الآلة العسكرية الفرنسية تدخل في صراع مفتوح مع الإرهاب الجهادي

IMG_87461-1300x866

إن تحديد حالة الصراع التي توجد فيها فرنسا منذ عام 2015، تستوجب تحديد شروط التوجه، والمضمون، والحدود التي على السياسة الخارجية لفرنسا اتخاذها، منذ بدأت الدولة الإسلامية اعتبار فرنسا واحدة من الأهداف المفضلة لديها. يستنتج من ذلك أن المسؤولين الفرنسيين قد توجب عليهم منذ عام 2015 الإجابة عن الإشكالية الداخلية والخارجية في آن واحد، والتي طرحها وجود جهاديين يتحدرون من فرنسا، ذلك بدءًا من الرئيس فرنسوا هولاند بعد الأعمال الأشدّ ضراوة التي اقترفت على التراب الوطني. وفي إجابتهم عن ذلك كان لا بدّ من التمييز بين حرب تخاض وقد التزم بها البلد في الشرق الأوسط، بهدف القضاء على جماعة الدولة الإسلامية، وبين الصراع ضدّ الإرهابيين الجهاديين على المستوى المحلي.

إذا صعب إنكار الترابطات بين هذين الصعيدين، فإن عبارة "حرب" هي العبارة المستخدمة من جانب الآلة العسكرية الفرنسية ضدّ أهداف مجموعة داعش، وليس ضدّ كل المعارضين في الأزمة السورية- العراقية الذين يقولون بالجهاد. على الصعيد الداخلي، كان لمثل هذه النظرة نتائج أساسية أمنية، مثل إيجاد (5000) وظيفة إضافية في أجهزة البوليس وإيجاد (2500) في جهاز القضاء، إذا أخذ بالاعتبار أنه لا بدّ من إعطاء أفضلية لإجراءات المعلومات والحذر والتفهم في الصراع ضدّ الحركة الجهادية. وعلى الصعيد الخطابي يتحدث فرنسوا هولاند عن وجوب اتخاذ كل الإجراءات الضرورية بهدف القتال ضدّ "إرهاب الحرب"، معيداً إلى الأذهان أن فرنسا هي في حالة "حرب ضدّ الإرهاب الجهادي الذي يهدد العالم كله". يستنتج من ذلك أن الفرنسيين، بدءًا من الذين انضموا إلى الدولة الإسلامية، رجالاً أو نساءً، هم بمثابة مقاتلين، لكنهم لا ينتمون إلى جيش محددة هويته، وهذا ما يشكل مفارقة ثقافية وقانونية مقارنة بالخطاب الذي أُشير إليه، لكن ذلك يسمح بتجاوز الإجراءات الشرعية العالمية في حالات شن الحروب، باعتبار أن بإمكان فرنسا أن تتصرف دون مراعاة أو احترام بعض قواعد معاهدة جنيف التي تحدد حدود استعمال القوة، إلى جانب واجبات الجهات المتداخلة في الصراع، الواحدة منها تجاه الأخرى.

وهكذا نجد أن هذه الحرب لا تظهر استجابة كاملة لمنطق يتغير بحدة، حين يتعلق الأمر بالجهاديين الفرنسيين. إن الخشية من عودة هؤلاء الجهاديين إلى البلد، هذا إلى جانب استعادة التجنيد لصالح الدولة الإسلامية (أو لصالح مجموعات عسكرية أخرى متورطة في الصراع السوري– العراقي) حيث الدعاية ضدّ الغرب، وخصوصاً ضدّ فرنسا هي أقوى من أي وقت آخر، مع الأخذ بالاعتبار أن انخفاض عدد المقاتلين في الشرق الأوسط قد يعني زيادتهم في الموطن الأصلي، إن ذلك كله قد يدفع نحو القضاء على الفرق الفرنسية المقاتلة من أجل الحركات الجهادية. إن المعركة التي تخاض حالياً في الموصل، هي معركة تخاض من الجانب الفرنسي، ولكن بغية القضاء على الخارجين من فرنسا، والذين باتوا من عناصر الدولة الإسلامية، وذلك حصراً من خلال التعاون مع قوى الحكومة العراقية.

