مصر المحروسة... حكومة فيفي عبده

IMG_87461-1300x866

ليس مصريا من لا يشعر بأحزان الشعب المصري، وبفزع غالبية المصريين من قرارات حرقهم في أفران الغلاء، اللهم إلا إذا كان من حملة الجنسية المصرية لا غير، وعلى طريقة الراقصة المعتزلة فيفي عبده، التي ظهرت في فيديو يؤيد بحماس قرارات رفع أسعار المحروقات الأخيرة.

ما علينا، فليست القصة في فيفي عبده، ولا في أوهامها عن نفسها، وهي التي وصفت نفسها في فيديو التأييد بأنها «الهرم الرابع»، وأوهام الحكومة ـ على أي حال ـ أكثر فداحة من أوهام فيفي عبده، والحكومة ـ لا فيفي ـ تتصور أنها تأتي بما لم يأت به الأولون ولا الآخرون، وأنها بصدد إصلاح اقتصادي جبار، وتذكر ـ من فضلك ـ كم مرة سمعت فيها كلمة «إصلاح اقتصادي» هذه، وكم رئيسا للوزراء رددها، وكم قرارا صدر باسم «إصلاح» لم يأت أبدا، بل أتى الهلاك المستعجل، فقد ظهرت كلمة «إصلاح اقتصادي» في يوميات المصريين قبل عقود، وتكاثف وقع استخدامها وتكرارها في الثلاثين سنة الأخيرة بالذات، وكانت كلمة «إصلاح» تعبيرا حركيا لا أكثر، لا تعني سوى العمل حرفيا بروشتة صندوق النقد والبنك الدوليين، ومع الإفراط في ادعاء «وطنية» برنامج الإصلاح إياه، فهكذا فعلت وتفعل كل الحكومات التي تأخذ بوصفة الصندوق، ثم لا تورث شعوبها غير الفقر و»النكد» المزمن، ولا تتحسن أحوال الاقتصاد أبدا إلا بعد الطلاق والفراق مع الوصفة القاتلة. وراجعوا ما جرى لمصر من فضلكم، ومنذ الأخذ ببرنامج «التثبيت النقدي» زمن حكومة المرحوم عاطف صدقى، ثم التحول إلى الشق الآخر من روشتة الصندوق، الذي يحمل اسما أنيقا هو»التكيف الهيكلي»، بينما الترجمة الفعلية هي خفض الإنفاق الاجتماعي و»الخصخصة» والعياذ بالله، وعبر عشرين سنة قبل ثورة 25 يناير 2011، كانت النتائج على ما نعرف، خاصة في العشر سنوات الأخيرة قبل الثورة، التي شهدت قرارات تعويم الجنيه في يناير 2003، ثم الإسراع في تنفيذ برنامج الخصخصة وبيع الأصول العامة في سنوات تلت، والإيحاء بزيادة ظاهرة في معدل النمو السنوي، بلغت في ثلاث سنوات متتالية 7%، ولم يكن ذلك سوى خفة يد، فقد جرت سرقة مئات المليارات من أموال التأمينات والمعاشات، وإضافتها للخزانة العامة، للإيحاء بتحسن المؤشرات، ومراكمة احتياطي من النقد الأجنبي، مع خلع الأصول الانتاجية بالخصخصة، والتحول الكامل إلى «اقتصاد ريع» من عوائد السياحة وغيرها، هو في الحقيقة «اقتصاد تسول» للمنح والمعونات والقروض، بدا كالفقاعة التي انفجرت وتبخرت بسرعة، ليعود معدل النمو السنوي إلى التراجع والانحطاط، ومع ارتفاع مطرد في معدلات توحش الفقر والبطالة والبؤس العام، وشفط ثروة البلد إلى أعلى، وتكون طبقة الواحد بالمئة، التي تحوز وحدها نصف إجمالى الثروة الوطنية.

