استفتاء كردستان والدور الإسرائيلي

IMG_87461-1300x866

يمثل الاستفتاء المزمع عقده هذا الشهر في كردستان العراق على استقلال الإقليم تحديا جديدا لوحدة العراق التاريخية. ويحمل معه على التصميم الصادر من أربيل، مؤشرات صراعات جديدة على أراضي العراق ومع جواره. كما أنه مؤشر عما حققته البيشمركه في الحرب ضد تنظيم «الدولة» مع الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي التي حررت مدينة الموصل، جوهرة ما أطلق عليها الخلافة من تنظيم «الدولة» الإسلامية. وزاد الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي نسبة الأراضي التابعة له بنسبة 40٪. وفي الوقت الحالي لا يزال إقليم كردستان يعمل كوحدة فدرالية ضمن العراق، إلا أن الاستفتاء المزمع عقده في الخامس والعشرين من الشهر الحالي سيضع الإقليم على مسار الاستقلال وهو ما تطلع إليه أكراد العراق منذ الاستفتاء غير الرسمي الذي عقد عام 2005 وصوتوا باجماع على الاستقلال. وفي مقاربة نشرتها مجلة «فورين أفيرز» (25/8/2017) ناقش كل من ماثيو فرانكلين كانسيان وكريستين فاب، أن الاستفتاء المقبل والسيطرة على المناطق هي محل نقاش حاد في داخل الإقليم ومع الحكومة العراقية. وينظر الخبراء بالشأن العراقي للاستفتاء والسيطرة على المناطق وموقف البيشمركه منها على أنها مفتاح لمستقبل العراق. والسبب هو طبيعة السياسة داخل الإقليم، حيث يتساءل الباحثون عن وحدة الأطراف الكردية نفسها. ففي داخل الإقليم ينقسم الأكراد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وخاض الطرفان حربا طاحنة في التسعينات من القرن الماضي ولا يزالان منقسمان في الأهداف رغم الخطوات التي اتخذت نحو الاندماج. بل وزاد من الوضع السياسي تعقيدا ظهور فصيل سياسي جديد اسمه «غوران» (التغيير) عام 2009 والذي يزعم أنه يعارض كلا الحزبين وسياستهما الفاسدة. ومن أجل فهم مواقف البيشمركه قام الباحثان بدراسة مسحية هذا الصيف شملت 2.339 من محافظات دهوك والسليمانية وأربيل وحلبجة بالإضافة لكركوك ونينوى. واستطلع الباحثان أراء مقاتلين من البيشمركه شاركت نسبة كبيرة منهم في السيطرة على الأراضي التي تم طرد مقاتلي تنظيم «الدولة» الإسلامية منها. ورغم تنوع أعمار المشاركين فيها إلا أن معظمهم من الأكراد المسلمين الرجال. وتركزت الدراسة على سؤال يتعلق بدوافع المقاتلين الانضمام للبيشمركه ورأيهم في توحيد صفوفها وأخيرا موقفهم من مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» ومصير المناطق التي تحررت منه. واكتشف الباحثان ان نسبة 98٪ من المقاتلين يرغبون بالاندماج في قوة عسكرية واحدة غير مسيسة. لكن لا يعني هذا بالضرورة دعم الوحدة بين المجموعتين الرئيسيتين والتوجه نحو إلغاء المكاتب التي خدمت مقاتلي كل حزب.

