سطيف الجزائرية: عاصمة الهضاب العليا ومدينة الحضارات والتضحيات

IMG_87461-1300x866

تعتبر مدينة سطيف ثاني أهم مدينة جزائرية في الشرق، وهي ثاني مدينة من حيث الكثافة السكانية بعد عاصمة البلاد، وتسمى أيضا عاصمة الهضاب العليا، وكذا مدينة عين الفوارة. سطيف التي شيدت في أعالي جبال البابور وجبال مغرس تزخر بتاريخ حافل بالأحداث والبطولات والتضحيات، ويكفيها شرفا أن اسمها التصق بواحدة من أبشع جرائم الاستعمار الفرنسي، تلك التي ارتكبها في الثامن أيار/مايو 1945 والتي عرفت بمجازر الثامن من مايو في سطيف قالمة وخراطة، والتي سقط فيها أكثر من 45 ألف قتيل.
كلمة سطيف تعني في اللغة العربية «التربة السوداء». وهذه المنطقة عريقة في تاريخها، فقد عرفت استقرار المجموعات البشرية الأولى في شمال افريقيا، وتم العثور فيها على بقايا عظام حيوانات، وبشر، وأدوات حجرية، وأثبتت البحوث أن تاريخها يعود إلى الزمن الجيولوجي الرابع، أو «البلاستيوسين الأسفل» حسب علماء الآثار، وقد عثر على تلك البقايا في مواقع مزلوق وعين الحنش وقجال.
تركت الكثير من الحضارات التي مرت من هذه المنطقة بصماتها في هذه المنطقة، ففي الفترة التي كان الرومان يسيطرون فيها على شمال افريقيا، جعلوا من منطقة سطيف، مخزونا لهم، بالنظر إلى نوعية أراضيها وكثرة سهولها، وإنتاجها الوفير من الحبوب، وما زالت مناطقه الأثرية شاهدة على مرور الرومان، وهي المنطقة التي أسماها الرومان «كويكول» بالإضافة إلى المقابر القديمة التي تم اكتشافها، ويتجاوز عددها الثمنمئة قبر.
ولما جاء الفتح الإسلامي تبوأت سطيف مكانا متميزا، كمركز اشعاع ديني وفكري وحضاري، وتم بناء العديد من المعالم، مثل مركز قجال الديني الذي شيد في عهد الزبيريين، ويقال إن الصحابي عبد الله بن الزبير هو من أشرف على بناء هذه المؤسسة الدينية والتعليمية، والتي تحولت في عهد الأدارسة إلى مركز لهم، وكانت سطيف في عهد الدولة الحفصية من أهم مراكزها، واعتمد عليها الفاطميون في تشييد دولتهم، وما زالت شواهد الدولة الفاطمية موجودة في منطقة بني عزيز، ومهدية.
وعانت سطيف خلال فترة الاستعمار الفرنسي مثل غيرها إلى محاولات طمس هويتها، وتعرضت الكثير من آثارها إلى التدمير والإهمال، فقد أخذت الحجارة التي كانت موجودة في بعض المواقع الأثرية، لبناء الثكنات الخاصة بالقوات الاستعمارية الفرنسية، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى تفطنت الإدارة الاستعمارية إلى أهمية هذه المدينة وقررت أن يجعل منها مركزا لبسط سيطرتها على مناطق شرق البلاد، وأحاطتها بسور كبير وجعلت لها ثلاثة أبواب، وهي باب الجزائر، وباب بجاية، وباب بسكرة، وباب قسنطينة.
ورغم دخول القوات الاستعمارية الفرنسة إلى الجزائر العاصمة سنة 1830 فقد تأخر احتلال مدينة سطيف إلى الخامس عشر من كانون الأول/ديسمبر 1848 بقيادة الجنرال جالبو، وشرعت الإدارة الاستعمارية في انتزاع أراضي الجزائريين ومنحها إلى المعمرين الفرنسيين، فيما تراجع الوضع المعيشي للسكان الأصليين، الأمر الذي زاد في حالة الاحتقان والغضب على المستعمر الفرنسي، ما أدى إلى اندلاع ثورات وانتفاضات ضد الوجود الفرنسي، وأهمها ثورة «المقراني» سنة 1871 والتي جرت الكثير من أطوارها في سطيف، لكن هذه الانتفاضات والثورات التي شهدتها بعض مناطق البلاد، كانت في غالبيتها عفوية، ولم تكن نتيجة نضج لمسار سياسي.