وكان طبيعيا أن تدفع الأوضاع المختلة إلى الاحتجاج والثورة، كما كان طبيعيا أن تزداد الأوضاع سوءا مع انكشاف ما بعد الثورة، والدخول في مرحلة انتقالية مضطربة، وحكم جماعة الإخوان المتفق اقتصاديا مع حكم جماعة مبارك، وثورة عشرات الملايين من المصريين في 30 يونيو 2013، واستفحال ظاهرة الإرهاب، التي كسحت عوائد اقتصاد السياحة، ثم العودة من جديد إلى البرنامج نفسه، والاتفاق من جديد على وصفة صندوق النقد الدولي، وتعويم الجنيه المصري من جديد، وإطلاق برامج الاستدانة والاقتراض، والزعم من جديد بتكوين احتياطي كبير من النقد الأجنبي، والقفز بمعدلات الديون الداخلية والخارجية، ومضاعفة الديون الخارجية التي تركها حكم مبارك والإخوان من بعده، ومع إضافة برامج إلغاء دعم الطاقة هذه المرة، وعلى طريقة ما جرى في قرارات رفع أسعار المحروقات الأخيرة، وهي المرة الثالثة من نوعها في الثلاث سنوات الأخيرة، والمتوقع امتدادها وتكرارها في السنتين المقبلتين على أقل تقدير، مع الزيادة المتواصلة في أسعار خدمات الكهرباء، والمتوقع امتدادها وتكرارها سنويا حتى عام 2022، إضافة لرفع أسعار المياه وتذاكر المترو والقطارات والنقل العام، التي قد يتأخر اتخاذها قليلا، لكنها ستحدث حتما، مع الأثر التراكمى لضريبة القيمة المضافة، وهو ما يجعل حياة غالبية المصريين من الفقراء والطبقات الوسطى ماضية إلى جحيم.

إنهم يقولون في الحكومة أننا نصلح الاقتصاد، ونأخذ القرارات الصعبة التي تأخرت طويلا، وأننا نريد لكل شيء أن يباع بسعر التكلفة وبالسعر العالمي، وهو كلام لا يخدع أحدا، ولسبب بسيط جدا، هو أنه قد يكون مقبولا أن نقبل السعر العالمي، هذا إن كان معدل الدخول والأجور في مصر عالميا، بينما الحقيقة الصادمة، أن متوسط الأجور في مصر لا يبلغ عشر المتوسط العالمي، هذا بالنسبة للذين يعملون ويتلقون أجورا، وهم أقلية بين الفقراء والطبقات الوسطى، وبين هؤلاء أقلية أقل تعمل في المجال الحكومي والعام، وقد تحسنت أجور هؤلاء نسبيا في السبع سنوات الأخيرة، وإن تآكلت القيمة الفعلية للزيادة مع التضخم الجامح وهلاك الجنيه، وهؤلاء وحدهم شملتهم قرارات العلاوات الأخيرة، بينما الغالبية من العاملين المصريين في القطاع الخاص، وقد فقد الملايين منهم وظائفهم، فما بالك بالذين لا يعملون أصلا، وببطالة 12 مليونا في سن العمل، وبالذين يعيشون على بطاقات الدعم التمويني، أو ناس القاع الذين يصل إلى بعضهم فتات برامج «تكافل وكرامة»، أو سواها من برامج الحماية الاجتماعية، التي تبلغ نفقاتها سنويا 85 مليار جنيه، كما تقول الحكومة، وهو الرقم نفسه الذي تأخذه الحكومة من جيوب الناس، بقرارات رفع الأسعار الأخيرة، من البنزين إلى البوتاجاز والكهرباء، والرسوم المضافة أخيرا على 25 خدمة إصدار وتجديد وثائق وتراخيص رسمية، أي أن الحكومة أخذت باليمين ما أعطته بالشمال، ودون مبالاة بالهلاك الذي يصيب غالبية المصريين، خاصة أن الرقابة على الأسواق معدومة، وأنبوبة البوتاجاز التي ارتفع سعرها رسميا إلى 30 جنيها، تباع عمليا بستين وسبعين جنيها.

وبالطبع، فليس ما جرى ويجري هو نهاية قصة «الإصلاح» إياه، فقد جرى إشعال النار في كل الأسعار، وتآكلت الطبقة الوسطى التي تهوى إلى القاع، وفى انتظارها مهالك أخرى، يقال للناس إنه لا سبيل بغير تحملها والصبر عليها إلى أن يتحسن الاقتصاد ويتعافى، مع أن بقية وصفة صندوق النقد الدولي لا تحمل سوى المزيد من الدمار، فالهدف الجوهري للوصفة هو ذاته الذي كان قائما أيام حكم مبارك، وهو المزيد من الخصخصة و»المصمصة»، والعين هذه المرة على «البقرات السمان» المتبقية، أي على محطات الكهرباء والبنوك العامة وشركات البترول الكبرى، إما بالبيع المباشر، أو بالخصخصة عبر البورصة، وقد بدأت القصة بالفعل، وجرى إعداد قوائم الذبح، أي أن الحكومة التي تشكو ظاهريا من قلة الموارد، تريد الاستغناء والتضحية بأملاكها الكبرى، وبما تبقى من الدجاجات التي تبيض ذهبا وعوائد للموازنة العامة. وما من نتيجة ترتجى غير توفير أموال سائلة تعينها على سداد خدمة الديون، وكأننا نعود من جديد إلى المأساة نفسها، نبيع أصولنا لسداد ديوننا، وللإيحاء بتحسن طارئ في الموازنة، أو تسجيل زيادة خادعة في معدلات النمو السنوى، مع تعميق سيطرة الأجانب المشترين على ما تبقى من اقتصادنا، والبيع برخص التراب مع هلاك الجنيه وجنون الدولار، وهي الخطيئة ذاتها التي انتهت بنا إلى الكوارث، وخلع الأصول الإنتاجية للاقتصاد، والتحول إلى اقتصاد ريع هش، تعصف به المتغيرات السياسية وحوادث الإرهاب الكافر.