ولاء قبلي

واكتشف الباحثان أيضا أن الهوية القبلية بارزة في طريقة نظرة المقاتلين لمستقبل إقليمهم وهي نظرة تتغلب على الولاء الحزبي. فنسبة 92٪ منهم حددوا هويتهم بالقبيلة. وبدت النزعة داخل مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني أكثر من حزب الاتحاد الكردستاني. ورغم الهوية القبلية وأهميتها إلا أنها لا تتسيد العلاقات داخل وحدات البيشمركه، فهناك نسبة 26٪ من الفرق ممن يقودها عسكريون ينتمون لنفس القبيلة. ولأن العلاقات القبلية لا تتسيد البشمركه فهي إشارة إيجابية عن إمكانية توحيد فرقها في كيان واحد/ جيش وطني. وإذا كانت القبلية لا تجمع الأكراد فإن الوطنية تجمعهم. ففي سؤال حول الدافع الذي جعل مقاتلي البيشمركه يواصلون القتال أجابت نسبة 73٪ أنهم «قاتلوا من أجل كردستان». وقالت نسبة 88٪ إنها انضمت للقوات للدفاع عن كردستان. وهناك نسبة 44٪ عللت انضمامها بالأسباب الاقتصادية. وفي الوقت الذي يعيش فيه الإقليم مصاعب اقتصادية قالت نسبة 75٪ إنها ظلت تقاتل من أجل الوطن رغم أنها لم تستلم رواتبها لمدة ثلاثة أشهر ورفضت ترك وحداتها في الأوقات الصعبة. وقالت نسبة 45٪ أن وطنيتها الكردية نابعة من الجرائم التي ارتكبت بحقهم أثناء فترة حكم صدام حسين. وفي الفترة الأخيرة تلك التي ارتكبها تنظيم «الدولة». وهناك نسبة 24٪ ذكرت أنها اندفعت للقتال نظرا لكون أبناء عائلاتها ضحية إما لصدام أو تنظيم «الدولة». وقالت نسبة 10٪ إنها تريد الانتقام مع ان عددا منهم نسب سبب الانتقام للآخرين. فعندما سئلوا عن السبب الرئيسي الذي دفع السنة لدعم تنظيم «الدولة» قالت نسبة 51٪ إنه من أجل الانتقام من بغداد. وذكرت نسبة 24٪ من المشاركين سببا آخر وهو الرغبة لحماية الهوية العربية السنية من الهيمنة الشيعية. ورأت نسبة 27٪ أن التوافق مع أيديولوجية التنظيم كانت العامل وراء الانضمام.

مصالحة

ويعتقد الباحثان أن مواقف البيشمركه من العرب السنة الذين انضموا لتنظيم «الدولة» مهمة لعملية المصالحة. وترى نسبة 75٪ من البيشمركه أن دعم السنة كان مشروطا ومن هذه النسبة فقط 10٪ دعمت التنظيم. وبالمحصلة وجد الباحثان أن مظاهر العداء تجاه السنة ليست متأصلة، إلا ان مشاركة بعضهم مع تنظيم «الدولة» لن تغفر. وفرق البيشمركه بين قادة تنظيم «الدولة» وأنصارهم، حيث قالوا إن القادة هم الذين يستحقون العقاب. وبالنسبة لأنصار التنظيم قالت نسبة 10٪ إنه يجب إعدامهم مقابل 72٪ طالبت بمحاكمتهم و31٪ بإعادة تأهيلهم. ورغم ما تكشفه الدراسة من نزعة نحو وحدة القوات الكردية والتي ستمنح أراضي كردستان استقرارا في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» إلا أن هذا لا يعني منع حصول النزاعات. والوحدة في النهاية تعتمد على الشفافية في التعامل مع المناطق المتنازع عليها وتحقيق العدالة الانتقالية لمن دعموا تنظيم «الدولة». ويجب والحالة هذه تجنب العقوبات القاسية والضرب والاعدامات والاختفاء القسري. وبدلا من ذلك يجب تقديم الجناة لمحاكم عادلة وتعليمهم وإعادة تأهيلهم وإنشاء لجنة للمصالحة. وما يهم هو العلاقة بين البيشمركه وقوات الحشد الشعبي التي تعمل في المنطقة. ففي الوقت الذي قالت فيه نسبة 50٪ إنها لا تصدق أن البيشمركه ضربت وعذبت السنة، إلا أن نسبة قليلة رفضت تكذيب الاتهامات نفسها التي وجهت للحشد الشعبي.