معقل للثورة

بدأ انتشار الوعي السياسي مع تأسيس جمعية العلماء المسلمين، التي أسست للحركة الإصلاحية التي مهدت لظهور حراك سياسي في المنطقة، وقد زارها الشيخ عبد الحميد بن باديس، ولكنها كانت زيارة سرية، وأقام لبعض الوقت في منطقة لجنان.
وعندما تأسست الأحزاب السياسية الحديثة في الثلاثينيات وظهر التيار الاستقلالي، بعد أن تبين أنه لا حل إلا برحيل الاستعمار الفرنسي، وأن ما أخذ بالقوة لا يمكن أن يسترجع إلا بالقوة، لم تبق سطيف بعيدة عن هذا الغليان والحراك، خاصة بعد تأسيس الكشافة الإسلامية الجزائرية، التي فتح لها الشهيد حسان بلخير فوجا في منطقة سطيف، وتطورت الأمور حتى وصلت أحداث الثامن من أيار/مايو19455.
ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية وقعت فرنسا في شباك النازية، فقد وصلت جيوش هتلر إلى العاصمة الفرنسية باريس، ووقعت الحكومة الفرنسية معاهدة استسلام لتجنب تدمير المدن الفرنسية ووقوع المزيد من الضحايا، ولكن مجموعة من الضباط اختاروا التمرد على إذعان الماريشال بيتان إلى ألمانيا النازية، وفي مقدمة هؤلاء الجنرال شارل ديغول، الذي جعل من العاصمة الجزائرية مقرا لحركته التي سماها فرنسا الحرة، وأقنع الأمريكيين والبريطانيين بالوقوف إلى جنبه، ودعمه كممثل شرعي لفرنسا المقاومة، وكان من الطبيعي أن تعتمد فرنسا على الجزائر ومستعمراتها الأخرى في محاربة النازية، وشارك آلاف الجزائريين في الحرب العالمية الثانية، ووعدت فرنسا آنذاك أنها ستمنحهم استقلالهم، وكان طبيعيا عند إعلان نهاية الحرب العالمية الثانية وانهزام النازية في الثامن من أيار/مايو 1945 خرجت المظاهرات في شوارع الكثير من المدن الجزائرية احتفالا بنهاية الحرب، والتي كانت تعني بالنسبة إليهم نهاية الاستعمار الفرنسي وجلاء قواته. ولكن المظاهرات التي كانت سلمية تعرضت إلى قمع شديد من طرف القوات الاستعمارية، وتحولت مظاهرات الفرح والاحتفال إلى جنائز لا تنتهي، فقد سقط أكثر من 45 ألف قتيل في تلك المجازر البشعة، التي استعمل فيها الاستعمار الفرنسي كل أسلحته، فيما رفضت السلطات الفرنسية الاعتراف بتلك الأرقام، وبدل الحديث عن مجازر سطيف وقالمة وخراطة كانت تصف ما وقع بـ «الأحداث» ولم تصفها بأنها جرائم إلا قبل سنوات قليلة، عندما زار وزير قدماء المحاربين الفرنسي مدينة سطيف ووضع إكليل زهور على التمثال المخلد لأول شهيد سقط في مجازر الثامن من أيار/مايو 1945 وهو بوزيد سعال، وقد أدان الوزير الفرنسي تلك الجرائم التي وصفها بالبشعة والمؤسفة.
وبالرغم من بشاعة تلك المجازر الوحشية، إلا أنه أقنعت كل متردد أنه لا مناص من العمل المسلح لإخراج المستعمر الغاشم، الذي أبان عن وجهه الحقيقي بمجرد سقوط النازية، وبدل الوفاء بالوعود التي قطعها على نفسه، واجه المظاهرات السلمية بآلته الحربية، ودك القرى والمداشر بالمدفعية لعدة أيام، وهو ما أقنع الحركة الوطنية التي كان جزء منها يؤمن بإمكانية قيام الإدارة الاستعمارية بإصلاحات تمنح بموجبها بعض الحقوق للجزائريين، أنه لا حل إلا العمل المسلح من أجل إخراج المستعمر الغاشم بالقوة، ومهدت تلك المجازر بعد أقل من عشر سنوات لاندلاع واحدة من أعظم الثورات في العصر الحديث، والتي أسفرت بعد سبع سنوات ونصف عن استقلال دفع فيه الجزائريون مليونا ونصف مليون شهيد.
وطوال سنوات ثورة التحرير الجزائرية دفعت سطيف نصيبها من الشهداء الذين سقطوا في ميدان الشرف في معارك بطولية ضد القوات الاستعمارية، بدليل أن أول طائرة عسكرية فرنسية منذ بداية الثورة، وذلك في جبال الحلفة، وفي المنطقة المسماة «قرقوس» وذلك في سنة 1956 كما أن سطيف كانت منطقة عبور للأسلحة والذخائر التي كانت تدخل من الحدود الشرقية، والتي كانت قيادة الثورة تمررها عبر الجبال والأحراش لتوصلها إلى الولايات المختلفة في الثورة.

