هل ماتت السياسة في المغرب بعد تنصيب "حكومة هجينة"؟

IMG_87461-1300x866

على طريقة البوعزيزي في تونس، أقدمَ ربانُ سفينة، يدعى خالد قادر، بمدينة الداخلة المغربية على إحراق نفسه أمام مندوبية الصيد، احتجاجًا على «الحكرة» والتهميش، الذي لقيه من قبل الجهات الرسمية، بسبب حرمانه من رخصة ربان باخرة منذ أن تعرضت سفينته للغرق بسواحل الداخلة قبل قرابة سنة وأصبح عاطلًا عن العمل.

وبخلاف حادثة بائع السمك، محسن فكري، فإن واقعة انتحار ربان السفينة حرقًا، لم تلق تفاعلًا يذكر لدى الرأي العام، سياسيًا وشعبيًا وإعلاميًا، اعتبرها البعض عربونًا على موت الأمل في الإصلاح وتحسين الأوضاع المعيشية بالنسبة لكثير من المواطنين المغاربة، بعدما فشلت حكومة عبد الإله بنكيران طوال خمس سنوات في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للبلاد في نظر قطاع عريض من المغاربة، وزاد هذا اليأس في نظر بعض المحللين مع تشكيل «الحكومة الهجينة» الجديدة، التي يرتقب الإعلان عن وزرائها خلال اليومين القادمين.

وكان الملك محمد السادس، قبل أسبوعين، قد أعفى عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة بعد الجمود السياسي طوال خمسة أشهر، وعين بدلًا منه سعد الدين العثماني، وزير الخارجية السابق ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، الذي سرعان ما أعلن الائتلاف الحكومي المكون من ستة أحزاب سياسية غير متجانسة.

حكومة إسلامية شيوعية إدارية

تتشكل الحكومة التي أعلن سعد الدين العثماني عن هيكلتها الأولية من ستة أحزاب، وهي حزب العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الدستوري، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وكذلك حزب التقدم والاشتراكية، فيما سيمثل المعارضةَ كلٌّ من حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال.

لكن ما يثير التساؤل في طبيعة هذه الحكومة الجديدة، هي التوليفة الغريبة التي تكونها، إذ يضم التحالف الحكومي أحزابًا بمرجعيات شديدة الاختلاف ولا خيط ناظم بينها، فيجتمع الإسلاميون مع الشيوعيين وكذا اليساريين الوسطيين بالإضافة إلى الإداريين الموالين للسلطة فضلًا عن الوزارات السيادية (الخاصة بالملك)، فكيف يمكنها أن تصيغ برنامجًا حكوميًا منسجمًا ذا رؤية موحدة؟

هذا الأمر أثار استياء الرأي العام المغربي، حيث تبين من وجهة نظر البعض عبثية العملية الانتخابية والاستهتار بقيمة أصوات المواطنين في رسم التشكيلة الحكومية، ما يؤدي إلى مزيد من تمييع الممارسة السياسية بالمغرب، ومثلما يشير عبد القادر الزاوي، الباحث السياسي، فإن ما وصلت إليه الأحزاب السياسية حاليًا يفرغها من هويتها الحقيقية وأيديولوجيتها التي كانت تروج لها أمام الناخبين.

وهو ما يعني بالنسبة للبعض أن السياسة في المغرب أصبحت مشخصنة، ولم تعد تقتصر على الأفكار والبرامج السياسية المقترحة لحل أزمات الصحة والتعليم والبطالة كما يفترض، بقدر ما تصاغ بمنطق «التوافقات الانتهازية» بين الأحزاب، وصار النقاش في الساحة السياسية وداخل الأحزاب ذاتها يختصر في التسابق للحصول على الحقائب الوزارية الكثيرة، التي يفوق عددها في دول عظمى.

وفي هذا الصدد، يقول الأستاذ الجامعي علي السيجاري، إن «الصراع الذي أبانت عليه نخب الأحزاب حول المناصب الوزارية جعل من الوظيفة الوزارية ريعًا من قبل الأحزاب الصورية»، متأسفًا «عن الوضع الذي وصل إلى درجة تحت الصفر في البلاد»، وفق قوله.

ويدور الصراع حاليًا بين الأحزاب الستة، المشكلة للتحالف الحكومي الجديد، حول الحقائب الوزارية المهمة، وهي الاقتصاد والمالية والتجهيز والفلاحة والطاقة والصناعة والتجارة، ويشتد هذا الصراع داخل كل حزب حول الأسماء التي ستشغل الوزارات والدواوين ومكاتب الدولة، وهو ما يؤكد على أن المشهد السياسي في المغرب لا يزال يكرس منطق «تقسيم الغنيمة» في عملية تشكيل الحكومة.

موت السياسة بالمغرب

عقد الأمل في الإصلاح منذ احتجاجات 20 فبراير (شباط) 2011، وبعد مضي ست سنوات تبين أن الديمقراطية والتنمية في المغرب لا تزال تراوح مكانها، كما يوضح تقرير التنمية البشرية لـ2016 الصادر حديثًا عن الأمم المتحدة، حيث احتل المغرب المركز 123 من أصل 188 دولة في العالم، متخلفًا بذلك حتى عن جيرانه في شمال إفريقيا، إذ الجزائر على الرتبة 83، وتونس الرتبة 97، وليبيا 102، ومصر 111. ما يؤكد على أن دار لقمان ما زالت على حالها.