ولتحقيق ذلك تستخدم فرنسا طائرات مراقبة من دون طيار، وتتدخل في التقاط المحادثات عبر الراديو، الأمر الذي أمَّن للجيش الفرنسي والعراقي لائحة بالمقاتلين لا تتناول الفرنسيين وحسب، بل والناطقين باللغة الفرنسية، والذين يصار للبحث عن كيفية تصفيتهم. وإذا كانت وزارة الخارجية قد نفت بوضوح هذه الوقائع مؤكدة أنها تقوم بأعمالها مع مراعاة كلية "للقانون الدولي"، فإن الصورة القضائية المهتزة المحيطة بتحديد المقاتلين الأمميين العاملين لصالح الدولة الإسلامية قد أتاحت بطريقة لا لبس فيها الاستفادة من عدم الوضوح المتعلق باستخدام لغة حرب، حيث إن القائمين بهذه الحروب لا يدخلون في المقولات الكلاسيكية للصراع بين دول محددة هوياتها.

استباق الالتحاق بالحركة الجهادية

إلى جانب الذهاب إلى مسارح الصراع حيث نجد تورطاً للحركات الجهادية، وإلى جانب عودة المقاتلين إلى فرنسا، يطرح السؤال أيضاً حول إشكالية الكفاح ضدّ الالتزام الراديكالي على المدى الطويل. يتناول هذا البعد بالتحديد مسألة العلاقة بالإسلام، وبشكل خاص عوامل انبثاق أخلاق عنفية من صلب هذه الديانة. وإذا كانت مسيرة حياة الجهاديين الفرنسيين تبرز -غالب الأحيان- غياباً للتربية الدينية، فإن الاستعدادات لتقبل تصور عنفي لما هو ديني وسط فئة من الشبيبة الفرنسية المسلمة (دون أن ننسى الفئة من الأشخاص الذين اعتنقوا الإسلام، دون أن يكون لهم ارتباط مسبق بهذا الدين) تستدعي داخل هذا الدين وداخل دوره المتبلور حالياً وجود أحقاد وضغائن أيديولوجية.

يمثل شغل فرنسا الرتبة الأولى في العالم الغربي لما فيها من أعداد مقاتلين ذهبوا إلى مناطق الحرب التي تتورط فيها المجموعات الجهادية، يمثل ذلك موضوعَ نقاش مكثّفاً حول فشل نموذج المجتمع الذي أتاح وجود مثل هذه الظاهرة. إن المناصرين لقراءة أيديولوجية -بادئ الأمر- تتناول الارتباط بالطروحات المتطرفة التي تعلنها هذه الحركات، يبرزون بشكل أولي وجود تطرف في بعض أشكال التماهي مع الإسلام، وهذا ما يندرج في إطار تحليلات جيل كيبل Gilles Kepel، الذي يعتبر أن الأرضية السلفية تقدم "الخلفية الثقافية للحكرة الجهادية"، وهو يرى أن ذلك يشكّل من هذه الناحية الغرض الأولي الذي يجب أن تركز عليه السلطات العامة. وبالمقابل، نجد جامعياً آخر، مثل أولفيه روي يدافع عن فكرة أسلمة النزعة التطرفية، وهو يعني بذلك الإشارة، ولكن بلغة دينية، لنوع من الخصومة ولشعور بالتمرد موجودين بشكل مسبق من جيل إلى جيل. وإذا كان ثمة صعوبة في التحديد الدقيق لأسبقية الاعتبارات الدينية أو الاجتماعية، فبالإمكان مع ذلك أن نلاحظ أن المظاهر السوسيولوجية التي يستحضرها المخيال الجهادي هي مظاهر تقارب بالبعد المتوارث. وبالفعل، إذا سلمنا سلفاً بتطرف الإسلام، فلا بدّ من الاعتراف بأن فرقاً كاملةً من الجماعات الإسلامية في فرنسا، وفي الغرب عامة، بل في كل العالم الإسلامي ستظل تصم الآذان عن شرعنة العنف، وعن تقييم الفتنة الشاملة باسم الإسلام، وهذا ما يعتبر عناصر مفصلية في الحراكات الجهادية، الأمر الذي يسمح بالافتراض بأن قبول مثل هذا المنحى التطرفي، إنما يتعلق بقوة بالكبت الذي نلاحظه وسط فئة لا يمكن تجاهلها وسط الشبيبة الإسلامية المعاصرة.

