السياسيين حول العالم. ولا شك أن خوف الغرب من انبعاثها من جديد، قوة سياسية قد ظهر جلياً في وقوفه بقوة إلى جانب عملائه في المنطقة بعد أن هزت أركانهم الثورات التي اندلعت في غير مكان. ولا شك أيضاً أن الثورة السورية ودعوتها الإسلامية ودعوتها لعودة الخلافة قد أرعب الغرب عموماً وأميركا خاصة من قيامها هناك، ما جعلهم يستميتون في دعم عميلهم بشار، وقبولهم لأن يبادَ الناس وتهدم البلد حتى يتوقفوا عن الدعوة لها. نعم… هذا هو السر الحقيقي وراء سكوت العالم  (الكافر المخدر  ) على الإبادة الجماعية والتدمير المنظم في سوريا حتى لا تضيع من أيديهم لصالح المجاهدين المخلصين، الذين أعادوا الخلافة وأرعبوا العالم الكافر الظالم

  2. كلاهما كفار النصيرية كافرون والبيكاكا ملحدون يتظاهرون بالعداوة وهم ضد الدولة الإسلامية متحالفون كالشيعة وآل سعود اليهود يتظاهرون بالعداوة ومع النصارى واليهود متحالفون لمحاربة الدولة افسلامية لأنها تطبق الدين,

  3. adnane

    هذا هو خطاب الرئيس الأمريكي أمام الكونجرس عن حال الاتحاد اليهودي المسيحي............إقرأ وتمعن ألقى الرئيس الامريكي" جورج دبليو بوش" خطابا امام الكونجرس عن حال الاتحاد اليهودي المسيحي بتاريخ 29/1/2002 وقد تضمن تفصيلات خطيره عن الخطط المستقبلية للثيا سبة الامريكية في العالمين العربي والاسلامي.....والعجيب ان اعلامنا العربي تجاهله ولم يتطرق لمضامينه. وبين يدي ترجمة لأجزاء من هذا الخطاب نشرتها صحيفة الخليج انقله : يقول الرئيس الامريكي: السيد الرئيس اعضاء الكونجرس, المواطنون الامريكيون: اود بكل اعتزاز ان اقول لكم ان حال الاتحاد المسيحي اليهودي الابيض والثري قوية تماما ولم يحدث ابدا في تاريخنا ان كانت القوة الامريكية والهيمنة الامريكية والقيم الامريكية قوية ومهابة ومحترمة ومقبولة في العالم كما هي اليوم. فاليوم يوجد العلم الامريكي والقوات المسلحة الامريكية ووكالة الاستخبارات المركزية"سي اي ايه" ومكتب التحقيقات الفيدرالي في اكثر من 100دوله لضمان السلام والاذعان والتحرر من الخوف والارهاب... وينبغي ان يكون الامريكيون فخورين بي وبحكومتهم وبرجال القوات المسلحة ونساءها الذين يضحون بمباهج الحياة من اجل ضمان استمرار اسلوب حياتنا الامريكية.. انني فخور ان ابلغكم ان طالبان قد انتحرت وان كابول تحررت وان اسامة بن لادن والملا محمد عمر اما ا ن يكونا قد قتلا او انهما يحتضران او يختفيان ولكن ليس لوقت طويل اذ انني مصمم على تقديمهما للعدالة حيين او ميتين ! وان ابلغكم ان النساء الافغانيات تخلين عن براقعهن الى الابد وان الفتيات الافغانيات رجعن الى المدارس ليطالعن "كيف ظفرنا بالغرب الامريكي" وان رمز الحضارة الغربية الثقافي الاكثر اهمية وهو التلفزيون عاد للحياة الافغانية والافغان سعداء الان واحرار في التنقل في بلادهم لزراعة الافيون  ! ! ! ! وعلى الرغم من ان الحرب في افغانستان توشك على نهايتها فإن امامنا طريقا طويلا ينبغي ان نسيره في العديد من الدول العربية والاسلامية ولن نتوقف الى ان يصبح كل عربي ومسلم مجردا من السلاح وحليق الوجه وغير متدين ومسالما ومحبا لأمريكا ولا يغطي وجه امرأته نقاب  ! ! ! ! انني مصمم على استخدام جميع مواردنا لتحقيق ذلك قبل انتخابي لفترة رئاسية ثانيه... وقد اهتمت ادارتي بوضع سياسة طاقة قومية تحت اشراف نائب الرئيس "تشيني" وسنبدأ على الفور بالحفر في ارجاء اراضينا للتنقيب عن النفط وسنبدأ العمل في مشروع طموح لبناء خط انابيب مباشر تحت الماء من السعودية والخليج وايران والعراق الى نيويورك وعلى نفقتهم  ! ! ! ! لضمان امدادات نفطية غير منقطعة. لقد حان الوقت لنعيد تشكيل العالم ليصبح على صورتنا  !. وبفضل إلهنا سنقوم نحن شعوب العالم من الجنس الابيض المتحضر بفرض معتقداتنا الرزينة والودودة والتحررية على عالم جائع لأموالنا ورسالتنا.. ! !.ولن يخضع الرجال بعد الآن لشرط اطلاق اللحى ولن تخضع النساء لشرط تغطية وجوههن واجسادهن ! ! ! ! ومن الآن فصاعدا يحق للعالم تناول الخمر والتدخين وممارسة الجنس السوي او الشذوذ الجنسي بما في ذلك سفاح القربى واللواط والخيانة الزوجية  ! !والسلب والقتل ومشاهدة الافلام والاشرطة الخلاعية داخل فنادقهم او غرف نومهم ! ! !وبالنسبة لشركاتنا التي تنتج مثل هذه المنتجات فسيحق لها الوصول من دون اي عقبات للدول المتخلفة التي منعت تلك الحريات عن شعوبها ! ! ! انني آمل ان اكون قد حافظت على إرث آل بوش حيا بمحاربة العرب والمسلمين طيلة عشر سنوات لضمان استمرار الفوضى في بلادهم ! ! !ولن يجبرنا ملك او امير عربي نفطي على تحسين كفاية وقود سياراتنا المتطورة وهذا لن يحدث وانا رئيس للولايا ت المتحدة وعلى العكس سيضطرون لزيادة الانتاج وتخفيض الاسعارانتهى ، لمراجعة النص الاصلي للخطاب بالإنجليزية على الرابط التالي : http://www.mediamonitors.net/khodr60.html# يا إخوتاه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "كل منكم على ثغرة من ثغر الإسلام .. فليحذر أن يُؤتى الإسلام من قِبَله" فالإسلام قلعة حصينة أبوابها بعدد المسلمين و أنت .. أخي المسلم / أختي المسلمة .. حارس على أحد أبواب تلك القلعة الحصينة فاحذر .. احذر .. أن يُؤتى الإسلام من قِبَلك

الجزائر تايمز فيسبوك