موقع سياحي

تعتبر سطيف قطبا سياحيا واقتصاديا متميزا، فموقعها الجغرافي وقربها من العاصمة ( 300 كيلومتر) خاصة بعد ربطها بمشروع الطريق السيار شرق ـ غرب، حيث أصبحت على بعد ساعتين ونصف بالسيارة من العاصمة، فضلا عن طبيعة أراضيها، جعلها قبلة لكثير من المشاريع الاقتصادية المهمة، خاصة الصناعات الالكترونية، والغذائية. وتستقبل الولاية آلاف طلبات الاستثمار سنويا، الأمر الذي انعكس إيجابيا على نسبة البطالة، إذ تسجل المدينة أقل نسب بطالة في الجزائر، ويوجد فيها واحد من أكبر الأسواق التجارية، المعروف بسوق «العلمة» أو سوق «دبي» وهو عبارة عن حي تجاري يباع ويشترى فيه كل شيء، ومعروف بأسعاره التنافسية، الأمر الذي يجعل الكثير من الجزائريين يقطعون مئات الكيلومترات من أجل التبضع منه. كما تضم سطيف جامعتين كبيرتين الأولى جامعة فرحات عباس والثانية جامعة محمد لمين دباغين، بالإضافة إلى عدة معاهد، ومراكز فكرية، وفلسفية، وعلمية، وتكنولوجية، ودينية.
وتمتلك مدينة سطيف مؤهلات سياحية كبيرة، نظرا لما تحتويه من آثار رومانية، مثل صرح جميلة، وهي عبارة عن درج روماني، تأسّست في نهاية القرن الأول للميلاد، وتبعد عن قلب المدينة حوالي 50 كيلومترا، وترتفع عن مستوى سطح البحر حوالي 900 متر، وقد صنفتها منظمة اليونسكو كتراث عالمي سنة 1982 كما ارتبط اسم المدينة بمهرجان جميلة للغناء العربي الذي ينضم سنويا، ويشهد مشاركة العديد من الفنانين العرب، الذين تعاقبوا على خشبته، كما توجد آثار تعود إلى الدولة الفاطمية في منطقة بني عزيز.
وفي سطيف العديد من الحمامات المعدنية، مثل حمام السخنة، وحمام الصالحين، وحمام ڤرڤور وحمام أولاد يلس، والمعروفة في معظمها بمياهها الساخنة الطبيعية التي تستخدم في علاج الكثير من الأمراض.
لا يمكن ذكر اسم سطيف دون أن تتبعها عبارة مدينة «عين الفوارة» هذا التمثال لامرأة غامضة غموض الموناليزا التي تقف فوق نبع من الماء ألهمت الكثير من الروايات حول تاريخ هذه التحفة، التي ثبت أنها من أعمال فرانسيس دو سانت فيدال نهاية القرن التاسع عشر، وأنها كانت معروضة في اللوفر قبل أن يتم نقلها سنة 1898 من باريس وإلى مرسيليا ومنها بالباخرة إلى ميناء الجزائر العاصمة ومنها إلى سطيف في عربة مؤمنة تجرها الخيول. ولكن الروايات تختلف، فهناك من يقول إن التمثال لتلك المرأة المتفجرة المفاتن والأنوثة كان معروضا في متحف اللوفر، وأن حاكم سطيف آنذاك أعجب به أشد إعجاب، وأن النحات قام بإهدائه إليه، ليقوم الحاكم بنقله إلى الجزائر، أما الرواية الثانية فتقول إن أحد الحكام الفرنسيين أحب امرأة حبا جما، ولكنها تزوجت شخصا غيره، فطلب من النحات أن يجسد المرأة في تمثال وأن يقوم بنصبه فوق نبع مائي، في حين أن الرواية الثالثة تقول أن النبع كان يستقطب الكثير من الزوار والمسافرين، الذين كانوا يتوقفون عنده للاغتسال والوضوء والصلاة، وأن هذه الصورة تكون قد أزعجت حاكم سطيف الذي طلب نحت تمثال لامرأة عارية لإبعادهم عن المكان.
وبصرف النظر عن الروايات المتضاربة تبقى عين الفوارة الموجودة في قلب المدينة مقصدا لكل زوار المدينة، الذين لا يمكن أن يمروا عن طريق سطيف دون التوقف عندها لشرب مائها. ولكن هذا التمثال كان محل جدل خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما كان الإسلام السياسي في أوج انتشاره وتطرفه أيضا، إذ ارتفعت أصوات آنذاك تطالب بتحطيمه، بسبب ما اعتبره هؤلاء خدشا للحياء العام، لأن التمثال يصور، حسبهم، امرأة عارية بالنسبة للكثيرين، وأنه وصمة عار يجب التخلص منها، واقترح البعض الآخر حلا بديلا، وهو تغطية التمثال بقطعة من القماش، وتمت محاولات في هذا الاتجاه، لكنها قوبلت بنزع قطعة القماش في كل مرة من طرف أشخاص كانوا يرفضون ذلك، ووصل الأمر حد استهدافها بقنبلة منتصف تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تسارع السلطات لإصلاح الأضرار التي لحقت بها.

