هل وصلت الفوضى الهلاكة إلى الخليج؟

IMG_87461-1300x866

قبل اندلاع الأزمة الخليجية كنا نتساءل: هل كان الربيع العربي ثورات شعبية حقيقية انبثقت من صميم المجتمعات والشعوب العربية، أم أنها كانت وقوداً لما أسمته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد جورج بوش مشروع «الفوضى الخلاقة». وفي أغلب الأحيان كنا ندافع عن الربيع العربي باعتباره حركات ثورية شعبية حقيقية طال انتظارها، فليس من المعقول أن محمد بو عزيزي الذي حرق نفسه احتجاجاً على وضعه المعيشي المزري في تونس كان وقوداً لمشروع غوندوليزا رايس، بل بالأحرى كان رمزاً لملايين المقهورين والمقموعين والمضطهدين من المحيط إلى الخليج. لقد حاججنا بهذه الأطروحة ومازلنا نحاجج ضد الذين اعتبروا الثورات العربية مجرد ألعوبة أمريكية لتحقيق الفوضى الخلاقة التي وعدت بها كوندوليزا رايس. لكن بعد أن بدأت تصل النار إلى الخليج العربي المرتاح اقتصادياً ومعيشياً بتحريض أمريكي اعترف به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بعد زيارته المشؤومة للمنطقة، لا بد لنا أن نعيد حساباتنا قليلاً ونتساءل: هل كل ما حصل وسيحصل في المنطقة جزء من المشروع الأمريكي سيئ الصيت؟

ماذا جنت الشعوب من ثوراتها حتى الآن في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر وتونس؟ أليست النتائج التي وصلنا إليها حتى الآن تشير إلى أن كل الثورات تقريباً لم تنتج سوى الفوضى المطلوبة أمريكياً لإعادة رسم خرائط المنطقة وإعادة توزيع النفوذ الدولي فيها؟ لا نقول طبعاً ولن نقول يوماً إن الثورات كانت لعبة، بل إن المتحكمين بالعالم حرفوها عن مسارها واستغلوها لتنفيذ مشاريعهم المرسومة لبلادنا منذ عقود. قد يبدو السيناريو الخليجي مختلفاً عن السيناريوهات الأخرى في بلاد الثورات، خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية في الخليج أفضل بكثير من بلدان الربيع العربي بفضل الوفرة المالية المعهودة، ولهذا لا بد أن يكون سيناريو الفوضى والتخريب مختلفاً عما حصل في العراق وسوريا واليمن وليبيا. تعالوا نقارن بين ما حدث في بلاد الثورات، وما يمكن أن يحدث في الخليج لو، لا سمح الله، تطور الصراع بين دول الحصار وقطر وأخذ أبعاداً عسكرية.

ما هي أهم مظاهر الفوضى والتخريب في بلاد الربيع العربي؟ لعل أبرز ملامحها ضرب الشعوب ببعضها البعض وتمزيقها طائفياً ومذهبياً وقبائلياً ومناطقياً وقومياً وعرقياً لإعادة توزيعها جغرافياً واستغلالها بطريقة جديدة. فلو أخذنا العراق مثلاً لوجدنا أن اللعبة الأمريكية القذرة منذ أيام الحاكم العسكري الأمريكي الأول بريمر استهدفت النسيج الشعبي في العراق، فبدأ اللعب مبكراً على تفكيك الوحدة الوطنية العراقية، عن طريق تضخيم مظالم الشيعة والكرد، مع العلم أن المطلوب لم يكن بأي حال من الأحوال تحصيل حق الفئات المظلومة تاريخياً في العراق، بل كان الهدف ضرب مكونات الشعب العراقي ببعضها البعض طائفياً ومذهبياً وعرقياً. وقد نجح المخطط بشكل بارع بعد أن تحول العراق إلى ملل ونحل متناحرة بعد أن كان دولة وطنية بغض النظر عن بعض مساوئ وديكتاتورية النظام السابق. لقد تفتت العراق القديم وتحول إلى كانتونات عرقية ومذهبية مفضوحة.

