بالرغم أن المغرب جسد عبر التاريخ واحة للإسلام المعتدل والمتسامح والمتعايش مع مختلف الأديان والحضارات، القادر على احتواء مختلف الثقافات والعادات والتقاليد الاجتماعية المحلية والوافدة، في قالب إيماني خالص مبني على الحب للوطن، فإننا ابتلينا في العصر الحالي بأشخاص يصنفون أنفسهم في خانة العلماء، بل أحيانا يجعلون من أنفسهم قادة ورموز ومفتين بدون توفر شروط الاجتهاد والفتوى، مستغلين أجواء التسامح والاعتدال التي تطبع المجتمع المغربي.
نقف اليوم عند حالات يصعد فيها بعض المدعين منابر الإمامة ليحدثون الناس بما لا يفقهون ويدعون ما لا يعلمون ويخلطون بين الدين ومصالحهم الشخصية ليصفوا حساباتهم مع من يعتبرونهم أعداء لهم حتى لو اقتضى الأمر ادعاء أشياء لا تمت للحقيقة بصلة.
لقد ساهم وضع بعض المعتقلين في قضايا الإرهاب خلف أقبية السجون في منحهم شهرة كبيرة، جلبت لهم تعاطف بعض الجاهلين الميالين للخطابات الحماسية الشعبوية، مما أوهمهم قدرة على تعبئة الشارع وطمس الحقائق والسعي لخلق الفتنة بروح انتقامية من أحداث سابقة اتسمت بالحساسية وقادت إلى اعتقالات في صفوف بعض المتدينين انتهت ببعضهم إلى التحول لأعداء للدولة ومؤسساتها كشعور انتقامي بسبب ما تعرضوا له من اعتقال.
وفي هذا السياق، أثار عمر الحدوشي، الذي يحاول منازعة بعض زملائه سابقا في الاعتقال زعامة ما يعرف بالحركة السلفية الجهادية، جدلا إعلاميا وفقهيا واجتماعيا بسبب خرجاته الإعلامية المتكررة، أولا فقد أثار الحدوشي استغراب كل المتتبعين بإلقائه خطبة الجمعة في مسجد التوبة بمدينة سبتة المحتلة رغم أنه يعلم أن هذه المنطقة سليبة ويعتبر هذا الفعل بنظر إخوانه السلفيين تزكية للاحتلال الإسباني وقذفا وسبا في حق بلده، وثانيا أبدى عدد من العلماء استغرابهم لمنح الحدوشي نفسه صفة المشيخة العلمية والإفتاء رغم أنه لا يتوفر على شروطها وضوابطها ومعاييرها، وثالثا فإن أحاديث الحدوشي تٌثير جدلا اجتماعيا بحكم قيامه باستقطابه عدد من الشباب الذين أبعدهم عن القيم الاجتماعية المعتدلة للمغاربة وأدى بهم إلى حالة عداء مع أسرهم وذويهم بسبب سلوكياتهم الغريبة والدخيلة عن المجتمع التي تحرم كل شيء (مشاهدة التلفزيون، مشاهدة مباريات كرة القدم، الاختلاط،،،،).
إن حالة الحدوشي واحدة من الحالات التي تثير استغراب الحقوقيين والإعلاميين بشأن عدم وجود ضوابط للتحكم في الفوضى التي تطبع مجال الإفتاء، من جهة، ومن جهة أخرى، عدم وجود ضوابط للتحكم في الفوضى التي تطبع أيضا التجمعات الدينية غير المرخص لها التي تنشر الفتنة في قلب المجتمع، ومن جهة ثالثة، عدم وجود أي تحرك حكومي للتحقيق في ادعاءات الحدوشي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان ضد المعتقلين السلفيين ومواجهته بذلك أمام القضاء لوضع حد لهذه الادعاءات وإغلاق الباب أمام دعاة الفتنة.
والحق يقال أن المسئولية لا تقع فحسب على عاتق الدولة وإنما تتقاسمها معها عدة مؤسسات وهيئات في مقدمتها المجلس العلمي الأعلى ودوره في نشر الوعي الديني الحقيقي والتصدي لمدعي الأباطيل والفتن وتقنين مجال الإفتاء فقهيا وقانونيا وإعلاميا، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى على رأسها وزارة العدل والحريات وما ينبغي عليها أن تقوم به من فتح تحقيقات بشأن هذه الادعاءات ومعالجة كل هذه الانفلاتات الدينية بالقانون لحماية المجتمع من هذه الفتن الضالة.
لا شك أن الطريق أصبح واضحا أمام المواطنين للتمييز بين رموز الاعتدال والتسامح والتعايش الحضاري والديني، وبين رموز التطرف والفتنة والضلال والبدع الوافدة، ولا يمكن للمغرب أن يقضي على هذه المظاهر الهدامة إلا ببناء دولة المؤسسات القائمة على الحق والقانون على أسس من الحكمة والتبصر والاعتدال.
عبدالله السباعي