«كحلة وبيضا»

لا يمكن الحديث عن سطيف وعراقتها دون الحديث عن نادي وفاق سطيف لكرة القدم، واحد من أعرق وأكبر الأندية في الجزائر، والأكثر تتويجا على المستوى المحلي والقاري، والذي أنجب العديد من نجوم الكرة وصانعي فرحة عشاق المنتخب الجزائري، مثل عبد الحميد كرمالي وعبد الحميد صالحي، ولونيس ماتام، وعبد الله ماتام، ومليك زرقان، وعبد الحكيم سرار، ونصر الدين عجيسة، وعنتر عصماني، ومن الجيل الجديد عبد المومن جابو وعبد المالك زياية وغيرهم.
تأسس نادي الوفاق السطايفي سنة 1958 أي في فترة الاستعمار الفرنسي، على يد علي بن عودة المعروف باسم «شيخ لاياص» وقد عرف الفريق بلونيه الأسود والأبيض، ويقال إن اختيار هذين اللونين جاء حزنا على مجازر الثامن من أيار/مايو 1945 ويبقى الشيخ مختار عريبي هو الأب الروحي لفريق وفاق سطيف، ودرب الفريق لسنوات طويلة، حتى وافته المنية سنة 1989 بعد مرض عضال، وبعد أن قضى قرابة 60 عاما في الفريق، لم ينقطع خلالها عن تدريبه إلا لفترات قصيرة تولى خلالها المدرب عبد الحميد كرمالي تدريب النادي السطايفي، ولعب عريبي كمهاجم في عدة أندية جزائرية وفرنسية، قبل أن يتحول إلى التدريب، وقد ترك الشيخ عريبي بصماته على الفريق، وأصبحت طريقة لعبه مثيرة للإعجاب والتساؤل، وعند وفاته خرجت مدينة سطيف كلها لتوديع الشيخ عريبي وهي تتقطع حزنا، مثلما خرجت بعدها بسنوات لتوديع الشيخ كرمالي الذي يبقى حتى كتابة هذه الأسطر الوحيد الذي منح المنتخب الجزائري لقبا في مشواره الكروي، بأن فاز معه بكأس افريقيا للأمم سنة 1990.

 

كمال زايت

تعليقات الزوار

اضف تعليق


well, this is out capcha image

الجزائر تايمز فيسبوك