في نظر السيجاري، فإن الأمر يعود إلى أن جميع الأحزاب السياسية، خصوصًا المشاركة في المؤسسات، «لم تصل بعد إلى مرحلة الوعي التاريخي الذي تقتضيه المرحلة، الذي به يمكن للدولة أن تكون لها كرامة»، إذ لا يزال البلد يعيش مرحلة التوازنات العامة والتوافقات وراء الستار والوصولية للمناصب، في حين يتم تجاهل القضايا الأساسية، التي تؤرق حياة المواطنين، من صحة وتعليم وشغل وسكن.

ويذهب في نفس الطريق، فؤاد عبد المومني، المحلل الاقتصادي، الذي يرى أن مسلسل الانتقال الديمقراطي «تم إجهاضه بسبب ضعف النخب، التي تعتقد أنها تملك الحقيقة، وتحاول التموقع إلى جانب الطرف الرسمي»، الشيء الذي يعني أن البلاد تعيش أزمة نخب، وباتت غير قادرة على تخريج نخبة سياسية كفؤ ونزيهة، يمكنها أن تقود سفينة البلد إلى شاطئ الاستقرار والتنمية والديمقراطية.

وعندما تعجز الساحة المجتمعية عن دفع نخب جديرة بتمثيلها إلى سدة السلطة، بغرض أن تنقذها من شقائها، فإن الفراغ يملؤه الفاسدون وعديمو الكفاءة، وتضيع بذلك فرصة التغيير التي فتحتها «احتجاجات 2011» الشعبية، ليغلق القوس اليوم، ويصبح «لسان حال المخزن يقول الآن: ارحلي يا عاصفة لنعد إلى هدوء الاستبداد والقمع»، على حد تعبير المؤرخ المغربي المعطي منجيب.

هل تنجح الحكومة الجديدة في حل مشاكل المواطنين؟

تواجه الحكومة الجديدة تحديات لا مفر منها لإنقاذ البلاد من الإفلاس الشامل، وهي متعلقة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية الحارقة، التي تتسبب في معاناة المواطنين، إذ لا يزال التعليم في ذيل مراتب دول العالم، ولا يزال المواطنون يتهددهم شبح المرض والموت نتيجة سوء الخدمات الصحية، كما أن الأسر تئن تحت وطأة اشتعال الأسعار وبطالة أبنائها، ناهيك عن أن ديون البلاد الخارجية بلغت %87 من الدخل الخام، أي ما يعادل 870 مليار درهم، وفوق ذلك لا يزال الفساد مستمرًا بحسب التقارير الموثقة.

وبالتأكيد تحتاج مثل هذه المشاكل العميقة إلى حلول عاجلة لمعالجتها، إلا أنه لا يظهر في نظر المحللين كون الحكومة الجديدة قادرة على الإتيان بها، إذ تضم نفس الأحزاب والوجوه المألوفة، التي لم تقدم سابقًا أي إنجاز يذكر، علاوة على أنه لم يقدم أي حزب حتى الآن برنامجًا عمليًا يوضح رؤيته لحل مشكلة التعليم أو الصحة أو الفقر، بل إن مثل هذه المسائل الجوهرية لا يلتفت إليها السياسيون، وبدل ذلك يشغلون الرأي العام بنقاشات شعبوية لا تقدم شيئًا للمواطنين في نظر الكثيرين؟

فضلًا عن أن التجارب السياسية السابقة أظهرت بالملموس أن جميع الأحزاب السياسية تفتقد للكفاءات اللازمة للتعامل مع مشاكل البلاد العويصة، وتستغل مناصبها الرفيعة فقط في نظر البعض في التمتع بالرواتب السمينة والتعويضات وامتيازات الوظائف الرفيعة. وطالما تفتقد الأحزاب لنخب الكفاءة والنزاهة، فإنه لا ينتظر منها تحقيق أي نتائج إيجابية، كما يقول الصحافي المغربي حميد المهداوي.

وفي ظل غياب برنامج حكومي واضح ومتناغم، سيكون، كما يقول المحلل السياسي محمد عصام لعروسي، «الارتباك والعشوائية سيّديْ الموقف»، مما يصعب قيادة سفينة الحكومة المقبلة، متوقعًا أن تخلف الموعد مع كل الانتظارات الحارقة للشعب المغربي، من جراء الارتجال في اتخاذ القرارات، وبالتالي «ستبقى المؤسسة الملكية صاحبة المبادرات الكبرى في ظل حكومة غير منسجمة ومشتتة»، على حد تعبيره.

 

خالد بن الشريف

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. عبدالله

    والله عندما أقرأ مثل هذه المقالات أضحك.... يا كاتب المقال:هل في ليبيا حكومة حتى تصنف؟؟؟ و هل في الجزائر رئيس؟؟؟؟ وهل مرت تونس من الثورة؟؟؟؟ نحن يحكمنا ملك إسمه محمد السادس نصره الله و أيده.... أما الترترة و التصنيفات فإلى المزبلة

الجزائر تايمز فيسبوك