مخاوف إيرانية

وبعيدا عن مواقف البيشمركه والقيادة الكردية فإن السياق الدولي والإقليمي غير متحمس للاستفتاء الكردي، ففي زيارته الأخيرة للمنطقة طالب جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي مسعود بارزاني تأجيل الاستفتاء. وجاءت الدعوة الأمريكية في إطار الحملة على تنظيم «الدولة». وحذرت إيران وتركيا من تداعيات الاستفتاء المقبل. في وقت تحاول فيه روسيا موضعة نفسها وتأكيد حضورها من خلال الساحة السورية. ولعل المحور التركي – الإيراني هو الأكثر رفضا للاستفتاء. وفي الوقت الذي كان يقوم فيه رئيس هيئة الأركان المشتركة الإيراني محمد حسين باقري بزيارة أنقرة منتصف آب (أغسطس) كان قادته العسكريون يحشدون قواتهم على الحدود الإيرانية مع العراق. وهذه هي المرة الأولى التي تسعى فيها إيران لدعم من تركيا. وبالإضافة للقوات كثفت إيران من طلعات طائرات بدون طيار. وتكهن الكثيرون عن إمكانية شن عملية إيرانية – تركية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني إلا أن طهران نفت سريعا الأخبار. وفي المناطق التي احتشدت فيها القوات الإيرانية هناك عناصر من تنظيم «الحياة الحرة في كردستان» وهو الفرع الإيراني لحزب العمال – بي كي كي. ونقل محمود بوز أرسلان عن محمد ألكيس، طالب الدراسات العليا الذي يراقب كردستان العراق قوله إنه لم يكن مصادفة نقل إيران قواتها بشكل مفاجئ إلى المنطقة. وقال في تقرير نشره موقع «المونتيتور» (6/9/2017 ) «تعتبر إيران سوريا والعراق مناطق استراتيجية من ناحية الغاز والنفط ومهمة عسكريا وسياسيا. وكردستان مستقل يمثل تهديدا كبيرا لإيران. وذكر الإعلام الإيراني أن بغداد تخطط لشن هجوم عسكري على أربيل إلا ان الحكومة العراقية نفتها وبشدة». وفي نيسان (إبريل) ذكرت تقارير أن قائد فيلق القدس قاسم سليماني التقى مع مجموعات مقربة من إيران ومعارضة للاستفتاء ولبارزاني. ورغم محاولة إيران التأثير على الاستفتاء إلا أنه ليس من المحتمل أن تتدخل عسكريا لوقفه وقد تحاول التلاعب بالوضع. وأضاف أن إيران تتمتع بتأثير في كردستان العراق خاصة في السليمانية.

فتش عن إسرائيل

وتظل إيران من الأطراف المعارضة للاستفتاء إلا أن إسرائيل مهتمة به وتدعمه. ومن هنا سادت تكهنات من أن التحرك الإيراني العسكري على الحدود موجه بالضرورة ضد إسرائيل. ويرى صديق حسن سكرو المحلل السياسي في أربيل أن إسرائيل تلعب دورا في تحركات طهران. وقال ان الحشود العسكرية ليست الدافع الرئيسي وإنما محاولة طهران التأثير وإضعاف الدور الإسرائيلي والسعودي في منطقة كردستان العراق. وقال: «قلق إيران ليس نابعا من الاستقلال وإنما من علاقة إسرائيل بكردستان. وتقوم إسرائيل بعمل كبير لبناء بنى تحتية لها. ولدى السعودية أهدافها الخاصة بالمنطقة وتفهم إيران جيدا الخطط السعودية والإسرائيلية. وكلاهما يطمح بنشوء حرب بين قوات الحشد الشعبي الشيعية والأكراد. ولهذا السبب تشعر إيران بالقلق والخطوات التي تقوم بها موجهة ضد إسرائيل». وفي الوقت الذي تقوم فيه إيران بتعزيز موقعها في المنطقة بدعم من الحكومتين العراقية والسورية وحزب الله وبعض الجهاديين إلا أن التوتر سينفجر بين السعودية وإيران بعد هزيمة تنظيم «الدولة» وستكون كردستان العراق ساحة للصراع ليس بسبب طموحاتها الاستقلالية ولكن بسبب الحرب بين إيران من جهة والسعودية وإسرائيل من جهة أخرى». ومع إن إيران دعمت الحكم الذاتي في كردستان في مرحلة ما بعد الخليج عام 1991 إلا أن موقفها تغير بسبب التدخل الإسرائيلي. وهي مصممة في الوقت الحالي على إحباط الاستقلال في كردستان العراق لمنع تأثير أوسع لإسرائيل عليها.

مديح

وفي النهاية فالرهانات كبيرة خاصة إن قرأنا ما كتبه برنارد هنري ليفي، الفيلسوف اليهودي الفرنسي الذي تدخل في ليبيا وكتب مديحا للأكراد في مجلة «فورين بوليسي» (6/9/2017) جاء فيه «الاستفتاء الكردي ليس فعل قوة بل حق. إنه دين وهو معلمة مهمة لشعب عظيم قدم الكثير للعالم. ففي الماضي كانوا من بين الذين أنقذوا اليهود واليوم قدموا للعالم البيشمركه الذين حرروا ويحمون الآن آخر الشعوب المسيحية في الشرق الأوسط. وظلوا لقرون منبع الإسلام المتنور، ففي ثنايا الروح وليــس فقط في نيران المعركة يظلون الرد الأفضل على لعنة الإسلام الراديكالي. وحان الوقت كي يشرف العالم الأكراد كما شرفونا».

تعليقات الزوار

اضف تعليق


well, this is out capcha image

الجزائر تايمز فيسبوك