وحدث ولا حرج عن سوريا. صحيح أن الشعب السوري كالعراقي عانى الأمرين على مدى عقود من بطش النظام وقمعه، لكن هل حصل السوريون بعد أن تدخل كل كلاب العالم في بلدهم على أي إصلاح أو على وضع أفضل من الوضع القديم، أم أن أكبر ضحية للثورة السورية كان النسيج الوطني السوري على علاته. صحيح أن الوحدة الوطنية في سوريا لم تكن مثالية، لكن على الأقل كان هناك شعب سوري متعايش ولو بأضعف الإيمان، فقد نجح النظام في سوريا كما في العراق بسحق أي تململ شعبي على أساس فئوي أو مذهبي أو طائفي على مدى عقود. ولا شك أن ذلك يتنافى تماماً مع المبدأ الديمقراطي، لكن هل الذي حصل عليه السوريون بعد الثورة له أي علاقة بالديمقراطية والحرية، أم إن الذي حصل كان تمزيقاً مفضوحاً للنسيج السوري الهش بموجب وصفة الفوضى الهلاكة؟ لم يحصد السوريون حتى الآن سوى تفكيك أواصر الوطنية، وتحولوا إلى ملل ونحل متذابحة كالعراقيين بعد أن أصبح بينهم آلاف الثارات.
ولا يختلف الأمر في ليبيا، فبرغم عدم وجود طوائف ومذاهب في ليبيا، إلا أن المتآمرين على الوطن الليبي وجدوا طريقة أخرى لتفتيت ليبيا وتمزيقها بالصراعات الفئوية والقبلية والدينية، فبدل أن يحصل الليبيون على ديمقراطية تنقذهم من ديكتاتورية القذافي، صاروا أيضاً فرقاً متصارعة حرقت الأخضر واليابس وجعلت بلدهم مسرحاً للاعبين الخارجيين.

وبدوره صار اليمن ساحة للتناحر بين اليمنيين على أسس مذهبية وحزبية. باختصار شديد، فإن المطلوب لم يكن تحقيق الديمقراطية والحرية للشعوب الثائرة، بل استغلال مظالمها لتحقيق المخطط الأمريكي القذر المعروف بالفوضى الخلاقة. وقد جاءت الأزمة الخليجية الأخيرة لتفتح جرحاً جديداً في الجسد العربي الذبيح. لم يجد أصحاب مشروع الفوضى الخلاقة نفس الظروف والأوضاع التي استغلوها لتمزيق بلاد الثورات وتفتيت شعوبها، فلجأوا إلى حيلة جديدة، فحرضوا بعض بلدان الخليج على دولة قطر، وساقوا حججاً سخيفة لا تنطلي على تلاميذ المدارس لدق الأسافين بين الشعوب الخليجية وتسليطها على بعضها البعض لتحويل الخليج إلى مسرح جديد من مسارح الفوضى الهلاكة. لم يكن حصار قطر أبداً مجرد عقاب للحكومة القطرية كما ادعت دول الحصار، بل كان محاولة مفضوحة لزرع الشقاق والعداوة والبغضاء بين الشعوب الخليجية ذاتها. وقد اعترف الرئيس الأمريكي نفسه بأنه هو الذي حرض دول الحصار على استهداف قطر بحجة رعاية الإرهاب، مع العلم أن كل الجماعات التي احتضنتها قطر كانت بضوء أخضر أمريكي كما اعترف المسؤولون الأمريكيون أنفسهم.

ندعو إلى الله طبعاً أن يبعد الفوضى الأمريكية الهلاكة عن الخليج، لأن ملامحها لم تعد تخفى على أحد، لكن لو تطورت الأمور باتجاه التصعيد، فلن يكون مصير المنطقة الخليجية أفضل من مصير بلاد الثورات، حتى لو كانت وصفة الفوضى في الخليج مختلفة عن سابقاتها العربية. ليس العبرة في الوسيلة إذا كانت الغايات والنتائج متشابهة. هل ستبقى الشعوب الخليجية عائلة واحدة متداخلة كما كانت قبل الأزمة الخليجية المفتعلة أمريكياً، أم إنها ستكون مشابهة لوضع الشعوب الأخرى المتناحرة؟ ألم تترك اللعبة الأمريكية جرحاً غائراً لدى القطريين مع العلم أن الأزمة لم تتطور إلى ما هو أعظم بعد؟ أليس ما يحدث في الخليج لو تطور أحد مظاهر الفوضى الأمريكية الهلاكة بامتياز؟

