إلى من تطيش عقولهم ويتساءلون: أين الله مما يحدث؟

IMG_87461-1300x866

إلى من تطيش عقولهم ويتساءلون: أين الله مما يحدث؟...
نعم ..أنصفوا الله تعالى واقْدُروه حق قدره، ولا تتهموا أقداره، ولا تظنوا أنفسكم أرحم منه مهما رأيتم من الفواجع والمواجع، إنه ينظر إليها بغير نظركم، نظر إله خالق، لا نظر عبد مخلوق، نظر (المنزه) عن العاطفة والأحاسيس والمشاعر والأعصاب التي لكم، نظر من ليس من شرط رحمته أن تكون كرحمتكم، فرحمتكم مخلوقة، ورحمته صفة له لازمة، نظر من يعلم العواقب والخفايا لا نظر السطحية كنظركم، وبقدر ما بين عبوديتكم وربوبيته تغيب عن بالكم حكمته، ولا تبدو لكم في (الأشلاء) والدم رحمته، وإنما هو (الصبور) يصبر حتى يظن الغافل أن لا إله، إليه مصير أرواح الضحايا، وهو يسمع أنين المعذبين، وحتى هذه الدموع التي تذرفونها والآهات التي تتجرعونها هو خالقها، فهل يخلق فيكم هذه الرحمة ثم تكونون أرحم منه؟ كيف يعطيكم هذا الشعور بالألم حتى تتساءلوا: أين الله؟ ولا تدرون أنه في تساؤلكم هذا، وفي ألمكم هذا، وهل خلق ألمكم سواه؟ كيف تتهمونه بالقسوة وترك البشرية للآلام وأنتم من البشرية تتألمون للبشرية؟ ألمكم من تجليات رحمته، وعذاب الضحايا من تجليات حكمته.

الخلق خلقه، يفعل فيهم ما يشاء بحكمته، {لا يُسأل عما يفعل}، ولا تظنوه غائبا أو غافلا، هو لا يرضى الظلم، وقد اشتد غضبه على كل ظالم، ولكنه لم يجعل من طبيعة الدنيا أن يصفّيها من الأكدار والآلام، ولم يجعل من شأنه تعجيل الحساب قبل يوم الحساب، ولا نقض قانون: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، إنه يعطي للباطل مداه بقدر ما يستطيع ويريد هل الباطل، ويعطي أهل الحق بقدر ما يتسببون في نصرة الحق، عدل منه بين طرفي الصراع، {كلا نمِدُّ هؤلاء وهؤلاء}، فإن نام أهل الحق فهل له أن يجبرهم على مواجهة أهل الباطل إن بذل أهل الباطل جهدهم؟ وهذا ما يقع الآن.

ثم إن من طالبه بالتدخل في صراع الخير والشر فقد طالبه بما لم يتعهد به، وإنما تعهد بنصر المؤمنين إن نصروه، وما جعل الباطل يزهق إلا إن جاء الحق وأهل الحق، وكلما فرطت الأمة في الجندية للحق تأخر عنها مدد الله تعالى، ثم هو ينظر إلى كل هذا الألم بعين (إله) هو الإله الحق، يعلم أن عمر الدنيا أتفه من أن تظنوه شيئا، إنه أهون من أن يجعله جزاءً لمؤمن أو نكالا لظالم، ويعلم أن الآخرة هي (الموعد) الحق، {ذلك يوم الفصل}، فهل يترك علمه لعلمكم، وكماله لقصور نظركم؟ وافرضوا أن الدنيا ليس فيها هذا البلاء، كيف تظهر إنسانية الإنسان؟ وكيف يعلم بإنسانيته لولا ما تستثيره فيه المشاهد من حزن وأسى؟ وكيف يتعبدك الله تعالى بأن تتحسر وتحزن لغيرك بحكم رابطة العقيدة والإنسانية؟ هل تريد حياة كلها سراء، وعبادة لا تحمل فيها، ولا تعب فيها، ولا مشاركة لآلام غيرك فيها؟

