بين الأعراض والداء..والفروع والأصول

IMG_87461-1300x866

تضطرني مقاربة عدد من الإخوة المعارضين الشرفاء للوضع السياسي الجزائري للتدخل..لإعتقادي أن الأمر يحتاج إبداء الرأي المختلف عل الأمور تتزن...
استمعت منذ أيام لتحليلات حول الصراع القائم حاليا..وخلص البعض إلى أن الهدف من الهجوم الذي يشنه تبون هو تحضير الساحة للسعيد بوتفليقة ليخلف أخاه...
لن أحلل كثيرا هذا الرأي ولكن أسجل من الآن..أنني سأتوقف عن الخوض في الشأن السياسي الجزائري تماما إذا خلف السعيد بوتفليقة أخاه عبد العزيز...لأن هذا يعتبر جهل بألف باء سياسة جزائرية.

عودة الآن إلى الصراع القائم...للأسف لا يزال كثيرون أو الأغلب يصرون على تناول أعراض الداء الذي أصاب الجزائر ويخوضون في الفروع..ومن المؤسف أكثر أنهم يتجنبون الأصل والداء الحقيقي..
في واقع الأمر داء الجزائري يعود إلى ما يقارب القرنين من الزمان، ولكن حتى نختصر المجال الزمني ونقفز على كثير من التفاصيل التي لا تغير من الحقيقة في شيء..دعنا نبدأ من أهم تحول شهدته الجزائر بعد ما يسمى الاستقلال...ونقصد به الأحداث التي تلت سنوات 88-92، وكيف تم إعادة تشكيل "الدولة الجزائرية"..
أعتقد أن هناك بعض القواعد الأساسية التي تساعدنا على فهم الداء من دون الحاجة إلى التعرض إلى الأعراض التي قد تخفي حقيقة الوضع.

1- القاعدة الأولى..هناك قاعدة جيوسياسية عالمية يستعملها المحللون السياسيون لفهم أي تغير أو حدث سياسي اليوم..وهي " إتبع المال"..follow the money وهنا علينا فقط أن نتتبع المال منذ سنة 92 وأين ذهبت أموال الشعب الجزائري وأين ذهبت المصانع ومؤسسات الشعب التي تم تفكيكها والاستيلاء عليها بالدينار الرمزي...وأقولها بكل أسف أن أي معارض جزائري مهما علا شأنه وصدقت نيته لا يتعرض لهذه المسألة ويسمي الأسماء بمسمياتها فإنه يساهم في قتل الوعي العام وإطالة عمر أزمة الجزائر واستشراء السرطان. ولا معنى للحديث عن منظومة الاقتصاد الجزائري وتحليلها من منظور صندوق النقد الدولي أو غيرها من طرق تناول اقتصادات الدول الطبيعية، فنحن بصدد منظومة مختلفة. فلسنا بصدد اجتهاد وخطأ، بل عملية تدمير واستنزاف متعمد ووضع اليد على كل مقدرات الشعب بكل وقاحة . وما حالة طكحوت وحداد ومشاريعهم ومصانعهم إلا نموذجا بسيطا يخفي سرطانا فتاكا ووضع يد على مقدرات الجزائر.

2- القاعدة الثانية: التربية والتعليم. تتبع مسار المنظومة التربوية والخيارات المتبعة يوصل بشكل مباشر إلى طبيعة المتحكم الفعلي في القرار السياسي الجزائري. ونحن نتحدث هنا عن المنظومة الفكرية واللغوية والأنثربولوجية التي سطرت على أساسها المنظومة التربوية منذ سنة 92 تقريبا. الوصول إلى مرحلة بن غبريط ما هو إلا تكليل لجهود وعملية تجريف استمرت لعقدين أصبج من الممكن حسب اعتقادهم المرور إلى الخطوة الأخيرة. ولهذا لا تتعجب أن تجد من يعبترون النظام الجزائري قاتلا مجرما ولكنهم يستميتون في الدفاع عن بن غبريط ومشروعا، والسبب يعود أن قراءة الكثيرين للشأن السياسي الجزائري تتم بصورة مجتزءة ولا تستحضر الصورة العامة.