 

د. فيصل القاسم

تعليقات الزوار

  1. تحرير العقل العربي من قبضة سلطة البطن و الفرج

    كثيرا ما أظهرت أمريكا و الصهيونية العالمية أنهم أذكى من الشعوب العربية . نعم اشتعلت شرارات الثورات الشعبية ببعض الدول العربية بفتيل داخلي مكون من الفقر و التهميش و اليأس و اللا مساواة و غياب عدالة اجتماعية حقيقية ليس كمثل تلك التي تتغنى بها الأنظمة و شياتوهم بنشرات الأخبار المسائية , و انتشار الفساد بكل دواليب الحكم من توريث السلطة الى نهب خيرات البلد و تهريبها و تجويع الشعب بغية اذلاله و نشر العصابات الاجرامية بكل حي و زقاق قصد ترويع السكان و تركيع الشباب و جعل همهم اليومي البحث عن لقمة عيش و العودة سالمين هو و عائلته الى البيت دون التفكير أو النظر الى الفوق .. ليس هناك شك أن شرارة الفتنة ابتدأت من فتيل شعور شبه عام بالحكرة الشيئ الذي خلق ضيقا محتقنا على حافة الانفجار و هكذا و بكل بلد انطلقت الشرارة الأولى لسبب ما أو أخر و كانت الذئاب خارج الحدود متربصة يقظة تنتظر مثل هاته الفرص للركوب عليها و اذكائها و النفخ عليها حتى تكبر و تتعقد و تتأجج و حتى يقتنع الجميع أن مصيرهم و مستقبلهم و حالهم لن يأتي الا عن طريق الاقتتال و التخريب .. لن ينكر هذا الا جاهل أو عميل أو مغالط للواقع .. من منا اليوم لا زال يعتقد أن ماحصل بتونس هو مجرد نتيجة لحرق البوعزيزي لنفسه ? و ما حدث بسوريا هو نتيجة ديكتاتوية بشار و فساد أزلامه ? و ما لحق بالعراق هو نتيجة غزو صدام للكويت ? و ما وقع للسودان من تفتيت هو العنصرية و غياب روح التعايش الديني القبلي بين اهل الشمال و الجنوب ? و ما يحدث اليوم باليمن هو زعم عمالة عبدالله صالح لايران ? و ما قد يعصف بدول الخليج اليوم هو زعم دعم قطر للارهاب ? و السعي لا قدر الله الى ضرب وحدة البلد لكل من الجزائر و المغرب هي الأحوال الاجتماعية لشعوب هذين البلدين رغما أنهما بأحسن حال من كل باقي الشعوب العربية ...? صحيح أن للشعوب العربية طموح أكبر من سير و تيرة اقتصاديات حكوماتها و من شفافية سياساتها .. طبعا لا أحد أصبح قادرا على الصبر على سياسة ' شي تاياكل و شي غير تيشوف' و لم يعد أحد يرضى بقسمة يراها قسمة ضيزا. لكن تطور الأحداث فيما بعد جعلت الجميع يستفيق من غفلته و عباوته أن النار كانت أكبر من الشرارة و أن انتشارها كان أكبر من رياح المطالبة فقط بالتغيير الاجتماعي ... لقد شهد شهود هنا و هناك من أهل الذئاب المتربصة بهاته الدول العربية و الاسلامية أنه من كان وراء اذكاء نار الحقد و التطاحن و الاقتتال و دعم تطور الأحداث و تعقيدها بكل الوسائل المادية و الاعلامية و اللوجيستية و المخابراتية و شراء الذمم و دس العملاء من أبناء البلد , كانوا من خارج البلد بدعم من بعض العملاء داخل البلد... نعم و من دون شك أن الذئاب ركبت على غضب الشعوب و شعورها بالاحتقار و الظلم هذه الاحاسيس التي تغيب عين العقل و الهدوء و التفكير السليم بعيدا عن روح الحقد و الانتقام فكان لها ما كان و ما خططت له, فراحت أرواح ظلما الى القبور قبل الأوان و دمرت بيوت و اعتصبت نساء و طفولة أطفال و عم الجوع الحقيقي