ولعل قائلا يقول: ما ذنب الضحايا والأطفال؟ والجواب: هم خلقه أم خلقك؟ وملكه أم ملكك؟ وهل تلك الأرواح لك عليها سلطان؟ إن كان لك في خلقها شراكة فتدخل، وإن لم يكن لك من الأمر شيئ فسلم الأمر لصاحب الأمر تسترحْ، وهل إذا أراد الله تعالى أن ينقل (طفلا) إلى دار كرامته يستشيرك؟ أم عليه أن يوضح لك لماذا جاء به ولماذا ذهب به؟ ولماذا جعله أشلاء ممزقة؟ ولماذا جعله يتألم؟ تلك (طلاقة قدرته)، لو كان لا يخلق إلا الخير لكان عاجزا، من يخلق الشر؟ من يخلق الباطل؟ من يخلق النقيض؟ أم ينبغي أن يكون للشر إله آخر؟ والحق أنه لا إله ولا خالق إلا الله.

ثم هل تريد أن تساوي نفسك به وأنت عبده؟ هل علمك كعلمه وإرادتك كإرادته؟ وربنا -تعالى- يعلم ما ينتظر الضحايا من كرمه ورأفته ورحمته، ويعلم ما ينتظر القتلة والبغاة من بطشته، والله الذي لا إله إلا هو لو كُشف لكم الغطاء عما ينتظر الجبابرة من نقمته وبطشته لانشغلتم بالشفقة عليهم عن الشفقة على الضحايا.

ولقد مررت الليلة على سورة (البروج) فوجدت فيها عجبا، أعداء الله يقتلون أولياء الله تعالى ويحرقونهم بالنار، ولا يتدخل، كما قتلوا وذبحوا الأنبياء وأحرقوا الأولياء ولم يتدخل، ذبح يحيى - عليه السلام- وأهدي رأسه لفاجرة، ونُشر بالمنشار زكريا - عليه السلام- وذبح الحسين - عليه الرضوان- وآل بيت النبوة وطيف برأسه ورؤوسهم، ولم يتدخل سبحانه لأنه وعد بالفصل يوم الفصل، {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما..}، أي: لكان عذابهم لزاما في الدنيا، ولكن سبقت كلمته (وعده) بتأجيل الحساب، والصبر على الطغاة، إلا أن تحرك أهل الحق في وجوههم فهو ناصر أهل الحق، {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم..}، ولم يقل: (بيده)، ثم مع ذلك يدعو الطغاة إلى التوبة ليقيم عليهم الحجة، {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لمم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق}، فالعجب كيف يحرقون أولياءه ثم يفتح لهم باب التوبة، ثم يقول: {إن بطش ربك لشديد}، ليقول بعدها عن ذاته العلية: {وهو الغفور الودود}، يتودد بالمغفرة لمن أرادوا الإنابة، أما من بقوا على الطغيان فهو {من ورائهم محيط}، فإذا جاء يوم الفصل رأى الخارجون من قبورهم أن الدنيا كانت محض غرور، وأنهم في ذلك اليوم أحوج إلى الإنصاف والعدل منهم في الدنيا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب منقلبون، وسيعلم ذو اليقين أنه لا طعم للقيامة لو عجل الله تعالى الحساب في الدنيا، فمن آمن بالآخرة وحكمة الله استراح وسلم، ومن لم يحتمل حكمة التأجيل والبلاء فمصيبته في تحدي خالقه والإنكار عليه أكبر من مصيبة أهل البلاء.
اللهم غفرانك .. سلمت لك في كل قضاء .. وأسألك العفو والعافية من كل بلاء..!

 

للدكتور محمد تاج الدين

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. شكرا كلام جميل ومطمئن والله مااتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عداب النار

  2. مروان

    لله ما أعطى ولله ما أخد وأشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وإنا لله وإنا إليه راجعون !

الجزائر تايمز فيسبوك