الجواز الأحمر VS الجواز الأخضر

IMG_87461-1300x866

كنت بدأت أفهم وأتفهم أسباب هوَسِ الإنسان العربي والمسلم، بجواز السفر الغربي (حتى لو كان يكره الغرب وحضارته وثقافته وأكل الخنزير واستهلاك النبيذ، لكنه يحب منه شيئين: بناته وجواز سفره) حين نزل قرار الإفراج عن الناشطة المصرية آية حجازي.
اعتُقلت حجازي بسبب نشاطها الأهلي في الاهتمام بالأطفال المشردين، على ما يبدو، لكن الحكومة المصرية التي أمرت بإيقافها وإيداعها الحبس لم تجد تهمة سياسية أو جنائية تحاكمها عليها، فتركتها تمضي ثلاث سنوات في الحبس المؤقت.
ثم جاء لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنظيره الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض. خلال اللقاء طلب ترامب من السيسي الإفراج عن حجازي، فاستجاب وتحقق للناشطة المدنية ورفاقها في أسابيع معدودة ما لم يتحقق لهم في ثلاث سنوات من الجهد القانوني والقضائي والتوسل والأماني والمناشدات.
اجتهد طبّالو النظام المصري ـ وسيجتهدون ـ طويلا في التباهي بشموخ القضاء المصري وحريته واستقلاليته، وفي الحديث عن قراره السيّد بالإفراج عن حجازي، لكن كل ذلك لن يغيّر شيئا من حقيقة أن ترامب طلب والسيسي استجاب، ومن حقيقة أنه لولا تدخل ترامب لقضت حجازي ومن معها شهورا وربما سنوات أخرى في السجون بلا محاكمة.
في مقابل الإفراج عن حجازي هناك آلاف المساجين الآخرين في مصر، كثيرون منهم أبرياء، فلن يثير قضيتهم ترامب أو أحد يشبهه من الرؤساء الأقوياء لأنهم يحملون الجنسية المصرية وحدها. هؤلاء المساكين خليط من كل الناس، فيهم الطالب الجامعي وتاجر البسطة، وفيهم المهندس وأستاذ الجامعة وأيضا رئيس دولة منتخب. وفيهم المتهم فعلا والبريء والمعتقل لمجرد الشبهة.
تُعدُّ واقعة حجازي درسا قيّما على أكثر من صعيد، كان قد سبقه درس فريق شبكة الجزيرة الذي اعتُقل في مصر وكان ضمنه مراسلها الأسترالي بيتر غريستي.
في البداية هي درس في أهمية حيازة الجواز الأجنبي، الأحمر على وجه الخصوص (أزرق داكن في بعض الحالات)، لأكثر من 300 مليون نسمة يشعرون أن أوطانهم منحتهم المهانة بدلا من الكرامة، والخوف بدلا من الأمن، والفقر والبؤس بدلا من العيش الكريم.
أخطر ما يصيب وطنا أن يبدأ أبناؤه في الشعور بتلاشي رابطة الانتماء إليه. وأن يتسلل إلى نفوس هؤلاء الأبناء الخوف من المستقبل، مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، والشعور بأنهم يجب أن يبحثوا لأنفسهم وعائلاتهم عن فضاءات أرحب وأرحم.
هذه الوصفة المؤلمة متوفرة اليوم في الدول العربية، بسبب ومن دون سبب. إنها الحلم العربي المشترك.
انتشر يقين مطلق بين شعوب المنطقة العربية بأن الجواز الأوروبي أو الأمريكي ذا منفعة كبرى، فهو أولاً يمنحك الشعور بالأمان، حقيقيا كان أم زائفا. والشعور بأنه حتى إن لم ينفعك بشكل مباشر، على الأقل سيُبعِد عنك الأذى والظلم، أو يؤجله، ليس في البلد الذي منحك إياه، بل في بلدك العربي والبلدان التي تشبهه. وفي أسوأ الأحوال، إن أصابتك كربة، يعجّل بنهايتها.
واقعة حجازي كشفت أيضا قيمة الإنسان العربي المنعدمة عند حكامه. كان يمكن أن يخرج ملايين المصريين في مظاهرات تطالب بالإفراج عنها، وما كان ذلك سيغيّر شيئا. وكان يمكن أن يترافع عنها أشهر المحامين في البلد، ولن يفيدوها في شيء. لكن ضغطا غربيا أهدأ وأقل عشر مرات يقلب الأشياء والناس رأسا على عقب.
فقط يجب أن تكون حاملا لذلك الجواز السحري، ويفلح اسمك في التسلل إلى دوائر الضغط والتأثير.
وتكشف الواقعة المدى الذي ذهبه الحاكم العربي في استغلال القضاء وأجهزة الدولة الأخرى لأغراضه السياسية. بأمر من حاكم يفرج عنك القاضي ذاته الذي أدانك بالأمس بأشد العقوبة. ولا يهم كثيرا مذنب أنت أم بريء، لأن الأهم هو قول الحاكم. وفي كلتا الحالتين يجد القرار مطبّلين وراقصين يبررونه بل يمجِّدونه.
من المؤكد أن ترامب لم يسأل السيسي عن طبيعة التهم الموجهة إلى حجازي، لأن ذلك لا يعنيه، وهو يعرف أن القضاء المصري أداة في يد السلطة التنفيذية والرئيس. ومن غير الوارد أن السيسي على اطلاع بالملف، وما كان ذلك سيفيد في شيء حتى لو كان مطلعا وكانت حجازي متهمة بثبوت الأدلة الدامغة، لأنه آنئذ لن يمتلك شجاعة رد طلب ترامب أو الزعم أمامه أن القضاء سيّد ومستقل.
الإفراج عن حجازي وتخصيص طائرة رئاسية أمريكية لنقلها إلى واشنطن، ومرافقة مسؤولة أمريكية رفيعة لها خلال رحلتها، ثم استقبال ترامب لها في البيت الأبيض وجلوسها قبالته في الكرسي ذاته التي يجلس عليه الرؤساء، وآخرهم السيسي، كل هذه المعطيات لا يمكن تفسيرها إلا بأنها دعوة صريحة للمواطن العربي عنوانها «إبحث لك عن جنسية أخرى» لأن «جنسيتك الأصلية إدانة لك ولن تفيدك في شيء». وهي كذلك إهانة صريحة للجنسية العربية (أيًّا كان البلد) وللانتماء إلى دولة عربية.

 

 

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. رائد الرحمانية

    في فرنسا مثلا تباع الكلاب بالوثائق منها جواز السفر لونه أحمر ولهذا ذكر فنان فكاهي وهو حامل ذلك الجواز بعدما تبين الى الشرطي المراقب الفرنسي بأن الجواز ليس للبشر قال له ذلك الفنان بالله عليك وانا في بلدكم دون أي شيء أليس أنا كلب وشكرا

الجزائر تايمز فيسبوك