و الذل الفعلي فشرد من شرد و بهدل من بهدل و أضعف و نكل بمن ظن نفسه بالأمس البطل الشجاع المغوار و لم تنفع البلد و لا الشعب بعد ذلك لا نظم الشعارات الثورية و لا الخطب الحماسية ولم يتغير شيء بعد ذلكو ظلت دار لقمان على حالها بل أصبحت أسوء من ذلك .. لا زال بشار بالسلطة و ازدادت قبضته عليها يتمتع بحياته هو وحاشيته كما كان قبل الثورة المزعومة التي افتضح أمرها على أنها كانت حرب من أجل السلطة و المال و التجبر فقط و ليس من أجل مصلحة الشعب و الغدو بالبلد الى مصاف الأسياد .. نفس الشيء و الحال و النتيجة عراهم الزمن و الأيام بتونس و العراق ليشهد التاريخ على غباء الشعوب و جبروت الحكام و ذكاء ' أسيادهم' .. فمتى سنرى بالدول العربية شعوبا ذكية تطالب أولا قبل كل مطلب بتعليم جيد أكثر ما تطالب بموائد متخمة دسمة تحصن أنفسها و عقولها بتلقي تعليم جيد يمنعها من الغباوة و الانجراف و الانسياق لكل صوت يرتفع في الهواء يكاد أحيانا لا يميز بين صوت بشر و صوت حمار ... كم من " زعيم' اعتقد نفسه هو و المطبلين حوله أنه يقدم خدمات جليلة للبلد و الشعب برفع صوته عاليا وسط الجماهير و هو الذي لا يحسن كتابة جملة مفيدة واحدة يفتقد للتفكير السليم و المقارنة البراغماتية و لا يحسب للخطوات عواقبها بعد مر أيام و سنين .. كم من " زعيم' اعتقد نفسه و استغل , عن قصد أو دون قصد غباوة المنجرفين المنساقين كالأغنام و قدم لهم نفسه على أنه هو المهدي المنتظر فحمل نفسه الى يوم الحساب أوزار من قتل و من اعتقل و من شرد و ما دمر .. هو من كان همه الدفين الوصول الى ما وصل اليه سلفه من احكام القبضة على السلطة و ينابيع خيرات البلد ليصبح بدوره ذلك الفرعون الجديد يقسم البلد على أساس كل نزعة أو تعليمة فوقية , يثني على هذا و يغضب على ذاك و هذا من عشيرتي و هذا على مذهبي و هذا على ملتي و هذا يمدح لفسادي و طز في الباقي ... الكل فاسد من الصغير الى الكبير , جسدا و ليس عقلا , و لا يستثى أحد الا من رحم ربك و من هو صادق فعلا tلينادي بتحرير عقول الشعوب أولا من الجهل و الأمية و يطالب بتعليم جيد يتساوى فيه و على كراسي مؤسساته الفقير و الغني دون ميز أو حيف و توفير كل الظروف الصحية لممارسة التلقين و التدريس يجعل من المواطن عنصرا خلوقا بناءا يميز لوحده الصالح من الطالح في القول و الفعل لا ينساق كالخروف و لا تؤثر فيه شعارات الانتهازيين و الغوغائيين يحسب ألف حساب لكل العواقب ذو مبادئ بناءة خلاقة يميز بين الحق و الباطل لا يبيع كرامته في سوق نخاسة الانتخابات ولا يرضى بالظل و الفتات .. اذا تحررت عقول الشعوب العربية من افة الجهل و الأمية لن يجد الطغاة و لا الفاسدين مجالا للسباحة فيه .نعم هو مطلب أصعب من طلب الاستوزار و الركوب بالليموزين و الاقانة بالفيلات لأن العدو لهذا المطلب لن يكون فقط تجبر الحكام بل كذلك سيثير غضب الذئاب .. و من يريد العلا لن يرضى بالعيش بين الحفر ..فصبرا جميلا ... متى ستثور الشعوب العربية لتحرير العقول من الجهل و الأمية و من عقدة السلطة و البطون و الفروج ?

اضف تعليق


well, this is out capcha image

الجزائر تايمز فيسبوك