فأصل محنة اقتصادنا هي ضعف انتاجيته، ولا قيمة لإصلاح نقدي أو هيكلي بغير التصنيع، وقد ذهبت مصانعنا الكبرى مع ريح الخصخصة و»المصمصة»، ومع التركيز المبالغ فيه على إنشاء مرافق البنية الأساسية، وبدعوى تسهيل مهام المستثمرين والاستثمار، مع أن البلد لم يحصد استثمارا بل «استحمارا»، ونهبا غير مسبوق ولا ملحوق في تاريخ مصر الألفي، واهتبال فرص نزح الأصول والمصانع والمنشآت الكبرى، وقد قلناها مرارا، ونقولها تكرارا، إن الأولوية في الإنفاق يجب أن توجه للتصنيع، ولا تحدثونا من فضلكم عن نقص الموارد، فقد جرى توفير موارد هائلة لإنشاء شبكة الطرق والمدن الجديدة، وبلغت قيمة الموارد من خارج موازنة الدولة ما يزيد على التريليوني جنيه، عبر ثلاث سنوات إلى الآن، لو جرى تخصيص نصفها لإنشاء مصانع كبرى، وخلق فرص عمل دائمة منتجة لملايين العاطلين، لو جرى التعويل على المصنع لا طريق الأسفلت، فقد تتغير الصورة، ويسهل كسب رضا اجتماعي بديل عن السخط العام من السياسات المتبعة، خاصة لو أن الحرب على الفساد أكملت أشواطها، وجرى استرداد تريليونات الجنيهات الضائعة، وهي كفيلة وحدها بسداد ديون مصر كلها.

ويكفي أن تعلم أن قيمة التهرب الضريبي وحده في مصر تبلغ 400 مليار جنيه سنويا، والرقم رسمي تماما، وهو يساوى عشرة أمثال ما توفره الحكومة بقرارات رفع أسعار المحروقات، فما بالك لو جرى إقرار مبدأ الضرائب التصاعدية، ورفع الحد الأعلى لضرائب الدخول إلى 45% بدلا من 22.5% الآن، وعلى الطريقة المعمول بها في الدنيا كلها، فلسنا بصدد فقر في الموارد، بل بصدد إفقار بلد واستسهال التنكيل بغالبية ناسه، وبانحياز لا يخفى للأثرياء على حساب الفقراء، يحول الإصلاح إلى هلاك، ويوجب «إصلاح الإصلاح» أن أردنا النجاة.

 

عبد الحليم قنديل كاتب مصري

تعليقات الزوار

  1. Bencheikh

    أين ماحكم العسكر فانتظر الانهيار التدريجي للدولة لأن عقلية الثكنة عقلية تحكمية بمنطق قطاع الطرق ،ليس هناك مؤسسات اقتصادية تفكر بحرية وتصنع المشاريع ،العسكري يستمد شرعية حكمه من البندقية التي يوجهها صوب أعداء افتراضيين بالداخل . في مصر العسكر لذيه مزارع الدجاج ،وأفران الحلويات وإعلام تافه ينفخ فيه،

  2. يالوزا

    ---------------- الى السميد النتن العفن ----------- ان محتار كيف لم يعلق الندل السفيه السميد ولكن لم تدم حيرتي طويلا فعرلمت سبب عدم تعليقه وهو ---------- لانه مزطول والمزطول لا يلام ان اعجبته الصورة فمن جمالها حلم بانها امامه شحما ولحما ونسي موقع الحروف الناقصة ثلاثة حروف وهي /////// م //// مليلية ------- ///// س ///// سبتة ------- ////// ل ///// ليلى ------ فلا تغضبي ولا تحزني يا حروف فليس السميد من نساك واضاعك وفرط فيك بل الحرية حسب فهمه - والسياج المكهرب الدي وضعه على حدودك ---- فاصبري يا حروف فقد اصبحت حروفا --- بيريمي --- حسب اقول السميد الجبان الم يقل ان احتلالكما اصبح اسطوانة بيريمي --------- الى اللقاء في الحلقة القادمة يا ندل - تبا لك

اضف تعليق


well, this is out capcha image

الجزائر تايمز فيسبوك