ثم إن بعض المفكرين قد أشاروا إلى شدة وزن العلمانية الفرنسية بوصفها قوة مانعة، معتبرين ذلك سبباً من الأسباب التي تسهم بها فرنسا في إنتاج العديد من الاستعدادات ليصبح المرء جهادياً وهو في عزّ شبابه. إن وجود نفي مضمر لثقافات الأصل إلى جانب التخلي عن الانتماءات الدينية وسط الفضاء العام، إن ذلك قد أصبح موضوع تأمل من الدرجة الأولى، بمعنى أن العلمانية الفرنسية تولد الفوضى التي تؤمن ازدهار الالتزام الجهادي، كما يعتقد مفكرون آخرون، وخلافاً لما قيل آنفاً، إن العلمانية ولكونها قيمة أساسية في الميثاق السياسي الجمهوري، فإنه من الطبيعي أن يكون رد الفعل الجهادي (الموجه ضدّ ما يفترض أن يكون مداناً من جانب الإسلام مثل الديمقراطية، والحرية وحقوق الإنسان أيضاً) أن يكون كثيفاً وأن يجعل من فرنسا عدواً للإسلام.

إن الحلول المقترحة سواءً تمّ التركيز على الصراع الأيديولوجي، أو على العوامل السوسيولوجية التي قد توصل إلى القيام بمهام جهادية وإلى الالتزام المتطرف بشكل عام، إن هذه الحلول تتراوح بين إصلاح الإسلام وإعادة تنقيح الخطاب الديني أكثر فأكثر باتجاه الولاء لمبادئ جمهورية، التي بإمكانها وحدها أن تعصم من القراءات الأصولية التي تعتبر أرض الجهاديين الخصبة، هذا إلى جانب تعزيز الاندماج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لدى من هم الهدف الأساسي من الخطاب الجهادي، ونعني بهم الشباب من المسلمين.

إننا نلاحظ خط الانغلاق نفسه بخصوص السياسات الخارجية عند بعض الدول، وفرنسا على رأسها، حيث نجد لها دوراً ضئيلاً، أو هي سياسات لا تركز على ظهور مثل هذه الأيديولوجيا. إن الروابط مع بعض الملكيات في بلدان الخليج، إلى جانب التفكير المتعلق بمكانة السكان السنّة في الشرق الأوسط، بهدف الحماية منذ سقوط بعض الدول التي باتت تلعب الورقة الطائفية (سوريا، العراق...)، هذه كلها عناصر تخضع للنقاش بهدف تفسير التعاطف مع الحركات الجهادية التي تؤثر على بعض المسلمين الأوروبيين بهدف التضامن الديني العابر للأمم.

 

حفيظ بوقرة للجزائر تايمز

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. الجهاد أسمى فريضة ربانية نعتز بها قال الله تبارك وتعالى : ـ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ{9} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ{10} تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{11} يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{12} وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ{13} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ{14} وقال رسوله صلى الله عليه وسلم:ـ  (ذروة سنام الإسلام  :  الجهاد في سبيل الله   (  لا يناله إلا أفضلهم   )   

  2. راشد

    سوف لن يتوقف هذا القصف المتواصل ليل نهار من دول الإستعمار بمشاركة الطغاة الأعراب الذين يحاربون الإسلام ويسمونه "إرهاب"والقوات الرافضية المجوسية والروسيةعلى بلا د الدولة الإسلامية إلا بتطوير العمليات الإستشهادية في البلدان الغازية

  3. العمري

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ( يا معشر المهاجرين   !  خصال خمس إذا ابتليتم بهن و أعوذ بالله أن تدركوهن  :  لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جور السلطان عليهم و لم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء و لولا البهائم لم يمطروا و لم ينقضوا عهد الله و عهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم و ما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز و جل و يتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم  ) . ‌

الجزائر تايمز فيسبوك