3- القاعدة الثالثة: الرموز والثقافة: ربما من أشد تجليات قضية الرموز في الجزائر هو الأوراق النقدية الجزائرية والنقود التي تم بعثها أثناء المحرقة بحيث تم تقزيم كافة الرموز التاريخية الجزائرية واستبدلت بحيوانات..والذي يريد أن يفهم طبيعة هذه الخيارات ما عليه إلا تتبع ومعرفة من أشرف على هذه القضية. من ناحية أخرى شهدت الساحة الجزائرية الثقافية منذ أزيد من عقدين إعادة بعث لرموز ثقافية وتاريخية من العدم وتم فرضها فرضا بشكل هاديء ولكن عبر وسائل مختلفة وظفت فيها كل إمكانيات الدولة بشكل ذكي جدا.. لست هنا بصدد مناقشة هذا الرمز أو ذاك ولكن لأدلل فقط على طبيعة صاحب القرار الجزائري حتى لا يتجنى أحد فيما بعد على التاريخ ويرجح سبب إنهيار الجزائر في كل المجالات لتيارات أو فئات أخرى مهملا هذه الحقائق الدامغة.

4- القاعدة الرابعة: الإعلام. تتبع الخريطة الإعلامية بكافة وسائلها ، قنوات فضائية، وجرائد، ومواقع إلكترونية، يمثل محددا للبوصلة. فهذه الوسائل التي تحتكر المعلومة وتسربها وتوجه الرأي العام وتصور هذا مستثمرا والأخر لصا وهذا معارضا وآخر فاسدا مشاركا للنظام.. إلخ ماهي إلا انعكاس للسطلة السياسية والاقتصادية وعلاقة وسائل الإعلام هذه بصاحب القرار السياسي .

5- القاعدة الخامسة الخاصة بالجزائر: محرقة التسيعنات. تتبع محرقة التسيعنات بمجازرها البشعة وكشف حقيقة من صنع الإرهاب ومن استفاد منه ومن كان ضحيته الحقيقية يعتبر محددا لبوصلة السياسية.
إذا جمعنا القواعد الخمس السابقة مع بعض فإننا سنصل إلى الطبيعة الحقيقية أو لنقل النواة الصلبة للدولة العميقة الجزائرية أو"العائلة " كما سماها سعيد مقبل ، ولطالما مثلت الشخصيات الجزائرية التي حكمت مجرد واجهة لها، بل حتى الجيش كان تحت قبضتها من خلال المخابرات.

جدير بالاشارة أن أي محاولة لمواجهة هذه العائلة سواء كان بغرض الإصلاح الفعلي أو التموقع السياسي وتغيير موازين اللعبة لن يكون سهلا وقد يجر البلاد إلى احتراب أهلي. فهذه العائلة تمتلك من أدوات التدمير والقتل الجماعي والفردي وإحداث الفوضى الاقتصادية والاجتماعية ما لا يمكن تصوره، وربما الرسالة التي بعثتها أحدهم من لندن ورسالة سيدي السعيد برفقة حداد وأرباب العمل يكشفان حقيقة المشروع والأدوات. لهذا فإن تفكيك هذه الدولة العميقة يحتاج إلى مراحل متعددة، تبدأ بالاضعاف المتتالي إلى المواجهة الأخيرة والتي لا يمكن أن تتم من دون سند شعبي كبير..ولهذا فإن أي تموقع سياسي بعيد عن السند الشعبي الحقيقي مآله الفشل مع هذه العصابة.
كما أن التدخل الأخير للسفير الفرنسي وتراجع تبون خطوات إلى الوراء لا يترك مجالا للشك أننا أمام حلف عضوي بين هذه العصابة أو العائلة وفرنسا ( ليست معلومة جديدة في الواقع) وأن الجزائر تحكم عمليا من حيدرة وليس من المرادية.

* ملاحظة أخيرة: التحليل الذي يمكن أن أستسيغه للصراع القائم ليس ذلك المبني على أننا بصدد تحضير السعيد رئيسا بل بالرغبة في فرض مرشح الإدارة الأمريكية بدل الفرنسية. فأمريكا لن تفوت فرصة تراجع النفوذ الفرنسي مثلما فعلت في مصر مع بريطانيا.

 

الأستاذ جمال ضو

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك